ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كان في أحد البلاد قاض مشهور بالعدل والذّكاء. انتشر خبر القاضي العادل في كل مكان. وصل الخبر إلى الملك. سعد الملك أن في مملكته قاضيا حكيما يحكم بين الناس بالعدل. قال الملك:لا أكتفي بما أسمعه عن ذلك القاضي، أريد أن أتأكّد بنفسي من عدالته، وأعرف طريقته في الحكم بين الناس.
لبس الملك ثوب رجل عاديّ ليتنكّر حتى لا يعرفه الناس. ركب الملك حصانه، وغادر قصره وسار في الطريق من غير حرّاس ولا جنود. شاهد الملك شحاذا يمد يده للناس، فسألهم أن يتصدّقوا عليه ببعض المال. أشفق الملك على الشحاذ، وطلب منه أن بركب الحصان خلفه لينقله إلى المدينة. ركب الشحاذ خلف الملك وهو لا يعرف.وصل الحصان إلى المدينة وعليها لرجل ومن خلفه الشحاذ. التفت الرجل للشحاذ وقال:وصلنا المدينة، يمكنك الآن أن تنزل، لكن حاذر أن تقع على الأرض!.أجاب الشحاذ بأعلى صوته:الحصان حصاني، كيف تطردني أيها الرجل؟! انزل أنت الآن من فوق حصاني. ثم صاح الشحاذ واستغاث، فتجمع الناس حولهما. قال الشحاذ للناس:هذا حصاني. وقال الرجل:بل هو حصاني. احتار الناس ولم يعرفوا أيّ الرجلين صادقا في كلامه. قال أحد الناس:هيا إلى القاضي؛ فهو الذي سيحكم بينكما بالعدل.أخذ الناس الرجل والشحاذ إلى دار القضاء. كان القاضي جالسا يحكم بين الناس. وقف الرجل أمام القاضي وقصّ عليه قصّته. سمع الشحاذ كلام الرجل، فصاح وقال للقاضي:هذا الرجل كذّاب، الحصان حصاني، وأنا ركّبته معي لأدلّه على الطريق.قال القاضي:اتركا الحصان عندي، واذهبا الآن، ثمّ أرجعا إليّ صباح الغد. انصرف الرجلان، فوضع القاضي الحصان في الإسطبل.في صباح اليوم التالي جاء الرجل والشحاذ إلى دار القضاء، نهض القاضي من مجلسه وقال للرجل الشحاذ:اتبعاني. سار القاضي، وسار خلفه الرجل والشحاذ.. وصل الثلاثة إلى الإسطبل. دخل القاضي والرجل والشحاذ الإسطبل، وكان الحصان موجودا. بقي الثلاثة في الإسطبل بعض الوقت، ثم عاد القاضي ومعه الرجلان إلى دار القضاء. حكم القاضي برد الحصان للرجل، وأمر جنوده أن يجلدوا الشحاذ ويحبسوه.في المساء ذهب الرجل إلى بيت القاضي وسأله:كيف عرفت الحقيقة؟.فقال القاضي:الأمر بسيط، عندما دخلتما الإسطبل معي هذا الصباح لاحظت أن الحصان يقترب منك ويشمّك ويتمسّح بك، بينما لم يبد أي حركة نحو الرجل الآخر، فأدركت – دون شك – أن الحصان لك. ابتسم الرجل وقال للقاضي:أتدري من أنا؟. قال القاضي:لا.فقال الرجل:أنا الملك، جأت متنكّرا لأتأكّد من عدلك. اختر المكافأة التي تحبّها. قال القاضي:اعذرني أيّها الملك؛ فلن أختار شيئا، إنّما أؤدي واجبي!. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2 أكرم الرجال
كان الناس في أول الإسلام يجتمعون حول الكعبة،ويتبادلون الأحاديث. وجلس ذات يوم ثلاثة رجال يتحدّثون عن كرماء الإسلام. قال الرّجل الأول: أكرم الناس عبد الله بن جعفر، وقال الثّاني، أكرم الناس عرّابة القوسي، وقال الثالث: أكرم الناس قيس بن سعد.اختلف الرجال الثلاثة، وارتفعت أصواتهم. الأول يقول: عبدالله أكرم. والثاني يقول:عرّابة أكرم. والثالث يقول: قيس أكرم. سمع الناس مناقشة الرجال الثلاثة، فقالوا لهم: اذهبوا إلى أصحابكم، أمتحنوهم، ثم ارجعوا إلينا وأخبرونا بما فعل أصحابكم، لنحكم بينكم!.ذهب الرجل الأول إلى بيت عبد الله بن جعفر. وجده أمام البيت يستعدّ ليركب جمله، ويذهب إلى أرضه. قال الرجل لعبد الله:يا ابن عمّ رسول الله! انا ابن سبيل... ولا أهل لي... نزل عبد الله من فوق جمله، وقال للرجل: اركب جملي هذا.. وخذ ما في الحقيبة.. وخذ هذا السّيف أيضا... هو سيف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.رجع الرجل إلى الكعبة. فتح الناس الحقيبة فوجدوا فيها ملابس ودنانير كثيرة... وسيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه.ذهب الرجل الثاني إلى بيت قيس بن سعد. قالت له الخادم: قيس نائم. ماذا تطلب؟ قال:أنا ابن سبيل.. ولا أهل لي... قالت الخادم للرجل:خذ هذا الكيس، فيه سبعمائة دينار. هي كل ما عند سيّدي. ثم أعطته جملا... شكر الرجل الخادم وذهب. استيقظ قيس، فأخبرته الخادم بما فعلت، فسرّ لتصرّفها وشكرها. رجع الرجل إلى الكعبة يقود الجمل ويحمل الدنانير.ذهب الرجل الثالث إلى بيت عرّابة، فوجده أمام البيت، يريد أن يذهب إلى المسجد للصلاة... كان عرّابة أعمى يعتمد على خادم يقوده إلى المسجد. قال الرجل:يا عرّابة أنا ابن سبيل ولا أهل لي.قال عرّابة خذ هذا الخادم... هو كل ما أملك. ثم سار عرّابة يتحسس الجدار ليصل إلى المسجد... أخذ الرجل الخادم، ورجع إلى الكعبة.تجمّع الناس حول الرجال الثلاثة... حكى الرجل الأول قصّته... وحكى الثاني قصّته... حكى الرجل الثالث قصّته...فهل تعرفون ماذا كان حكم الناس؟
قال الناس:أصحابكم جميعا كرماء... وعرّابة أكرم الرجال؛ لأنّه أعطى كل ما عنده رغم شدّة حاجته إليه!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
الرحمة في قلوب المحسنين 3
وصل عمّار إلى قصره في الظهر متعبا جائعا، ووجد على المائدة أصنافا كثيرة من الأطعمة الّتي يحبها، ولكنه لم يمد يده إلى أي صنف من أصناف الطعام، فلم تكن لديه شهيّة للأكل. نادى عمّار خادمه أمجد وطلب منه أن يرفع الطعام، ويعدّ له فرسه ليخرج.قال أمجد: كيف تخرج الآن يا سيّدي – في هذا الجو الحار؟ ألم تتعوّد النوم في وقت الظهيرة؟!. قال عمّار: لا أدري يا أمجد.. لماذا ليس لدي رغبة في طعام أو نوم؟!. فقال الخادم: عافاك الله من كل سوء يا سيّدي!.وخرج عمّار من قصره يركب فرسه، وانطلق به إلى قلب الصّحراء يسير بلا هدف. وكلّما شعر عمّار بشدّة الحر اتجه بفرسه إلى مدينة قريبة.. وفي الطريق شاهد دارا صغيرة أمامها شجرة خضراء. اقترب عمّر من الدّار فوجد الخادم واقفا بالباب. قال عمّار: يا غلام أعندك ماء تسقيني؟. ردّ الخادم: لا تقف في الخارج هكذا يا سيّدي! إني أراك متعبا ومرهقا من الحر والسفر.. تفضّل الدّخول، وسوف أحضر لك الماء البارد، والمنديل المعطّر لتجفف به عرقك.غلب الغلام وعاد معه إناء من الماء البارد، وسقى عمّارا، وقدّم له المنديل المعطر، فمسح عمر عرقه، وشكر الخادم وانصرف. ركب عمر فرسه وانطلق عائدا إلى قصره وفي الطّريق سمع المؤذّن ينادي للصلاة، فاتّجه إلى أقرب مسجد.وبعد الصّلاة وبينما كان عمّار يستعد للخروج من المسجد شاهد رجلا أعمى يتّجه نحوه. فسأله عمّار:ماذا تريد أيّها الرّجل؟. فقال الأعمى: أريدك أنت.فسأله عمّار: ولماذا تريدني يالذاّت؟. قال الأعمى: لأنني شممت عن بعد رائحة عطر طيّبة، فأدركت أنّك من أهل النّعيم، وأردت أن أحدّثك بشيء.. أترى هذا القصر الكبير الذي امام المسجد؟! لقد كان في يوم من الأيام قصر أبي.. وباعه لصديق عزيز عليه، وقد حدّثني عن هذا الصّديق كثيرا، وقال لي أنّه رجل كريم معروف برحمته للفقراء والمحتاجين.عندئذ سأله عمّار بإهتمام: وأين أبوك الآن؟. قال الأعمى: بعد أن باع هذا القصر، وسافرنا من بلد إلى بلد، وكان أبي مسرفا، فقد كلّ ما يملك، وفقدت أنا بصري بسبب مرض، وسائت أحوالي، وأصابني الفقر الشّديد.. فهل يمكنك أن تساعدني وتأخذني إلى صاحب هذا القصر، لعلّه يسمع إلى شكواي، ويشفق عليّ ويساعدني؟.قار عمّار بتأثير شديد:عجبا لما حدث لي اليوم أيّها الرّجل.. فقد فقدت شهيّتي ولم أتناول طعام الغداء، وأصابني القلق ولم أنم كعادتي.. حدث كل هذا كي نتقابل وأستمع إلى شكواك. فسأله الأعمى:ما أعظم صنعك يا رب!. قال عمّار: هذه ألف دينار، قد سلّمها لي اليوم أحد وكلائي من إيجار أرض لي، وكأنّه قد أحضرها لك.. تفضّل.. هي من نصيبك.قال الأعمى:شكرا لله الذي وضع الرّحمة في قلوب المحسنين ليعطفوا على الفقراء والمساكين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4 العفو عند المقدرة
أراد شاب أن يسافر إلى مكّة ليؤدّي العمرة. فأعدّ جمله وطعامه، وبدأ رحلته.وبعد ساعات من السفر وجد الشاب مكانا به عشب أخضر، فلجأ إليه ليستريح بعض الوقت. جلس الشاب تحت ظل شجرة وراح في نوم عميق. وفي أثناء نومه راح جمله يتنقّل هنا وهناك حتى دخل في بستان قريب. بدأ الجمل يأكل من الثّمار والأعشاب ويفسد كل مكان يمر به. وكان حارس البستان شيخا كبير السّن. حاول الحارس طرد الجمل من البستان فلم يقدر. خاف الحارس أن يفسد الجمل البستان كلّه فقتله.ولما استيقظ الشاب من نومه بحث عن جمله فوجده داخل البستان مقتولا. جاء حارس البستان فسأله الشاب :من قتل هذا الجمل؟. ذكر الحارس ما فعله الجمل بأشجار البستان مما دفعه إلى قتله. غضب الشاب غضبا شديدا. وضرب الشيخ ضربة قتلته في الحال.ندم الشاب على ما فعله وفكّر في الهرب. وفي أثناء ذلك وصل ابنا الحارس وأمسكا بالشّاب، وذهبا به إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وطلبا تنفيذ حكم القصاص في الشاب الذي قتل أباهما.سأل عمر – رضي الله عنه – الشاب، فاعترف بجريمته، وقال أنّه نادم على ما فعل أشد النّدم.قال عمر رضي الله عنه: ليس لك عندي إلا تنفيذ شرع الله.عندئذ طلب الشاب من عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ان يمهله يومين يذهب فيهما إلى بلدته ليسدّد بعض الدّيون الّتي عليه. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أحضر من يضمن لنا عودتك ثانية، وإذا لم تعد نفّذنا فيه الحكم بدلا منك.فقال الشاب: أنا – يا أمير المؤمنين – غريب عن هذه الدّيار، ولا أستطيع أن آتي بضامن.وكان الصّحابيّ أبو ذرّ الغفاريّ – رضي الله عنه – حاضرا، فقال لعمر يا أمير المؤمنين.. هذه رأسي أقدّمها لك إذا لم يحضر الشاب بعد يومين.فقال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في دهشة:أأنت الضّامن.. يا أبا ذرّ.. يا صاحب رسول الله؟!. قال أبو ذرّ:نعم، يا أمير المؤمنين.وفي يوم تنفيذ حكم القتل انتظر الجميع عودة الشاب.. وكانت المفاجأة! فقد رأى الحاضرون الشّاب مقبلا من بعيد في سرعة حتّى وصل إلى مكان تنفيذ الحكم، فنظر الجميع إليه في دهشة! حينئذ قال عمر رضي الله عنه: لماذا عدت أيّها الشاب وكنت تستطيع أن تنجو من الموت؟.قال الشاب: يا أمير المؤمنين.. فعلت هذا حتّى لا تقول الناس أن الوفاء بالوعد قد ضاع بين المسلمين.وتوجّه عمر – رضي الله غنه – إلى أبي ذرّ وسأله: وأنت يا أبا ذرّ.. لم فعلت ما فعلت وأنت لا تعرف هذا الشاب؟!.فأجاب أبو ذرّ رضي الله عنه: فعلت ذلك حتّى لا تقول الناس أن المروءة قد فقدت من أهلها!.هناك أفضل من العفو عند الوعنئذ قال الشّابان ابنا الشيخ المقتول: ونحن بدورنا – يا أمير المؤمنين – نشهدك بأننا قد عفونا عن هذا الشاب وتنازلنا عن حقّنا؛ فليس هناك أفضل من العفو عند
المقدرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5 الرزق الحلال
بحث رجل فقير في بيته عن طعام يفطر به فلم يجد شيئا. استعدّ الرجل للخروج فقالت له زوجته: هل ستتركنا دون طعام؟. قال الرجل:أنا ذاهب إلى الكعبة، لأطوف بها سبعة أشواط، وأدعوا الله ان يرزقنا؛ فهو خير الرّازقين.
توجّه الرّجل مزدحما بالحجاج، فلما أتم الرجل الطّواف، وصلّى، وهمّ بالخروج من الحرم عثرت قدمه بكيس على الأرض، فانحنا ليأخذه، وبحث الرجل فيه فوجده مملوءا بالدنانير. نظر الرجل حوله على زوجته فرحا متهلّلا، وقال:أنظري – يا زوجتي – ماذا رزقني الله اليوم؟! كيسا به مائة دينار. قالت الزوجة على الفور: اذهب إلى المكان الذي وجدت فيه الكيس، هذا الكيس ليس لنا، وإنّّما يخص صاحبه الذي فقده.
سمع الرجل كلام زوجته، وخرج من البيت قاصدا الكعبة، ومعه كيس النقود، وفي الطريق قال لنفسه: زوجتي على حق، فديننا أمرنا بالأمانة، والأمانة تدعونا ان نرد الأشياء لأصحابها.
وصل الرجل إلى المكان الذي عثر فيه على كيس النقود، فسمع أحد الحجاج ينادي:يا أهل الله، من وجد كيسا به نقود؟!.
تقدّم الرجل من الحاج وسأله:هل تعرف ما به يا حاج؟. فأجاب الحاج نعم، بالكيس مائة دينار. عندئذ قدم الرجل الكيس للحاج، وقال:صدقت، خذ هذا الكيس، إنه كيسك الذي تبحث عنه. نظر الحاج في الكيس فوجد الدنانير كاملة، فقال للرجل:لا يا أخي، هذا الكيس لك أنت ومعه كيس آخر به ألف دينار.
تعجب الرجل من كلام الحاج، وقال:أعطيتك كيسك فتقول أنه لي، وتعطيني زيادة عليه كيسا آخر به الف دينار! إني لا افهم شيئا مما تقول!. قال الحاج: أعطاني هذه الدناير رجل مؤمن من اهل مصر، وأوصاني أن اضع بعضها في الحرم، فإذا عثر عليها شخص، وردّها إلي، أعطيته باقي الدنانير. زادت دهشة الرجل من كلام الحاج وسأله:لكن، لماذا طلب الرجل المؤمن منك ذلك؟!. أجاب الحاج: لقد أراد الرجل المؤمن أن يتصدّق بهذا المبلغ، وكان يودّ أن تكون الصّدقة من نصيب رجل أمين، وأنت رددت الأمانة، ومن يرد الأمانة فهو أمين، والأمين – يا أخي – يأكل ويتصدّق، وبذلك تكون صدقة صاحب المال مقبولة.
أعطى الحاج الرجل الفقير الكيسين، حمل الرجل الفقير الدنانير إلى زوجته، وقصّ عليها الحكاية.. فرحت الزوجة وقالت لزوجها:أمّا الآن، فهذا المال حلال لك ولعيالك، هيّا اذهب واشتري لنا ما نأكله، فأولادنا جائعون، ولا تنسى أن تتصدّق منه، فهناك من هم أحوج إلى المال منّا.
قال الرجل وهو ينصرف إلى السوق:سأفعل يا زوجتي، الحمد لله الذي هداني إلى طريق الخير، ورزقني هذا الرّزق الوفير!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوفاء 6
كان للملك النعمان بن المنذر، ملك الحيرة في العراق، يومان من كل سنة: يوم نعيم يرتدي فيه ثيابا زاهية ويبالغ في إكرام أول من يقدم عليه، ويوم بؤس يرتدي فيه ثياباً سوداً ويأمر بقتل أول من يأتيه زائرا أو طالب حاجة.
وذات يوم جاء رجل بدوي قطع مسافة طويلة للوصول إلى الحيرة وطلب مقابلة الملك.
عرف النعمان الرجل. فهو حنظلة الطائي الذي أضافه يوم ضلّ الطريق في الصحراء هو ورفيقه، وهو لا يعرف من يكونان ووعده النعمان بالمعونة.
أصر الملك على قتل الطائي لأنه جاء في يوم البؤس.
فقال البدوي: أنا رهن إرادتك أيها الملك. لكن لي عيالا تنتظرني فاسمح لي بالعودة إليهم لأوصي بهم وأودعهم قبل موتي وأعدك بالرجوع في مثل هذا اليوم من الأسبوع المقبل.
فقال النعمان: أسمح لك ولكن أريد أن يكفلك شخص ويرضى بالموت مكانك إذا تخلّفت عن الحضور.
نظر حنظلة في وجوه الحاضرين واستقرت عيناه المتوسلتان على عيني "شريك" رفيق الملك يوم أضافهما وكرّمهما.
وبعد لحظة قال رفيق الملك "شريك": أنا أكفل رجوعه أيها الملك....
أخذ الحراس الوزير رهينة....
وفي اليوم السابع تدفقت الجموع إلى ساحة الموت. وقبل الغروب وصل النعمان وحاشيته، وبدا القلق على وجوه الجميع.... هل سيعود حنظلة في الوقت المحدّد؟ هل يقتل الملك رفيقه شريكا؟
نظر الملك إلى الشمس.... ها قد اختفى نصفها الأسفل ولم يبق منها سوى قوس أحمر صغير....
رفع الملك يده، فاستلّ الجلاّد سيفه واستعدّ... انحبست الأنفاس، وجفت الحناجر، وتنقلت نظرات الجماهير بين المغيب ويد الملك وسيف الجلاّد ....
ورأوا غباراً من جهة الشرق، وإذا بجواد يعدو كالبرق ويقف فجأة بين الجموع. فترجّل صاحبه صارخا:.. ها أنا حنظلة قد عدت، أطلقوا "شريكا".
انفرجت أسارير الملك، وسأل "شريكا": لمَ جازفت بحياتك؟
أجاب شريك: لقد عزّ عليّ أيها الملك أن يشاع بأن الوفاء والمروءة قد فقدا من مملكة النعمان.
والتفت النعمان إلى الطائي وسأله: بربك قل لي: ما الذي حملك على الرجوع؟
فأجاب حنظلة: أخلاق عربية ترفض الغدر، ووفاء نبيل أقوى من الموت.
عندها قال الملك: يا قوم..... يا قوم.... لقد كان الطائي نموذجا في الوفاء ، كما كان وزيري "شريك" مثالا في المروءة. وإن أخلاقاً عربية كهذه لن أبخل على أصحابها بالعفو. لقد عفوت عنك يا حنظلة، ولن أردّك إلى عيالك خائبا. أما أنت يا "شريك"، فهنيئا لمملكة أنت وزيرها.....
غابت شمس ذلك اليوم، وغاب معها يوم بؤس النعمان إلى الأبد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراعي الأسود وأمانته 7
خرج المسلمون مع الرّسول إلى خيبر لحرب الكفّار، وانتصر المسلمون، وبدأت حصون خيبر تتساقط في أيدي المسلمين واحدا بعد الآخر. وكان من أهل خيبر رجل أسود يعمل راعيا عند أحد الكفار. فلمّا خرج يرعى الغنم أخذها وسار بها نحو جيش المسلمين ليرى النبي الذي سمع أهل خيبر يتحدّثون عنه.
وصل الرّاعي الأسود ومعه غنمه إلى رسول الله وسأله عن الدّين الجديد الذي يدعوا إليه. فحدّثه الرسول عن الإسلام، فأضاء الله قلب الرّعي بنور الإيمان وقال:وماذا يكون لي إذا شهدت – كما تقول – ان لا إله إلا الله.. وأنّك رسول الله، وآمنت بالله، ولم أعبد سواه؟.
قال الرسول:تكون لك الجنّة إن مت على هذا. فأسلم الراعي الأسود وقال:ولكنم عندي أمانة، هذه الغنم التي أرعاها، كيف أردّها إلى صاحبها؟.
قال الرّسول:إن الله سودّي عنك أمانتك. وطلب منه أن بخرج بالغنم من معسكر المسلمين ويرميها بحفنة من الحصى، وسترجع وحدها إلى صاحبها. فنفّذ الراعي الأسود كلام الرسول ورمى الغنم بالحصى، وقال لها:ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك ابدا. فخرجت الغنم مجتمعة، كأن سائقا يسوقها. وسارت حتّى دخلت حديقة صاحبها. فلمّا رآها صاحبها، فهم أن الراعي قد أسلم ولحق بالرسول.
أمّا الرّاعي الأسود، بعد أن أضاء الله قلبه بنور الإيمان فإنّه حمل السّلاح، وقاتل في سبيل الله فقتل، وصار من الشّهداء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمانة تاجر 8
كانت بغداد مدينة عظيمة، يُحمل إليها كل طريف من نتاج العقول، ومن ثمرات الأرض، وتنصبّ فيها الخيرات والتحف وكل ما هو جميل.وكان في بغداد تاجر من تجار الكرز، على الضفة الغربية من دجلة، يعامل الخراسانيين. فكان يفد عليه كل سنة في موسم الحج تاجر كبير من أهل خراسان بتجارة عظيمة يبيعها له، وكان يعامله بصدق وأمانة، فيربح ألوفا من الدنانير يعيش بها إلى الموسم القادم. انقطع هذا الخراساني سنة، ولم يحضر مع الحجّاج، فأثر ذلك في حال التاجر البغدادي. ولم يحضر في السنة التي بعدها، وامتد انقطاعه سنين، فأفلس التاجر البغدادي وأغلق دكانه وتوارى عن الناس، وبقي هو وأهله في ضيق من أمرهم. خرج التاجر هائما على وجهه حتى وصل إلى نهر دجلة، وكان يوماً حاراً، ولم يكن أحد هناك. فنزع ثيابه ونزل إلى النهر وقد وسوس إليه الشيطان أن يقتل نفسه. ثمّ تذكّر أن الانتحار عمل لا يقبله المؤمن، فغيّر رأيه، واستغفر الله ممّا فكّر فيه. وفيما هو يخرج من الماء تعثر بكومة رمل، انكشفت من تحتها قطعة جلد مدفونة في الأرض. فما زال يحفر من حولها ويسحبها، حتى أخرجها، فإذا هي كمر، فأخفاه تحت ثيابه وجاء به الدار، ففتحه فإذا فيه ألف دينار من ذهب. فقال يا ربّ! إني محتاج إلى هذا المال وسآخذه، ولك علي متى أصلحت حالي، بحثت عن صاحبه ورددت إليه ماله. وأخذ المال واحتفظ بالزنّار، ووفى ديونه وعاد ففتح دكانه. ومرّت أيام طويلة وهو يبحث عن صاحب الزنار ولم يعثر عليه. وفي ليلة باردة ممطرة من ليالي الشتاء، وكان به صداع لا يستطيع النوم، سمع من الطريق صراخا وبكاء، فنظر فإذا برجل يبكي ويلطم وجهه ويصيح. فسأله عمّا به . فأجاب: "صحن فيه حلبة مغلية وزيت، سقط وانكسر". قال: هل هذه الضجّة كلها من أجل حلبة وزيت ما تساوي فلسين؟ فأزداد الرجل بكاء وقال: "والله ما أبكي لفلسين، ولكن زوجتي تضع مولوداً ، وليس معنا شيء. وإن لم تأكل فستموت. والله والله... لقد حججت سنة كذا، فضاع منى زنّار فيه ألف دينار وجواهر، فما بكيت، واحتسبته عند الله. وأنا الآن أبكي من أجل فلسين. فلا يغترّ أحد بالغنى ولا يهزأ أحد بالفقر. فربما افتقر الغني، وأثرى الفقير". قال: " صف لي زنّارك". فقال له: يا رجل أتركني وحالي. أتسخر مني وأنت ترى ما أنا فيه من الفقر والآلام والقيام في المطر؟ ومشى وهو يتّجه بقلبه إلى الله وحده، يرجو منه الفرج. وشعر التاجر بقوة خفيّة تدفعه ليلحق بالرجل، فركض وراءه وقال له :" قف"، فحسبه سيعطيه شيئا فوقف. فلما وصل إليه قال له: "صف لي زنّارك". فوصف له. فعرفه أنه ذاته الخراساني الذي كان يتعامل معه. فسأله: أين امرأتك؟ فأخبره عن مكانها في الفندق. فبعث من جاء بها، وأدخلها إلى أهله، وأحضر لها القابلة، وعني بها، وأدخل الرجل الحمّام وبدّل ملابسه. وخشي أن يفاجئه بالزنّار وأن يعرّفه بنفسه حتى لا يقتله الفرح. وصار يقدم له كل يوم عشرة دنانير من ذهب، والرجل متعجّب من هذا الكرم. ولمّا انقضت أيام قال له: قصّ عليّ قصتك. فقال: كنت في نعمة واسعة ومال كثير. وكنت أحج كل سنة وأجيء بتجارة عظيمة أعود بها بأرباح طائلة. فجاء لي أمير بلدي في إحدى السنين وقال: " إنك معروف بالأمانة، وأعهد إليك بأمر لا يقوم به غيرك. عندي قطعة ياقوت لا مثيل لها، وليس هناك من يشتريها أو يعرف قدرها، ولا تصلح إلا للخليفة، فخذها معك فبعها لي في بغداد" . جعلتها في زنّار صفته كذا وكذا وجعلت معها ألف دينار وربطته في وسطي. فلمّا جئت بغداد نزلت أسبح في الجزيرة عند سوق يحيى وتركت الزنار مع ثيابي بحيث أراهما. فلما صعدت وقد غربت الشمس، لبست ثيابي ونسيت الزنار، ولم أتذكره إلا في اليوم التالي فذهبت لأحضره فلم أجده، وكأن الأرض ابتلعته. فهوّنت المصيبة على نفسي وقلت: أنا رجل غني، ولعلّ قيمة الحجر خمسة آلاف دينار أؤديها من مالي. ولمّا قضيت حجي وعدت إلى بلدي. خبّرت الأمير بما حدث وعرضت عليه خمسة آلف دينار، فطمع وقال: الحجر يساوي أربعين ألف دينار. بعت أملاكي وتجارتي وأثاث بيتي، ولم أتخلص منه. ثم قبض علي وأنزل بي صنوف المكاره، وحبسني سبع سنين، كل يوم منها بسنة حتى تمنيت الموت. ثم تشفع بي آهل بلدي فأطلقني. فصرت أرحل مع القوافل أنا وزوجتي أسأل الناس بعد الغنى واليسر. فلما كانت الليلة، أتاها الوضع في خان خرب، وما معي إلا فلسان وما معنا أحد، فقالت: يا رجل، الساعة تخرج روحي، فاذهب وهيئ لي شيئا أتقوّى به. فخرجت ووجدت بقالا عطف علي، ففتح دكانه وأعطاني ما كان في الصحن. فقال التاجر البغدادي: " إن الله فرّج عنك وقد انتهت محنتك، فتمالك ولا تضطرب، فإني مخبرك بأمر عجيب. ولكن أنظر إلي، أما تعرفني"؟ قال، لا. فقال التاجر: أنا عميلك الذي كان يبيع تجارتك. فنظر إليه ووثب يعانقه ويشكر له فضله. قال: لا تشكرني. فأنا الذي يجب أن أشكرك. فقد أحياني الله بسببك. وسيحييك بسببي، وما أعطيتك من الدنانير ليس من مالي بل من مالك، فإن لك عندي ألف دينار. قال: ومن أين جاء ذلك الدين؟ قال: إني وجدت زنارك بعينه. وجاء بكيس فيه ألف دينار. فرح الرجل وبرقت عيناه وسأل: هل الزنار نفسه عندك؟ قال: نعم. فشهق شهقة بدا كأن روحه خرجت معها، وخرّ ساجدا لله، ثم رفع رأسه وقال: هاته. فجاءه به، وطلب سكينا. فأعطاه السكين. فخرق جلد الزنار واستخرج منه حجر ياقوت أحمر شعاعه قوي جدا، وترك الدنانير ومشى وهو يدعو لي. قلت: خذ دنانيرك. فحلف ألاّ يأخذ منها شيئا إلا ثمن ناقة ونفقات السفر. فألحّ عليه التاجر، فأخذ ثلاثمائة دينار وسامحه بالباقي. وفي السنة التالية جاء على عادته، وقد أعاد الحجر إلى الأمير واستعان عليه بوجوه البلد، فخجل ورد إليه ماله كله وعوّضه وعاش الجميع بالمسرات. وكان ذلك بفضل الصدق في المعاملة، والإخلاص في الدعاء، وصحة التوجه إلى الله عند الشدائد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خيانة العهد 9
كان في قديم الزمان رجل طموح غدّار اسمه رديف، يعيش في مدينة صغيرة.
قرر رديف أن يسافر إلى مدينة أخرى لعله يكسب أكثر، بعد أن قل العمل في مدينته. لكنه كان خائفا من السفر وحده، إذ كان السفر في ذلك الوقت موحشا ومخيفا. وبعد تفكير وبحث عن صاحب يرافقه سفره، ويأمن جانبه، توصل إلى معرفة شاب فقير عاطل عن العمل اسمه إحسان. أقنعه رديف بالسفر معه.
طلب إحسان من زوجته، وكانت حاملا في ذلك الوقت، أن تهيئ له متاع السفر. وكانت الزوجة تنتظر في شوق أن يحصل زوجها على عمل ليوفر لها نفقات الولادة القريبة. فرضيت بسفره بعد أن أكّد لها أن سفره لن يطول، وأنه سيعود محمّلا بالثروة وكل ما تشتهيه نفسها من حرائر ونفائس.
في صبيحة يوم حار، انطلق المسافران، كل منهما يحمل متاعه على كتفه، سالكين طريقاً قيل لهما إنه يؤدّي إلى تلك المدينة التي سمع رديف بها وتاق للوصول إليها.
وبعد مسيرة طويلة، جلسا ليأكلا، فقال رديف لصاحبه: " لنبدأ بطعامك وشرابك أولا، لأنك لا تقدر على حمل المتاع، ولم تجرب السفر سابقا، وأمامنا طريق طويل".
اقتنع إحسان وبسط متاعه، فأكل الاثنان منه وشربا حتى شبعا. وفي المرة الثانية أكلا منه أيضا. وهكذا حتى نفذ زاد إحسان وبقي زاد رديف على حاله.
وفي المحطة التالية، جلسا ليتناولا من أكل رديف كما اتفقا في البداية. لكن رديفا امتنع قائلا: " لو نستمر على هذا المنوال فإن طعامنا سينفذ قبل أن نصل أقرب مدينة".
فسأله الشاب: " وما هو الحل" ؟.
أجاب رديف: " ألحل أن نقتصد في طعامنا".
وكان يعطيه كسرة من الخبز، وقليلا من البصل والماء في كل وجبة حتى انهارت صحة الشاب. وبقيا على هذه الحال عدة أيام حتى وصلا هضبة عالية، فصعدا إليها، قبل غروب الشمس ينويان المبيت فوقها.
شاهدا من هناك ملامح مدينة تلوح لهما، ففرحا وقررا أن ينطلقا إليها في الصباح الباكر . وجلسا يستريحان ويأكلان بشراهة، ثم استلقيا على الأرض. وأخذ رديف يخلط أحلام اليقظة بأحلام النوم حتى غطّ في نوم عميق، في حين بقي إحسان ساهرا مفكرا في زوجته وفي صحبته غير الموفقة لرديف.
وعندما تقدم الليل، وتوسّط القمر السماء، قام إحسان وأخذ يسير، وفجأة لمح بريقا يشعّ من الأرض، فاقترب منه وراح يزيح التراب من حوله حتى اصطدمت يده بجسم صلب.
ذهل وأخذ يبحث عن شيء يحفر به، فلم يجد إلا خشبة طويلة، لكنها كانت قوية بالقدر الذي مكّنه من الحفر بها. وتأكد أحسان من وجود إناء كبير، فأحس بفرحة غامرة، وانطلق ليخبر صاحبه بما وجد ووفاء منه للعهد .
نهض رديف على عجل، وأخذ فأسه وراح يحفر بسرعة فرحا مستبشراً، وصاحبه يساعده بفرح أكبر، حتى صارت الحفرة عميقة، فوجدا زيراً ضخماً. وبصعوبة كبيرة استطاعا أن يفتحا غطاء الزير فوجدا في داخله كنزا من النقود الذهبية.
أخذ رديف حفنة بين يديه وعرضها لضوء القمر، فتأكد أنها من الذهب الخالص، فأحضر كيسه بسرعة وملأه عن آخره.
وعندما أراد أحسان أن يملأ كيسه أيضا، منعه رديف قائلا: " هذا الكنز لي وحدي، ولا يجوز أن يعرف به أحد".
قال إحسان: " أنا صديقك ورفيقك، ومن غير المعقول أن أشي بك".
فقال رديف: " من يضمن ذلك"؟
أجابه إحسان: " لمَ وثقت بي إذن وصحبتني معك"؟
فردّ رديف: " لترافقني في الطريق فقط".
توسّل إليه إحسان قائلا: " أنا لا أريد منك شيئا سوى ما يساعدني على الوصول إلى مدينتي".
لم يكتف رديف برفض طلب إحسان، بل هدّده قائلا: " سأقتلك الآن، أسرع وقل الشهادة، وأوصني لأهلك وصيتك الأخيرة".
بكى إحسان واستعطفه أن يتركه لحال سبيله. غير أن رديفاً القاسي لم يخشع لتضرع إحسان، وشهر خنجره وهمّ بقتله .
وحين عرف إحسان أنه مقتول لا محالة، قال له: " إذن أبلغ زوجتي هذه الوصية: " إذا وضعت ولدا فعليها أن تسميه ألداد أفندي. أما إذا كان المولود بنتا فيجب أن تسميها أنصال ماكو". ثم أردف: "ورجائي الأخير أن تعطيها من الذهب ما تحتاج إليه في الولادة".
ولما كان رديف قد أعماه حبه للثروة الجديدة، فإنه لم يفكر في نتائج هذه الوصية، ولا في معنى الاسمين.
قتل رديف إحسانا وحمل الذهب عائدا إلى مدينته. وقبل الذهاب إلى بيته مر بزوجة إحسان. أخبرها بموت زوجها وأبلغها وصيته، وأعطاها بعض النقود. والغريب أن رديفا وجدها قد وضعت ولدا وبنتا.
تمر السنوات والزوجة المسكينة تعيش مع طفليها على الكفاف، في حين كان رديف ينعم بالجواهر والحرائر والقصور والخدم والحشم، إلى درجة أن الناس شكّت في أمره وبدأت سيرته تدور على كل لسان، حتى وصلت أخباره إلى ملك البلد، فرغب بزيارة هذه المدينة، ويرى قصور هذا الثري. وتمّت الزيارة وسط مظاهر الأبهة والعظمة. وكان الملك معروفا بعدالته وطيبته ورقة قلبه.
مرّ موكب الملك بالشارع الذي تسكن فيه زوجة إحسان وطفلاها اليتيمان، وقد شبّا وصارا يستطيعان الخروج إلى الشارع. وعندما سمعا الضجة وصوت العربات والموسيقى خرجا ليشاهدا ما يجري وتبعا الموكب حتى ابتعدا عن بيتهما.
شعرت الأم بغياب طفليها، ففتشت هنا وهناك من دون جدوى. وعلمت أنهما تبعا موكب الملك، فأسرعت باتجاهه. وما إن وصلت إلى الموكب حتى أخذت تصيح بأعلى صوتها على طفليها: "ألداد أفندي... أنصال ماكو." وراحت تردد نداءها حتى وصل مسامع الملك الذي استغرب هذا النداء الغريب، فأوقف عربته، وطلب من حراسه إحضار المرأة فوراً لمعرفة غرضها.
ولما مثلت المرأة بين يدي الملك وروت له قصتها كاملة، فطن للحكمة التي تكمن في وصية الوالد قبل مقتله. فهو مظلوم ويشتكي، ولا بد من أخذ حقه.
سأل الملك عن الرجل الذي صاحبه في سفره، فأصيب الجميع بالدهشة عندما علموا بأن رديفا صاحب القصور والشهرة الكبيرة قد غدر بصديقه وكان هو رفيق دربه. فما كان من الملك إلا أن استدعاه وبدأ يحقق معه بنفسه ليظهر الحقيقة، ويحقق العدل الذي اشتهر به.
وجد رديف أنه لا مفر من الاعتراف بالحقيقة. فقص على الملك كل ما جرى. وهنا كان حكم الملك قاسيا جدا ولكنه لم يكن أقسى من قلب رديف.
أصدر الملك حكمه: " كل أموالك وثروتك تعود إلى الأم وابنها وبنتها. وينفذ فيك حكم الموت في ساحة المدينة الكبيرة لتكون عبرة لمن اعتبر".
ثم سلّم الملك القصور والمجوهرات وجميع ما كان يملكه رديف إلى الأم وطفليها، فعاشوا عيشة سعيدة . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
10 عاقبة المكر
زعموا أن رجلين اشتركا في تجارة، وكان سامي مكّارا. وسافرا معا ذات يوم. وبينما كانا في الطريق تخلّف ماهر ليقضي بعض أموره، فوجد كيسا فيه ألف دينار فأخذه. فأحسّ به سامي. ورجعا إلى بلدهما. ولما اقتربا من المدينة، قعدا لاقتسام المال فقال ماهر: خذ نصفه وأعطني نصفه. وكان سامي قد قرر في نفسه أن يأخذ الدنانير كلها، فقال لماهر: لا نقتسم، لكن نتقاسم بعضاً منها وندفن الباقي عند جذور هذه الشجرة، فهو مكان أمين. وإذا احتجنا أنا وأنت نأخذ حاجتنا منه، ولا يعلم بموضعه أحد.
أخذ كل منهما مبلغاً قليلاً ودفنا الباقي عند جذر الشجرة. ودخلا البلد. ثم إن سامي تسلل إلى الدنانير فأخذها وسوّى الأرض كما كانت. وجاء ماهر بعد ذلك بأشهر فقال لسامي: قد احتجت إلى مال، فتعال معي لنأخذ حاجتنا. فقام معه سامي، وذهبا إلى المكان، فحفرا فلم يجدا شيئا، فصار ماهر يبكي ويضرب وجهه ويقول: " لقد سبقتني إلى الدنانير فأخذتها ." فجعل سامي يحلف ويلعن آخذها. وماهر يزداد بكاؤه وقال: ما أخذها غيرك!
ترافعا إلى القاضي، وقصّا عليه قصتهما، فادّعى سامي أن ماهراً أخذها، وأنكر ماهر ذلك. فسأل القاضي سامياً: هل لك على نكرانك دليل؟
قال: نعم: الشجرة التي كانت الدنانير عندها تشهد لي أن المغفل أخذها. وكان سامي قد أمر أباه أن يذهب فتوارى في جوف الشجرة، بحيث إذا سئلت أجاب. فذهب أبو سامي ودخل واختبأ في جوف الشجرة.
ولمّا سمع القاضي ذلك من سامي، نظر إليه بتقدير، وانطلق هو وأصحابه وسامي وماهر معه، حتى وصلوا إلى مكان الشجرة. فسألها القاضي عن الخبر، فقال الشيخ من جوفها: نعم، ماهر أخذها.
اشتدّ تعجّب القاضي، ودعا إلى جمع حطب، وأمر أن تحرق الشجرة، فأشعلت حولها النيران. استغاث أبو سامي عند ذلك، فأخرج وقد أشرف على الهلاك. فسأله القاضي عن القصة، فأخبره بالحقيقة. فضرب سامي وأباه، وحكم بأن تؤخذ الدنانير من سامي وتعطى إلى ماهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
11 عصا الخيانة
دخل رجلان المحكمة، ووقفا أمام القاضي، أحدهما طويل القامة، صلب العود، في الخمسين من عمره، والآخر شيخ محني الظهر يتوكأ على عصا غليظة.
قال الرجل الأول: أعطيت صديقي هذ عشر قطع ذهبية. ووعدني أن يردها عندما تتحسن أحواله، وكلما طالبته بها تهرب مني.
سأل القاضي الشيخ: ما رأيك في كلام صاحبك؟
أجاب الشيخ: أعترف أنه أعطاني عشر قطع ذهبية لكنني رددتها إليه يا سيدي".
قال القاضي: أتقسم أمام المحكمة على أنك رددت إلى صديقك القطع الذهبية؟
قال الشيخ: نعم، يا سيدي. قال القاضي: إذن.. ارفع يدك اليمنى وأقسم. التفت الشيخ إلى صديقه، وطلب منه أن يمسك العصا حتى يرفع يده وهو يقسم. رفع الشيخ يده وقال: أتقسم أني أعدت القطع الذهبية العشر إليه.
لام القاضي الرجل الذي يتهم صديقه الشيخ، واعتذر الرجل للقاضي بأنه ربما قد نسي ذلك.
أخذ الشيخ عصاه من الرجل، وهم بالانصراف وهو يتوكأ على عصاه. وقبل أن يخرج الرجلان من المحكمة، خطرت للقاضي فكرة مفاجئة.. فناداهما.
عاد الرجلان إلى القاضي، فسأل الشيخ:
هل تعودت دائماً أيها الشيخ أن تتوكأ على عصاً؟ أجاب الشيخ: أحياناً يا سيدي.. وجه القاضي السؤال نفسه إلى الرجل الآخر فأجاب:
لا يا سيدي.. ما رأيته من قبل يتوكأ على عصا!
طلب القاضي من الشيخ أن يسلمه العصا. أمسك القاضي العصا وراح يقلبها بين يديه ويتفحصها. لا حظ القاضي أن العصا ثقيلة. نظر القاضي إلى مقبض العصا فوجده من النوع الذي يمكن خلعه عنها. أدار القاضي المقبض في مكانه فدار. جذب القاضي المقبض بقوة فانخلع في يده.
رأى القاضي أن العصا مثقوبة، ووجد الثقب مسدوداً بقطعة قماش. جذب القاضي قطعة القماش من الثقب، وأمال العصا قليلاً، فإذا بالقطع الذهبية تتساقط على الأرض أمام الحاضرين.
طلب القاضي من الرجل أن يجمع قطعه الذهبية. جمعها من الرجل، وعدها فوجدها عشراً. قال القاضي للشيخ: أيها الخبيث.. تصورت أنك تستطيع أن تخدع هذا الرجل وتمكر بي!! لقد شككت في أمرك عندما وجدتك تسلم صديقك العصا قبل أن تقسم.. أتظن أيها اللئيم أن قسمك صحيح؟
ثم التفت القاضي إلى صاحب القطع الذهبية، وقال له: كان الشيخ ماكراً وكاذباً حين سلمك العصا التي بداخلها قطعك الذهبية، وأقسم أنه رد إليك ذهبك.. وكان ذهبك بين يديك وأنت لا تدري.. وهذا غش وخداع!..
أخيراً.. التفت القاضي إلى الحراس وقال:
خذوا هذا اللص.. وضعوه في السجن حتى أجد له عقوبة مناسبة لتلاعبه بالقسم، وعقوبة أشد على خيانته الأمانة.
وخرج الرجل من المحكمة سعيداً وهو لا يصدق أن قطعه الذهبية قد عادت إليه.. وكان كل الحاضرين معجبين بذكاء هذا القاضي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفاء فرس 12
قامت الحرب بين قبيلتين، واستمرت المعارك بينهما شهورا طويلة. وكانت الحرب أحيانا تتوقف اياما قليلة، تجمع فيه كل قبيلة قتلاها، وتجهز اسلحتها، ثم تستأنف القتال مرة أخرى، وذات مرة. كلف قائد القبيلة فارسا من أشجع فرسانها، ليذهب إلى قبيلة الأعداء، ويعرف أخبارها، ليخبر أهل قبيلته بما رأى وبما سمع.
خرج الفارس على جواده العربي الأصيل، وقد لبس درعه، وحمل سيفه، انطلق الفارس في اتجاه معسكر الأعداء، واقترب من خيام الأعداء، والتفت.. فإذا جماعة من الفرسان تلتف حوله من كل جانب، أخرج الفارس سيفه، وراح يضربهم بقوّة، لكن كثرة الأعداء غلبت الفارس، فجرحوه، ووقع على الأرض، أسرع فرسان الأعداء، وقيدوه بالحبال، وحملوه إلى خيامهم، ثم وضعوه في خيمة، وتركوه فيها.
أقبل الليل، وأظلمت الدنيا، والفارس وحيد في الخيمة يتألم من جراحه، ويتوجع من قيوده، ولا يستطيع النوم، وفجأة سمع صهيل فرسه، وأحس في صوت الفرس ما يشبه الألم والشّكوى، جمع الفارس الجريح ما بقي من قوته، وتحامل على نفسه، وأخذ يزحف على الأرض – وهو مقيّد – إلى مكان الخيول، ورأى فرسه مربوطا في شجرة، فكر الفارس ان يفك قيد فرسه، ويطلق سراحه، ليعود إلى قبيلته، فيعرف أهل القبيلة ما حدث له، ويحضروا لإنقاذه!
اقترب الفارس من حصانه، كانت يداه ورجلاه مقيّدة بالحبل، فك الفارس قيد الحصان بأسنانه، قال الفارس:هيا، انطلق ايها الفرس، ارجع إلى خيامنا، اسرع.
استدار الحصان نحو صاحبه، ووقف ينظر إليه حزينا على ما أصابه، كأنّه يقول:كيف أرجع وحدي، وأتركك مقيد في يد الأعداء؟!.
نظر الحصان إلى جسم صاحبه فوجده مقيدا بالحبل، فقبض الفرس بأسنانه على الحبل، ورفع صاحبه عن الأرض، وانطلق بعيدا عن خيام الأعداء.
كان الطريق طويلا، والحمل ثقيلا، ولكن الحصان لم يستسلم للتعب، جرى، وجرى، لم يتوقّف إلا عندما وصل إلى خيام قبيلته، أنزل الحصان صاحبه على الأرض برفق، وأخذ يصهل بصوت ضعيف مريض، وهو يكاد يقع على الأرض!
سمعت زوجة الفارس صوت صهيل الحصان فتنبّهت وأسرعت إليه، وصلت الزوجة إلى زوجها الفارس بصعوبة، فكّت الزوجة قيود زوجها بسرعة، قام الفارس إلى حصانه يحاول أن يسعفه، لكن.. من غير فائدة! كان الحصان قد مات من التّعب!
حزن الفارس على حصانه حزنا شديدا، وتناقلت القبائل حكاية هذا الفرس الوفيّ، وبقيت حكايته بين الناس مثالا على الإخلاص ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كل درهم بعشرة 13
في عهد الخليف أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – أصاب الناس جفاف وجوع شديدان، فلمّا ضاق بهم الأمر ذهبوا إلى الخليفة أبي بكر – رضي الله عنه – وقالوا:يا خليفة رسول الله، إنّ السّماء لم تمطر، والأرض لم تنبت، وقد أدرك الناس الهلاك فماذا نفعل؟.
قال أبو بكر – رضي الله عنه – انصرفوا، واصبروا، فإني أرجوا ألاّ يأتي المساء حتّى يفرج الله عنكم.
وفي آخر النهار جاء الخبر بأنّ قافلة جمال لعثمان بن عفّان - رضي الله عنه – قد اتت من الشّام إلى المدينة. فلمّا وصلت خرج النّس يستقبلونها، فإذا هي ألف جمل محملة سمنا وزيتا ودقيقا، وتوقّفت عند باب عثمان رضي الله عنه. فلمّا أنزلت أحمالها في داره جاء التجار. قال لهم عثمان رضي الله عنه:ماذا تريدون؟. أجاب التجار:إنّك تعلم ما نريد، بعنا من هذا الذي وصل إليك فإنّك تعرف حاجة النّس إليه.
قال عثمان:كم أربح على الثّمن الذي اشتريت به؟.
قالوا:الدّرهم درهمين.
قال:أطاني غيركم زيادة على هذا.
قالوا:أربعة!
قال عثمان رضي الله عنه:أعطاني غيركم أكثر.
قال التّجار:نربحك خمسة.
قال عثمان:أعطاني غيركم أكثر.
فقالوا:ليس في المدينة تجار غيرنا، ولم يسبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟!.
قال عثمان رضي الله عنه:إن الله قد أعطاني بكل درهم عشرة، الحسنة بعشرة أمثالها، فهل عندكم زيادة؟.
قالوا:لا.
قال عثمان:فإني أشهد الله إني جعلت ما جاءت به هذه الجمال صدقة للمساكين وفقراء المسلمين.
ثم أخذ عثمان بن عفان يوزّع بضاعته، فما بقي من فقراء المدينة واحد إلاّ أخذ ما يكفيه ويكفي أهله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شكر النعمة 14
تقابل ثلاث رجال...
الرجل الأول أبرص.. وعلى جلده بقع كثيرة بيضاء.
والرجل الثاني أقرع... ليس في رأسه شعر.
رالرجل الثالث أعمى... لا يرى شيئا.
دعا الرجل الأبرص ربه وقال: ربّ اشفني من هذا البرص الذي غطا جلدي وغير شكلي.
ورفع الرجل الأقرع وجهه إلى السماء، ودعا ربه، وقال: اللّهم اشفني من هذا القراع.. واملأ رأسي بالشّعر مثل بقية الناس. ودعا الرجل الأعمى ربه وقال: يا رب اشفني من العمى واجعلني أرى مثل بقية الناس.
وفي تلك اللحظة هبط ملك من السماء أرسله الله تعالى ليمتحن الرجال الثلاثة.
كان الملك في صورة إنسان مضيء الوجه.
تقدّم الملك من الرجال، وسأل كل واحد منهم عن حاجته، وعن أحب المال إليه.
قال الرجل الأبرص: أريد لجسمي لونا حسنا. واحب المال إلى الإبل.
وقال الرجل الأقرع: أمّا انا أريد شعرا غزيرا يملأ رأسي. وأحب المال إليّ البقر.
وقال الأعمى: أمّا أنا فأتمنّى أن يشفي الله عينيّ ويردّ إليّ بصري. وأحب المال إليّ الغنم.
مسح الملك جلد الأبرص بيده، فإذا به يصير حسن اللون، ثم أعطاه ناقة حاملا.
ومسح الملك على رأس الأقرع. فإذا بشعر ناعم جميل يظهر في رأسه. ثم أعطاه الملك بقرة حاملا.
ومسح الملك على عيني الأعمى فارتدّ بصيرا، وصار يرى، ثم أعطاه الملك شاة ولادة. ومرّت سنوات. وصار للرجل الأول عدد كبير من الجمال، وصار للرجل الثاني قطيع من البقر، وصار للرجل الثالث أغنام كثيرة.
وأراد الله – سبحانه وتعالى – أن يمتحن الرجال الثلاثة.. أرسل الله إليهم الملك بشكل رجل مسكين.
ذهب الملك إلى الرجل الأول، وقال به: أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والمال الكثير، أن تعطيني ما يساعدني على السّفر.
ردّ الرجل: هذا مال أجدادي، ورثته عنهم، وعليّ حقوق كثيرة... ولا مال لك عندي.
ترك الملك الرحل الأول، وتوجه إلى الرجل الثاني، وقال له: أسألك بالذي أعطاك الشعر الجميل والمال الكثير أن تساعد أخاك الفقير بشيء ممّا عندك.
أجاب الرجل الثاني: إنّما ورثت كل هذا عن أجدادي.. فابتعد عني.
ذهب الملك إلى الرجل الثالث، وقال له يستعطفه: أسألك بالذي ردّ إليك بصرك أن تعطيني شاة ممّا عندك، أشرب من لبنها في سفري.
فقال الرجل الثالث: كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت، واترك ما شئت، فوالله لا أمنعك شيئا رزقني الله به!.
فقال له الملك: أبق مالك عندك... لقد امتحنكم الله – أنتم الثلاثة – ورضي الله عنك، لأنّك تشكر النعمة، وتتصدّق من مالك الذي رزقك الله به، وسخط الله على صاحبيك... لأنهما أنكرا نعمته، ومنعا الصدقة... فأعادهما الله إلى ما كانا عليه من مرض وفقر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رعاية الله 15
كان لثلاثة إخوة سفينة صغيرة ورثوها عن أبيهم، وكان أبوهم رجلا صالحا. وذات يوم بينما كانت السفينه تستعد للسفر، والمسافرون يركبون. رأى أصحاب السفينة أحد الشيوخ يحمل متاعه وممف بعيدا. تقدم أحد الاخوه من الشيخ وسأله: هل تريد السفر أيها الشيخ ؟ فأجاب الشيخ: نعم يا بني، ولكن ليس معي نقود الآن، وقد كان أبوكم - رحمه الله - ينقلني إلى الشاطئ الآخر ولا أعطه أجرا إلا عند عودتي .
فقال الشاب: مرحبا بك فى سفينتنا، ستسافر معنا بلا مقابل، لن نأخذ منك أجراً.
وصعد إلى السفينة، ثم بدأت السفينة رحلتها. كان هذا الشيخ نجارا وأراد أن يصنع صندوقاً صغيراً يضع فيه أمتعته. أحضر الشيخ بعض الخشب، وراح يدقه بالشاكوش. فجأة، سقط الشاكوش من يده وأحدث ثقباً في جدار السفينة، وبدأ الماء يدخل من الثقب إلى قاع السفينة، والشيخ يحاول أن يسده، بلا فائدة.
رأى الركاب الماء يتسرب إلى السفينة، فصاحوا: النجدة، النجدة!. حاول الركاب أن يسدوا الثقب وما استطاعوا. استمر الماء يتسرب إلى السفينة، فزاد خوف الناس ولاموا الشيخ، وقالوا له: أنت المسؤول عن هذه المصيبة، سنغرق كلنها بسببك.
شاهد الركاب سفناً تقترب من بعيد ففرحوا. وصلت السفن، وظهر أنها سفن قراصنة البحار الذين يسرقون السفن. رأى اللصوص الماء من قاع السفينة فقالوا: هذه سفينة قديمة ستغرق قريباً بركابها. انصرف اللصوص وتركوا السفينة.
فرح الركاب لنجاتهم من هؤلاء الأشرار، وشكروا الشيخ لأنه السبب. قال لهم الشيخ: علينا أن ننقذ السفينة قبل أن تغرق. اشكروا الله وادعوه أن يساعدنا لننجح في سد الثقب.
وبينما هم مشغولون بإخراج الماء من السفينة رأوا طائراً كبيراً يطير فوقهم وفي منقاره لفافة من الكتان، وحوله طيور تهاجمه وتحاول أن تخطف منه اللفافة، فجأة سقطت لفافة الكتان على السفينة، فأسرح أحد الإخوة وأمسك لفافة الكتان وقال: إن خيوط الكتان هي أفضل ما يسد ثقوب السفينة. ثم سد الثقب بالكتان، فتوقف تسرب الماء.
قال الشيخ: لقد استجاب الله لدعائنا، فعلى القادر منكم أن يتبرع ببعض المال لننفقه في أعمال الخير.
جمع الركاب عشرة دنانير، ووضعوها في خزانة السفينة ليوزعوها على الفقراء والمساكين.
رست السفينة على الشاطئ الآخر، ونزل الركاب. قابل الركاب امرأة تبكي بشدة. سألها الشيخ: لماذا تبكين أيتها المرأة؟ قالت المرأة: عندي أولاد صغار، وأعمل من أجل تربيتهم، أغزل على نور صغير خيوط الكتان ثم أبيعها في السوق، وبينما كنت أشرب من البئر هبط طائر من السماءن وخطف لفافة الكتان التي نسجتها وطار بها بعيداً. كنت سأبيعها في السوق وأطعم أولادي. سأله الشيخ: وبكم كنت ستبيعين الكتان؟ قالت المرأة: بدينار، نعيش به طوال الأسبوع.
تعجب الناس عندما سمعوا قصة المرأة، وقال الشيخ: إنها صاحبة الكتان الذي كان سبباً في إنقاذنا جميعاً من الغرق، وهي أحق بالمال الذي جمعناه. أعطى أصحاب السفينة الدنانير العشرة للمرأة، والمرأة تقول: هذا كثير، عشرة دنانير، الحمد لله، والشكر لله.
أخيراً ودع الركاب المرأة وأبناءها وركبوا السفينة.
تحركت السفينة عائدة بهم إلى بلادهم، بينما وقفت المرأة وأولادها على الشاطئ يلوحون بأيديهم، ويقولون: في رعاية الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشهداء الثّلاثة 16
هشام وطارق وحسام ثلاث أصدقاء، عاشوا طفولتهم معا، وتعلّموا الفروسيّة وركوب الخيل منذ صغرهم. كبرة الثلاثة وصاروا فرسان القبيلة يدافعون عنها، ويحاربون أعداءها.
وعندما بدأ الجهاد خرجت جيوش المسلمين تحارب أعداء الدّين، لتفتح البلاد، وتنقذ أهلها من ظلم الفرس والرّوم. انضم الأصدقاء الثلاثة إلى صفوف المجاهدين، واشتركوا في معارك كثيرة... كانوا يحاربون فيها جنبا إلى جنب، ويهزمون العدوّ.
وفي أحد أيام الصيف الحارّة دارت المعركة في صحراء واسعة، ليس فيها زرع ولا ماء. واستمر القتال وقتا طويلا، واشتدّت المعركة، وسقط الأصدقاء الثّلاثة جرحى، واحدا بعد الآخر.
وبدأالمسلمون هجوما قويا على الأعداء، وأخذ الأعداء يفرّون أمامهم، وراح الجنود المسلمون يطاردونهم... وأخذت المعركة تبتعد قليلا عن المكان.
وجد الجرحى الثّلاثة انفسهم ملقين على رمال الصّحراء الحارّة بلا ماء، وجراحهم تنزف، وأجسامهم تضعف، وعطشهم يزيد، وكان كل منهم يسمع أنين صاحبه، فيتألّم لألمه!
كان هشام يصيح:ماء! أعطوني بعض الماء. وكان هشام يهمس بصوت ضعيف مرتعش:أنا عطشان.. أريد أن أشرب.
سمع طارق أنين صاحبيه، فزحف عدّ خطوات ودمه يسيل على الرّمال الملتهبة، لعلّه يجد الماء، أصاب طارقا التّعب الشّديد، فتوقّف عن الحركة، وأسلم أمره إلى الله.
وفي تلك اللحظة أقبل فارس مسلم، وشاهد الجرحى الثّلاثة ما يزالون أحياء، فنزل من فوق ظهر حصانه، وبحث فلم يجد معه غير قليل من الماء لا يكفي إلاّ جريحا واحدا.
اقترب الفارس من طارق وقال:اشرب، إنّها شربة ماء، ليس معي غيرها. أشار طارق إلى صاحبيه وقال:هما أحوج منّي إلى الماء.
ذهب الفارس إلى هشام، وقدّم إليه الماء ليشرب، فأشار إلى حسام، وقال:ابدأ به؛ فهو أشدّ حاجة إلى الماء منّي.
تحيّر الفارس أمام هؤلاء الجرحى الثّلاثة، إذ يفضّل كل منهم زميله على نفسه، فذهب إلى طارق مرّة أخرى، لكنّه فوجئ بأنّه قد مات!
فلمّا ذهب الفارس إلى هشام ليقدّم الماء وجده قد فارق الحياة!
تركه الفارس وأسرع إلى صديقهما حسام، ورفعه عن الأرض، وأسنده من ظهره حتّى ليشرب، لكنّه – هو أيضا – كان قد لحق بصاحبيه!
وهكذا فضّل كل واحد من الأصدقاء الثّلاثة صاحبه على نفسه، في أصعب الأوقات وأصدقها، حتّى لقوا الله شهداء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ الفلاح الصالح 17
ارتفعت حرارة الجو، وانقطع نزول المطر مدة طويلة، وجفت الأرض... خاف الناس على زرعهم، فلا يجدون شيئا يأكلونه ويشربونه، ولا تجد أغنامهم ومواشيهم
وجمالهم ما ترعاه فتموت.
نظر الناس إلى السماء... لم يجدوا فى السماء أي سحاب يبشر بنزول المطر... حزن الناس، وأخذوا يدعون ربهم أن يمنحهم المطر... ئم قال أحدهم:سأذهب إلى القرية القريبة فلدي هناك بعض الأعمال المهمة....
سار الرجل فى الصحراء... كان الطريق خاليا من الناس. وفى أثناء سيره... نظر الرجل إلى السماء، فشاهد السحاب قد بدأت تتجمع.. تكاثرت السحب وتكاثرت... غطة السماء سحابة كبيرة سوداء... فرح الرجل عندما رأى هذه السحابة الكبيرة . أدرك الرجل أن السماء ستمطر قريبا... فجأة... سمع الرجل صوتا يأتي من السماء ويقول:اسق حديقة صالح. لم يصدق الرجل أذنيه... استمر الرجل في سيره وهو يفكر من أين جاء هذا الصوت... سمع الرجل الصوت يأتي مره أخرى
من بين السحاب ويقول:اسق حديقة صالح.
توقف الرجل، ونظر حوله فلم يجد غير صحراء واسعة. قال الرجل لنفسه:يا الهي! لا يوجد غيري في الصحراء...هل يأتي الصوت من بين السحاب حقّا؟! أو أنني أتخيل هذا؟!.
سمع الرجل الموت مرة ئالئة يقول:اسق حديقة صالح... تجمعت سحب كثيرة، وبدأ المطر ينزل... وينزل... وينزل... نزل مطر غزير... قال الرجل: سبحان الله.. الصوت مازال يأتي من بين السحاب.. أنا متأكد من ذلك.
جاء ماء من كل مكان وأخذ يلتقي في مجرى واحد.. كبر المجرى شيئا فشيئا، وأصبح جدولا ماؤه سريع الجريان.. سار الرجل خلف ماء الجدول ليرى إلى أين يذهب.. أخيرا وصل الرجل إلى حديقة بها فلاح.. كان هذا الفلاح يحول الماء إلى زرعه ليسقيه.
اقترب الرجل من الفلاح، وسأله عن اسمه. قال الفلاح:اسمي صالح. فتعجب الرجل عجبا شديدا.. سأله الفلاح:لماذا تسأل عن اسمي؟ فقص الرجل عليه حكاية الصوت الذي سمعه يأتي من بين السحاب ويذكر اسمه... وكيف أمطر السحاب، وكيف سار الماء إلى حديقته... ثم سأل الرجل الفلاح:قل لى أيها الفلاح الطيب، ماذا تصنع بحديقتك؟. أجاب الفلاح:سأقول لك ما دمت سألتنى!.. بعد أن أبيع زرعي، وأحصل على المال أتصدق بثلثه للفقراء والمساكين، وآكل أنا وعيالى بثلث، وأنفق الثلث الباقي على صيانة حديقتي والعناية بها.
عندئذ قال الرجل للفلاح:الآن أدركت لماذا جاء الصوت من وراء السحاب يقول:اسق حديقة صالح. أيها الفلاح الطيب، بارك الله فيك وفي أرضك وزرعك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأصدقاء الثلاثة 18
كان في مدينتنا قديما ثلاثة أصدقاء، طبعوا على الوفاء والتسامح والإخلاص. وكان كل واحد منهم يمدّ يد المعونة في حال عوزه أو فقره. كما كانوا لا يفارق الواحد منهم الآخر. فمجالسهم واحدة، وسهراتهم واحدة، وأكثر أوقات فراغهم يقضونها معا.
وكان واحد من الثلاثة ميسور الحال، أقبلت عليه الدنيا، رغيد العيش، إلا أنه كان لا يحب أن يعيش هكذا وحده دون صديقيه. فغالباً ما كان يمدّ لهما يد المساعدة من غير منّة أو كدر. وكان الصديقان لا ينسيان معروف صديقهما. فما إن يتوفر لدى أحد منهما المال حتى يعيده إلى ذلك الصديق الغني الميسور.
غير أن هذه الأمور غير ذات قيمة أمام العاطفة التي كان يظهرها كل منهم للآخر إذا ما أصيب بمرض أو مرّت عليه فترات حزن أو مصاعب. وهنا تعرف الصداقة عندما يبتعد الصديق عن أنانيته وحبه لذاته ويكون وفيّا ودودا لصديقه. وبما أن الصديق الميسور لم يكن بحاجة إلى البحث عن عمل ليحصل رزقه، فقد بقي في هذه المدينة. أمّا صديقاه فودّعاه في يوم، وسافر كل منهما إلى مكان يسعى فيه وراء الرزق الحلال الشريف.
كان الوداع مؤثّرا. ثلاثة أصدقاء يودع الواحد منهم الآخر بعد أن عاشوا معا فترة طويلة، وكل منهم يشعر أنه جزء من الآخر.
بقي الصديق الميسور في المدينة، وكان على غناه مبذراً، فظل ينفق دون أن يقيم وزنا لما لديه من مال، حتى رقّت حاشية ماله، وتبدّل الزمان معه، فانتقل من غنى إلى فقر، وباتت عائلته بحاجة إلى المال لتسدّ حاجة طعامها وكسائها. ولكن من أين يأتي الصديق بالمال؟ فصديقاه الآخران قد رحلا، وليس له غيرهما في المدينة. فأمضى أكثر أوقاته حزينا يعاني ألم البعد وحسرة الفقر والحرمان.
وفي يوم قالت له زوجته: لماذا لا ترسل يا حامد رسالة إلى أحد صديقيك تخبره فيها مدى حاجتك إلى المال؟
فقال حامد: إني أشعر بالخجل كلما فكرت في أمر كهذا.
فقالت الزوجة: غير أنك كنت تساعد كلا منهما في حالة ضيقه، ومن غير أن تشعره أن لك عليه منّة، والصديق عند الضيق.
وراحت زوجته تلحّ عليه حتى أقنعته، فبعث برسالة إلى أحد صديقيه يطلب فيها بعض المال.
وصلت الرسالة إلى الصديق وحزن حزنا شديدا لحالة صديقه حامد، فأرسل إليه فوراً مبلغاً كبيراً من المال. ومرّت الأيام وإذا بالمال يصل إلى حامد، فيتسلمه مسرورا مقدّرا صنيع صديقه معه مؤكدا لزوجته أن صديقه وكما قالت له ، وفيّ له كل الوفاء.
غير أن المال الذي وصل إلى حامد لم يبق طويلا لديه، إذ وصلته رسالة من صديقه الثاني يشكو له فيها قلة عمله، وحالة فقره وعوزه، ويطلب إليه فيها أن يمده بشيء من المال لأنه في غربة لا يعرف الناس فيها بعضهم بعضا.
رقّ قلب حامد على حال صديقه وأرسل إليه كل المال الذي كان قد تسلمه من صديقه. وعاد حامد إلى ما كان عليه من حاجة، وعادت عائلته تعاني ما تعاني من الجوع والفقر.
في هذه الأثناء، تقلبت الحال مع صديق حامد الذي طلبت زوجته أن يرسل إليه رسالة يطلب فيها مساعدته. فكتب إلى الصديق الثاني الذي لم يجد عملا في غربته يطلب إليه فيها أن يمده بشيء من المال.
وكان الصديق الذي لم يجد عملا بعد قد تسلّم المال من حامد. وما إن وصلت إليه رسالة صديقه حتى أرسل إليه كل المال الذي تسلمه من حامد. وعندما وصل المال إليه وجد أنه المال الذي سبق له أن أرسله إلى صديقه حامد.
وهنا ترك المكان الذي يعمل فيه وعاد إلى المدينة وزار أول من زار حامداً. وفوجئ حامد بعودة صديقه. فكان لقاء من أطيب ما عرفه الصديقان من لقاءات، وقال الصديق لحامد: أتعرف ما وصلنا من صديقنا البعيد؟ وصلني المال الذي أرسلته إليك.
وهنا عرف الصديق ما فعله حامد بالمال، فأكبر فيه صداقته، كما أكبرا معا صداقة صديقهما الغائب.
ومرّت فترة قصيرة، وعاد الصديق الغائب إلى المدينة. وكانت حال كل منهم قد تحسّنت، فعادوا إلى الحياة التي عاشوها من قبل. وهكذا عرفت فيهم هذه الدنيا مثال الصداقة والنبل والوفاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القاضي والأيتام 19
كان القاضي منذر بن سعيد وصياً على بعض الأطفال الأيتام. وذات يوم ذهب ليعرف أحوالهم فوجدهم يبكون. فسألهم عن سبب بكائهم، فقالت له كبرى البنات: سمعنا من جارتنا التي يعمل زوجها في القصر أن الخليفة سيأخذ بيتنا لنفسه.
طمأن القاضي الأطفال، وقال لهم: إن الخليفة عبد الرحمن الناصر ذو خلق ودين ولن يقبل أبداً أن يستولي على مال اليتامى ظلما. سأذهب إلى قصر الخلافة لأعرف الأمر بنفسي من الخليفة، فأنا الاوصي عليكم، ومن واجبي أن أرعى أموالكم وأحافظ عليها.
ذهب القاضي إلى قصر الخليفة، فأحسن الخليفة استقباله، فهو يعرف انه قاض وعالم، وإمام الجامع الكبير. قال القاضي: يا مولاي الخليفة، أنت تعرف أني وصي على أطفال أيتام لهم بيت صغير يعيشون فيه، وحمام يرزقون منه، وقد بلغني أنك تريد أن تأخذ البيت والحمام؟
قال الخليفة: ما بلغك غير صحيح، يا شيخ منذر، فأنا أخاف الله وأخشاه، فكيف أجرؤ على أخذ مال اليتامى؟ الحقيقة أنني سأبني مكتبة كبيرة قريباً من بيت هؤلاء اليتامى، واقترح كبير المهندسين أخذ البيت والحمام وهدمهما، ولم أكن أعرف أنك يا شيخنا وصي هؤلاء الأيتام، وكنت أنوي أن أشتري البيت والحمام من أصحابه.
فقال القاضي: وأنا يا مولاي الخليفة لا أقبل البيع, ولا أوافق عليه إلا في حالة من الحالات الثالث: أن يكون الأيتام في حاجة إلى بيعها، وهم ليسوا في حاجة إلى البيع، أو أن يكون البناء قديماً مهدداً بالسقوط. وهو ليس كذلك، أو أن يكون الثمن المعروض مناسباً لصالح الأيتام. وأعتقد أن هذا في يد مولاي الخليفة.
ضحك الخليفة وقال: ما أشد حرصك يا شيخنا! فقال القاضي: لو كان المال مالي ما حرصت عليه في سبيل أن أحقق رغبة مولاي الخيفة، ولكنه مال أطفال أيتام، وأنا الأمين عليهم والمسؤول عنه أمام الله عز وجل يوم القيامة.
أرسل الخليفة بعض رجاله لتقدير الثمن وعرضه على القاضي. ولكن القاضي وجد الثمن الذي قدره الخبراء قليلاً وفيه ظلم للأطفال اليتامى فرفضه. خاف القاضي أن يأخذ الخليفة البيت والحمام بالقوة، فقام بهدم البيت والحمام وباع الأنقاض بثمن كبير، وذكر ذلك للخليفة، وطلب منه أن يشترى الأرض الفضاء إن أراد.
تعجب الخليفة من تصرف القاضي وقال له:
إنت كنت يا شيخنا بهذا الحرص الشديد على أموال اليتامى فاذكر لي الثمن الذي تريده في الأرض الفضاء، وسأوافق عليه دون الرجوع إلى أعواني، وذلك حتى لا أكون أنا خليفة المسلمين أقل منك حرصاً على مال اليتيم ومصلحته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ عمرو والأسرة الفقيرة 20
خرج عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ذات ليلة، ومعه خادمه. سار عمر وخادمه في شوارع المدينة. رأى عمر نارا من بعيد. قال عمر رضى الله عنه:أرى ناسا يقاسون البرد، فهيا بنا إليهم لنعرف حالهم.
أسرع عمر وخادمه إلى المكان. اقترب عمر وخادمه، فوجدا امرأة ومعها أولادها الصغار. جلس الأولاد حول قدر كبيرة، والقدر فوق النار كان الأولاد يتألمون وببكون . قال أحد الأولاد:أنا جوعان، أريد الطعام يا أمي. لم آكل منذ يومين، والجو بارد. فقالت الأم: انتظر أنت واخوتك قليلأ حتى ينضج الطعام. قال ولد آخر: انتظرنا ساعات ولم نأكل،إلى متى ننتظر ما أمي؟!. وقف عمر - رضي الله عنه قريبا من الأسره وقال:السلام عليكم.فقالت المرأة: وعليك السلام. فقال عمر هل أقترب؟. أجابت المرأه:اقترب ومعك الخير،أو اتركنا واذهب. فقال عمر:ما عندكم؟ فقالت المرأة:نزل عيلنا الليل والبرد، ونحتاج إلى الطعام.
نظر عمر - رضي الله عنه - فوجد الأولاد حول القدر الكبيرة والنار تحتها. سأل عمر - رضي الله عنه - المرأة:لماذا يبكى الأولاد؟. فقالت المراة:من الجوع والبرد. فسأل:وأى شيء في هذه القدر؟. فقالت المرأة:ماء حتى يسكتوا ويناموا.
تألم عمر من كلام المرأة ومنظر الأولاد، وأسرع هو وخادمه نحو مخازن بيت المال.. أخرج عمر كيسا كبيرا من الدقيق، وقال لخادمه:احمله عليّ. فقال الخادم:أنا أحمله عنك. غضب عمر - رضى الله عنه – وقال:أأنت تحمل عني ذنبي يوم القيامه ؟!.
وضع الخادم كيس الدقيق فوق ظهر عمر، وحمل بعض الزيت. أسرع عمر - رضى الله عنه وهو يحمل الكيس الثقيل. سار عمر وخادمه إلى مكان المرأة، ثم أنزل كيس الدقيق على الأرض. فتح عمر الكيس، وأخذ منه بعض الدقيق. جلس عمر قريبا من النار، ووضح الدقيق والزيت فى القدر. نفخ فى النار حتى نضج الطعام. أنزل عمر القدر على الأرض، ثم وضح الطعام فى طبق كبير، وقال للمرأة:نادى أولادك.
اجتمح الأولاد حول الطبق الكبير يأكلون، وانتظر عمر وخادمه قريبا منهم. قالت المرأة:جزاك الله خيرا. فقال عمر:اذهبى غدا إلى عمر أمير المؤمنين، وسوف تجديننى هناك إن شاء الله.
وقف عمر - رضى الله عنه - بعيدا ينظر إلى الأولاد حتى اكلوا وشبعوا، ثم رأى الأولاد يلعبون ويحكون. وبعد قليل نام الأولاد، فقال عمر لخادمه :الحمد لله. الآن نستطيح أن نمشى، شبع الأولاد وناموا. هيا بنا. وانصرف عمر - رضى الله عنه - وخادمه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجل الصالح والكلب 21
كان رجلا مسافرا في الصحراء في يوم شديد الحرارة. والشمس ترسل أشعتها الملتهبة على الرمال. انتهى كل ما مع الرجل من ماء، وأحس بالعطش الشديد، سار الرجل يمينا وشمالا يبحث عن الماء بلا فائدة، شعر الرجل بالتعب فاستراح بعض الوقت، ثم واصل سيره يبحث عن الماء.
وجدالرجل في طريقه بئرا.. فرح الرجل وقال لنفسه:الحمد لله، أخيرا وجدت الماء. كدت اموت من العطش في هذا الجو الحارّ، شكرا لله لا ينسى عباده!.
نظر الرجل في البئر، فوجدها عميقة، ووجد الماء بعيدا، وليس هناك دلو ولا حبل. نزل الرجل إلى قاع البئر، وراح يشرب ويشرب حتى ارتوى، حمد الرجل ربّه، وخرج من البئر ليستعد للسّفر من جديد.
التفت الرجل فوجد كلبا يلهث من التعب والعطش ويزحف على الأرض، يأكل التراب المبتل الذي حول البئر من شدّة العطش. قال الرجل لنفسه:هذا الكلب المسكين يشعرالآن بما كنت أشعر به من عطش منذ لحظات. ولا شك انه يتألم كما كنت اتألم، لا بد ان اسقيه وأنقذه من الموت.
بحث الرجل عن إناء يملؤه ماء فلم يجد. احتار الرجل ماذا يفعل؟ وفكّر بسرعة، أخيرا جاءته فكرة، خلع الرجل خفه ونزل إلى البئر مرة اخرى. ملأ الرجل خفه بالماء، وخرج بسرعة، شاهد الكلب الرجل يحمل الخف المملوء بالماء فتحرّك نحوه. أمسك الرجل الخف وقربه من فم الكلب حتى يشرب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غنية شريرة وفقيرة فاضلة 22
كان في إحدى المدن أختان: إحداهما واسمها ظريفة، شرسة الأخلاق كثيرة الشتم والسباب. وكان الناس يبغضونها ويبتعدون عنها. لكنها كانت غنية وجميلة، وتزوجت رجلا غنيا، ولم يكن يعرف أخلاقها غير أن الله عاقبها بأن لم يرزقها أولادا تسر بهم في حياتها.
والأخت الثانية، واسمها لطيفة، لم تكن جميلة ولا غنية كأختها، لكنها كانت رضية الأخلاق، لطيفة كاسمها، عطوفة حنونة. تخاف الله وتخلص في عبادته.
تقدم إليها عتّال اسمه حارس فتزوجها، وعاشت معه عيشة فقر وعوز.فكانت تغسل ثياب بعض العائلات، وهو يشتغل بالعتالة ليكسبا قوت أولادهما الستة الذين أنعم الله بهم عليهما، وكانوا مصدر سعادتهما وسرورهما.
جاء عيد الميلاد، فرأت لطيفة أولاد الجيران يشتري لهم أهلهم ملابس العيد، وكانت هي تعجز عن شراء ملابس جديدة لأولادها، كما لم تتمكن من طهو طعام طيب لهم.
فذهبت إلى بيت أختها ظريفة ونظفته قبل العيد وهي تأمل أن تعطف عليها أختها فتعطيها شيئا من المال. لكن أختها استقبلتها بوجه عابس. ولما انتهت لطيفة من تنظيف البيت أعطتها أختها بعض كسر الخبز اليابس، وطردتها. فذهبت حزينة كسيرة القلب.
وفي طريقها إلى بيتها، مرّت بقصر جميل، فدقت بابه، ففتح لها خادم بشع الوجه، فسلمت عليه ودعت له بالخير وطلبت إليه أن يحسن إليها.
ابتسم لها ودلها على باب ثان، وقال لها: دقي هذا الباب. فدقته ففتحت لها فأرتان بيضاوان، فحيتهما، وطلبت منهما أن يحسنا إليهما. فدلتاها على باب ثالث. فدقته وفتحت لها أربع فأرات بيض، ودخلت، فرأت مقاعد حريرية بيضاء جلست عليها فئران كثيرة، فحيتهن، وتحبّبت إليهن، فأعطينها بطاقة، وقلن لها: اذهبي إلى المطبخ، فتعطي ما تريدين.
ذهبت لطيفة إلى المطبخ، وأعطت البطاقة للعبد الذي فتح لها الباب، فأتى بكيسين ملأ أحدهما طعاما من مختلف الأشكال، وملأ الثاني ذهبا، ثم حملهما إلى عربة أمام باب القصر، فعادت لطيفة إلى حيث الفئران وشكرت لهن معروفهن. فقلن لها: متى نفد ما أخذت عودي إلينا لنعطيك غيره. وأوصلها العبد الخادم إلى بيتها فدعته لتكرمه، ولكنه شكرها وعاد إلى الفأرات.
أعطت لطيفة أولادها كيس الطعام واشترت لهم ملابس جديدة ولها ولزوجها ملابس جديدة.
وفي اليوم التالي، بحثوا عن بيت جميل، فدلهم الجيران على قصر فخم تحيط به حديقة كبيرة، فيها أنواع الأشجار والأزهار، فاشتروه وفرشوه بأجمل الأثاث، وأحضروا عبيدا للخدمة وطاهية ومعلمة للأولاد.
انتشر خبر غنى حارس، وأنه صار يعيش عيشة الأغنياء. ولما عاد عيد الفصح، فكرت ظريفة أن تزور أختها وتعطيها بعض المال ليشتروا ما يحتاجون إليه من طعام وملابس.
فلبست أجمل ثيابها وذهبت إلى بيت أختها، ولكنها لم تجد فيه أحدا. فسألت عنها الجيران، فأخبروها أنها تسكن الآن قصرا جميلا ودلوها عليه.
ذهبت ظريفة إلى القصر، وأخذتها لطيفة إلى غرف النوم وغرفة الطعام وغرفة الجلوس لترى ما فيها من أثاث وأوان. ودلت أختها على مصدر هذه النعمة.
وصلت ظريفة إلى الباب الذي دلتها عليه أختها، ودقت الباب، ففتح لها العبد الأسود، فاحتقرته وشتمته، وقالت له: أريد حسنة. فاغتاظ منها العبد، ودلها على الباب الثاني، فدقت ففتحت لها الفأرتان البيضاوان، فاستهزأت بهما، وقالت لهما: لو كنت أعرف أنكما ستفتحان الباب لي لكنت حملت معي هرتي تصنع منكما وليمة لها. أعطياني حسنة.
فاستاءت الفارتان من كلامها، ودلتاها على الباب الثالث، ولما دقته، وفتحت لها الفارات الأربع، قهقهت متهكمة، ثم طلبت إليهن إحسانا، فأعطينها بطاقة، وقلن لها أن تذهب إلى المطبخ، فنظرت إليهن نظرة احتقار واشمئزاز، وسارت إلى المطبخ، فاستقبلها العبد، وبدأت تشتمه.
ودخل العبد إلى غرفة داخلية وملأ كيسا بالحيّات والعقارب، وأخرجه إليها، وقال لها: خذي هذا الكيس ولا تفتحيه إلا في بيتك، بعد أن تقفلي النوافذ والأبواب.
عملت كما طلب منها الخادم الأسود، وفتحت الكيس. فتدفقت منه الحيات والعقارب فنهشت جسمها نهشا مؤلما وصارت تصرخ رعبا وألما، وتستنجد، فلم يسمع أحد صوتها، فماتت أشنع ميتة.
لما جاء زوجها، وقرع الباب لم يفتح له أحد، فنادى رجال الشرطة، فأتوا وأعانوه على كسر الباب، فهجمت عليهم الحيات والعقارب، فأخذوا يردونها عنهم بما كان في أيديهم من عصيّ وقطع أخشاب، حتى قتلوها، ودخلوا البيت فوجدوا ظريفة ميتة، وقد انتفخ جسمها من السم.
هكذا كان مصير المرأة الفاضلة اللطيفة، ومصير المرأة الشريرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غدر أبـو قير 23
كان في "الإسكندرية" صبّاغ ماهر اسمه "أبو قير". وكان يُتقن صباغة القماش بالألوان الزّاهية الجميلة. ولكنّ أبا قيرٍ كان كسولاً لا يحبّ العمل، ومهملاً يَعِدُ زبائنه بأن ينجز لهم صباغة ثيابهم ثمّ لا يفي بوعده. وكانوا عندما يحضرون لأخذ أغراضهم يجدونها من غير صباغٍ، فيزعم أبو قير لهم أنّه كان مريضًا، أو أنه مشغولٌ كثيرًا، فلم يتمكّن من الوفاء بوعده لهم. بعد مدّةٍ من الزّمن، ساءت سمعته في أحياء الإسكندريّة، وعرف النّاس أنّه صبّاغ كسول وكاذب ومُهمل، لا يهمّه من الحياة إلاّ أن يأكل بشراهةٍ، فتركه الزّبائن وكسد عمله. وفي أحد الأيّام، جاء إلى دكان أبي قير رجلٌ غريبٌ لم يسمع بمعاملته السّيئة، وسلّمه قطعةً حريريةً من القماش، وطلب أن يصبغها له. فوعده أبو قير بإنهاء صباغتها بعد أسبوعٍ واحدٍ، وأخذ منه الأجر مقدّمًا. بعد أسبوعٍ، جاء الرّجل الغريب لكي يأخذ قطعته الحريرية؛ لكنّ أبا قير شعر بقدومه، فهرب إلى دكّان جاره الحلاّق واختبأ فيه. وهكذا كان أبو قير يختبئ كلّما شعر بقدوم زبونٍ لم ينجز له عمله. وكان الرّجل الغريب يجد دكان أبي قير خاليًا كلما زاره. ولمّا عثر عليه مرّةً، عاتبه ووبّخه، ثم تخاصم الإثنان وتشاجرا. لما يئس الرّجل الغريب من وعود أبي قير. ذهب إلى القاضي وشكا إليه أنّ أبا قير كَذَبَ عليه وخدعه وأخذ أجرًا على صباغة قطعة الحرير من دون أن ينجز وعده، فلم يصبغ قطعة الحرير، ولم يرجع المبلغ الذي أخذه مقابل الصّباغة. عندئذٍ أصدر القاضي حكمًا على الصّباغ الخدّاع بالسّجن لمدّة أسبوعين، ثم أمر بإغلاق مصبغته، ومنعه ممارسة مهنة الصّباغة، لئلا يقع الزّبائن في شباك كذبه وخداعه. أمضى أبو قير في السّجن أسبوعين، ثم خرج بائسًا حزينًا، ولابُدّ أن يبحث عن عملٍ يُوفّر له حاجته من المال والطّعام. ذهب إلى جاره الحلاّق الذي كان يختبئ لديه، فشكا إليه بؤسه وسوء حاله، وأنّه أصبح من الصّعب عليه أن يجد عملاً بعد أن عرف أهل الإسكندريّة سيرته السّيئة وإهماله في عمله. كان الحلاق، واسمه أبو صير، طيّب القلب، بسيطًا ومُهذّبًا. فأشفق على جاره القديم أبي قير، واستقبله استقبالاً حسنًا، وأكرمه وأنزله عنده، وأخذ يشاركه في المال الذي يجنيه من عمله كلّ يوم. وفي يومٍ من الأيّام، قال أبو قير لصديقه أبي صير: "أليس من المُحزن، يا صديقي، أن أصير إلى هذا الحدّ من البؤس والفقر، وأنا أمهر العاملين في صباغة الأقمشة، وأحسن صبّاغ يتّقن مزج الألوان في الإسكندريّة كلّها. إنّي آخذ الثياب باهتة اللّون، وبعد أن أصبغها تخرج من بين يديّ زاهيةً برّاقةً، تُسرّ النّاظرين". وتابع أبو قير كلامه: "وأمّا أنتَ يا صديقي أبا صير، فإنّك حلاّق ماهر، خفيف اليد، ولكن زبائنك قليلون، وإذا بقيتَ قانعًا بما أنت عليه، فستظلّ قليل المال، فقير الحال. هيّا بنا نرحل عن هذه المدينة، إلى مكانٍ آخرٍ، نجد فيه الزّبائن الأغنياء الذين يُقدّرون مهارتك ومهارتي، فنكسبُ من عملنا مالاً وفيرًا ونصبح بعد وقتٍ قصيرٍ من الأغنياء". فكّر الحلاق أبو صير في كلام صديقه الصّباغ أبي قير، واقتنع به. فاتّفقا على أن يُهاجرا معًا من المدينة، ويتشاركا في كلّ ما يكسبانه من عمليهما، وأن يتقاسماه معًا في أمانةٍ وصدقٍ. وعَلِمَ الصّديقان أن سفينةً كبيرةً ستغادر ميناء المدينة بعد أيّامٍ قليلةٍ، وستُبحر إلى بلادٍ عديدةٍ. انضمّ أبو قير وأبو صير إلى المُسافرين على ظهر السّفينة، وكان عددهم كبيرًا، بعضهم تجّار يُسافرون ليجلبوا بضائع وسلعًا متنوّعةً، وبعضهم عُمّال يُسافرون بحثًا عن عملٍ في أيّ بلدٍ من البلاد، وبعضهم يُسافر سائحًا مُتفرّجًا على بلاد الله الواسعة. لم يلبث المُسافرون أن تعرّفوا بالحلاّق أبي صير حتّى أقبلوا عليه يقصّون شعرهم، إذ وجدوه حلاقًا ماهرًا طيّب القلب، رضيّ النّفس؛ فأكرموه وأكثروا له العطاء. وسارت السّفينة في البحار، وكانت تنتقل من ميناءٍ إلى ميناءٍ، فينزل منها بعض المُسافرين، ويصعد غيرهم مكانهم، والحلاّق النّشيط يُلبّي رغبات المُسافرين في قصّ شعرهم من دون كللٍ أو مللٍ. وكان يقتسمُ مع صديقه الصّباغ كلّ ما يكسبه من أجرٍ على عمله. ولمّا كان الصّباغ يحبّ الأكل، فإن الحلاّق كان يرغب إلى زبائنه في أن يكون أجره طعامًا وشرابًا وفاكهةً، ليتمكّن صديقه الصّباغ أن يأكل ما يحبّ ويشتهي. كان أبو قير، عندما يشبعُ، يلتفت إلى أبي صير ويقول له: "إنّ الله رَزَقني صديقًا وفيًّا مثلك، وإنّي أرجو أن أردّ لكَ معروفك عندما أجد عملاً يُكسبني مالاً". وسمع ربّان السّفينة بمهارة الحلاّق أبي صير فاستدعاه ليقصّ له شعره. أُعجبَ الرّبان بنشاطه وخفّة يده، فرغب إليه أن يتردّد عليه يومًا بعد يومٍ ليقصّ له شعره. وأعطاه الكثير من الطّعام والحلوى ليشبع بهما رفيقه الأكول. كان أبو قير يلتهم الطّعام الذي يكسبه رفيقه الحلاّق، ولا يترك له إلاّ بضع حبّاتٍ من الزّيتون، وبضع لُقيماتٍ من الخبز. وكان أبو صير يتناول ما ترك له الأكول برضا وصبرٍ، فلا يتذمّر ولا يتأفّف. عندما بلغت السّفينة نهاية رحلتها، ورست في آخر ميناءٍ في الرّحلة، التفت ربّانها إلى أبي صير وقال له: "إنّك رجلٌ كريمٌ ونشيطٌ، وإنّي أدعوك إلى البقاء معنا، تنتقل من بلدٍ إلى بلدٍ وتمارس عملك بين ركّاب السّفينة الذّين يريدون قصّ شعرهم، أو تخفيف لحاهم وشواربهم، وهكذا تكسب مالاً وتتفرّج على بلاد الله الواسعة في وقتٍ واحدٍ". فأجابه أبو صير قائلاً: "أشكرك أيّها الرّبان على دعوتك، لكنّني لا أستطيع تلبيتها لأنّني مُرتبط مع صديقي أبي قير على أن نسافر معًا ونقيم معًا ونتاجر معًا ونتقاسم ما نكسب بالتّساوي، وليس من الأمانة أن أنقضَ الإتّفاق أو أخلف الوعد، أو أترك صديقي أبي قير في بلادٍ غريبةٍ، لا يعرف فيها أحدًا، ولا يعرفه أحدٌ". فقال ربّان السّفينة لأبي قير: "إن صاحبك لا يريد أن يعمل عملاً نافعًا ليكسب من تعبه، وقد أحَبَّ حياة الكسل والإعتماد على نشاطك وعملك. وهذه الصّفات ليست صفات الصّديق الشّريف. إنّه أنانيّ يحبّ نفسه فقط، ومن الخير أن تجعله يعمل لئلا يظلّ كسولاً يعتمد على عمل غيره. وعلى كلّ حالٍ هذا أمر يخُصّك، وإنّي أتمنّى لك الخير والسّعادة، وإلى اللقاء". شكر أبو صير ربّان السّفينة، وتمنّى له سفرًا سعيدًا ورحلةً هادئةً لا تهبّ فيها رياحٌ شديدةٌ على السّفينة. وحمل أبو صير أمتعته ونزل من السّفينة إلى الأرض، يتبعه رفيقه أبو قير. وبعد أن تجوّلا في طُرُق المدينة، وتعرّفا بأشهر أحيائها، استأجر أبو صير غرفةً أقام فيها مع رفيقه. وفي اليوم التّالي، ذهب أبو صير إلى سوق المدينة واتّخذ مكانًا له وبدأ يُمارس مهنة الحلاقة. وفي المساء، عاد إلى الغرفة حاملاً الطّعام والفاكهة، فأكل رفيقه أبو قير كثيرًا وبقي لأبي صير القليل القليل. استمرّت الحال على هذا الشّكل: الرّجل الطيب، أبو صير، يعمل في حلاقة الشّعر طوال النّهار، ثم يحمل معه الطّعام في المساء؛ وأبو قير يمضي الوقت متكاسلاً، مُتمدّدًا ثم يشارك رفيقه في الأكل. وبعد عدّة أسابيع، شعر أبو صير بالتّعب والإرهاق بسبب العمل المتواصل من غير راحةٍ. وما لبث أن وجد نفسه في صباح يومٍ من الأيّام مريضًا، لا يستطيع القيام من فراشه من شدّة الألم وارتفاع الحرارة. وكان من الواجب أن يتولّى أبو قير خدمة رفيقه والإشراف على إسعافه ومداواته وتوفير الطّعام له. ولكنّ أبا قير، بدلاً من ذلك، غافل رفيقه المريض الذي يتلوّى من الألم، وسرق كيس النّقود وأوهمه بأنّه ذاهب لإحضار الدّواء والطّعام. تجوّل أبو قير في طُرُق المدينة وأسواقها، وراقب النّاس فيها، فلاحظ أنّهم يلبسون ثيابًا بيضاء وسوداء. وبينما كان يشتري بعض الفاكهة من أحد الدّكاكين، سأل البائع: "لماذا لا تلبسون ثيابًا ملوّنةً بألوانٍ أخرى غير الأبيض والأسود؟". فأجابه البائع: "ليس في المدينة صبّاغ يتّقن تلوين الثياب وسائر الأقمشة". عندئذٍ رأى أبو قير أنّ الفرصة سانحة ليستفيد منها، فذهب إلى قصر السّلطان وطلب مقابلته. فلمّا أَذن السّلطان لأبي قير بالدخول، روى لهُ قصّته، وقال إنه رجل غريب، قدم من الإسكندريّة على ظهر سفينةٍ، وأنّه يحسن صباغة الأقمشة الحريريّة والقطنية والصّوفيّة، فيجعلها حمراء وصفراء وخضراء وزرقاء، كما يريد صاحبها، وأنه على استعدادٍ للقيام بعمله في هذه المدينة وإفادة أبنائها من مهارته وخبرته. اقتنع السّلطان وساعد أبا قير في إنشاء مصبغةٍ كبيرةٍ، وأمر بأن تُشتَرى له الأدوات اللاّزمة وأن يعمل عنده عددٌ من العمّال. وما كاد الناس يعرفون بأن مصبغة بدأت تعمل في مدينتهم، حتّى أقبلوا عليها يصبغون أقمشتهم بالألوان الحمراء والصّفراء وغيرها. بعد مدّةٍ قليلةٍ، بدأ يظهر في طُرُق المدينة شباب يرتدون ثيابًا ملوّنةً جميلةً. وهكذا أصبحت مصبغة أبي قير مقصد النّاس الرّاغبين في الألوان الجديدة، وأصبح أبو قير غنيًا مِن كثرة مَا ربح من عمله. أمّا أبو صير، الرّجل الطّيب، فقد ظلّ في غرفته وحيدًا لا يشعر أحدٌ بمرضه. وبقي على هذه الحال عدّة أيامٍ، إلى أن سمع أحد الجيران أنينه، فدخل عليه، فلمّا رآه على هذه الحال، أسرع فأحضر إليه طبيبًا فعالجه ووصف له الدّواء المناسب. لازم الجار أبا صير، وأشرف على إعطائه الدواء في المواعيد التّي قرّرها الطّبيب، وأحاطه بعنايته. وعندما تمكّن أبو صير من تناول الطّعام، كان الجار الطّيب يشتري له ما يحتاجه ويقدّمه إليه. وطالت إقامة أبي صير في غرفته، ولم يتماثل إلى الشّفاء إلاّ بعد أسابيع عديدةٍ. وبالرّغم من كلّ ما حدث لأبي صير من أعمال أبي قير معه، فقد ظلّ يظنّ أن أبا قير وقع له حادث منعه من العودة إلى البيت، وأنّه ربّما أخذ النّقود ليشتري بها طعامًا لهما... لم يخطر لأبي صير أن رفيقه كان سيّئ النّية لأنّه هو كان طيّب القلب، رضيّ النّفس، بسيطًا. خرج أبو صير من الغرفة بعد شفائه من مرضه، وسار في المدينة ليبحث عن رفيقه، وليبحث عن عملٍ يوفّر له عيشه. وبينما هو يسير في الطّريق، وصل إلى مصبغة أبي قير، وشاهد النّاس مزدحمين أمامها. وبعد أن سأل بعضهم عن ذلك، عرف أنّه أمام مصبغة رفيقه القديم، وأنّ هؤلاء النّاس يريدون صباغة ثيابهم وتلوينها بالألوان الجميلة، وعرف أن رفيقه الصّباغ أصبح مشهورًا وغنيًا. دخل أبو صير المصبغة ليقابل أبا قير ويسأله عن أحواله، وكيف استطاع أن ينجح في هذا الوقت القصير. وعندما أطلّ أبو صير على داخل المصبغة، رأى منظرًا غريبًا لم يكن يتوقّعه. لقد رأى أبا قير يجلس على منصّةٍ عاليةٍ، وهو يستند على الوسائد الحريريّة، ويحيط به الخدم من كلّ جانبٍ، ويلقي الأوامر على هذا وذاك، فيُنفّذ كلّ واحدٍ ما أمره به. ولم يكد أبو صير يقترب من منصّة رفيقه الصّباغ، حتّى أشار أبو قير على أحد الخدم بأن يقبض على أبي صير ويرميه أرضًا ويضربه مئة ضربةٍ.
ولم يستطع أبو صير المسكين أن يتكلّم، فتلقّى الضّربات بصبرٍ وألمٍ. وبعد الضّرب، ألقاه أحد الخدم في الشّارع... ولكن ماذا فعل أبو صير بعد ذلك؟ وهل سيظلّ أبو قير ناجحًا في عمله؟ لا، إنّه لا بدّ من أن ينتصر الرّجل الوفيّ على الغادر الخائن، ولا بُدّ أن يتغلّب الرّجل النّشيط على الكسول. ولكنّ كيف سيحدث ذلك، وكيف سيَلقى كلّ منهما ثمرة عمله.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التاجر الذكي 24
كان في سالف الزّمان تاجر يتنقّل في مدنٍ كثيرةٍ يبيع ويشتري ويجني من عمله ربحًا كثيرًا. وكان عمله هذا قد جعله يمرّ في تجارب كثيرةٍ، فاختبر أنفس الناس وعرف أهواءهم، وأدرك ما يحبّون وما لا يحبّون، ووجد أن أصعب أمرٍ في الحياة هو أن يجد الإنسان صديقًا وفيًّا. ومن يومٍ إلى يومٍ كانت تجارة التّاجر تزداد سعةً، فكثرت أشغاله وراح يوظّف أمواله في أماكن كثيرةٍ وتجارات متنوعةٍ، وبنى لنفسه قصرًا جميلاً، ففرشه بأجمل الأثاث، وأحاطه بحديقةٍ، زرع فيها كلّ أنواع الزّهور، وببستانٍ متنوّع الأشجار، طيّب الفواكه. كان للتاجر ولد وحيد يحبّه كثيرًا ويُعنَى بتعليمه. فجاء له بأفضل المعلّمين يعلّمونه أصول القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وكتب التاريخ والسير والجغرافيا والكثير من النثر والشعر. وكان التاجر لا يرد لإبنه طلبًا. فهو وحيده ويبشّر بمستقبلٍ زاهرٍ، خاصّة وأنّه نبيهٌ يحبّ والده الذي علمه والتجارة الشريفة. وقد كان لهذا الولد، واسمه زاهر، صديق يمضي معه أكثر أوقاته حتّى بات الناس يعرفونهما جيدا كصديقين، وإذا رأوا أحدهما ذكروا الآخر. وكان الواحد منهما يفتّش عن أحدهما فيجده مع صديقه. غير أنّ زاهر لم يستطع أن يعرف مِن صديقه غير وجهٍ واحدٍ هو علاقتهما من حيث النزهات والمجالس الأنيسة والدّروس المستمرة من غير أن تتكشّف له أخلاقه وصفاته، ومن غير أن يتعرّف عليه من خلال تجارب تكشف الإنسان إن كان فعلاً صديقًا طيبًا أو إنّه إنسان يدّعي الصّداقة من أجل غايةٍ لا علاقةً لها بالصّداقة المُحبّة الطّيبة. وغالبًا ما كان التاجر يُحذّر ابنه من علاقةٍ لا تجارب فيها. إلاّ أنّ زاهر كان يحسّ بشيءٍ من الحزن كلّما حدّثه والده عن صديقه الذي طلب منه أن يضع صديقه على محكّ التّجربة أو يطلب منه طلبًا يتكشّف فيه مدى محبّته له. وفي يومٍ من الأيّام، قرّر التّاجر السفر إلى بلدٍ بعيدٍ، وكان لديه كثير من المال والجواهر، ففكّر أن يضعها في صندوقٍ ويضع الصّندوق في مكانٍ آمنٍ. جمع التّاجر كلّ ما في حوزته من ذهبٍ وجواهر وأموال وجعل يفكّر. فكان أن دخل عليه ابنه ووجده غارقًا في تفكيرٍ بعيدٍ، فقال له: ما بك يا أبي؟ لا شيء يا ولدي. إنّني أفكّر في سفرٍ بعيدٍ، وأحبّ أن تكون معي فترى عالمًا غير هذا العالم، وتتّسع معارفك، وتطّلع على مجتمعاتٍ غير هذه المجتمعات. فسُرّ زاهر بفكرة أبيه ورحّب بالسّفر وقال: إنّها والله يا أبَتي أمنيتي منذ زمنٍ بعيدٍ. وكنتُ أفكّر مرات كثيرةٍ أن أطرح عليك فكرة السّفر إلى مدنٍ وبقاعٍ كثيرةٍ، فنرى العالم ونُسَرّ بما متّعنا به الله. غير أنّ الأب أطرق قليلاً ثم قال لإبنه: ولكنّي يا ولدي أفكّر بأمرٍ طالما أبعد النّوم عن عينيّ. فقال زاهر: هل أستطيع أن أساعدك به يا أبي؟ فقال التاجر: إنّي أفكّر بأمر هذا الذّهب وأمر هذه المجوهرات والمال الذي يجب أن أضعه في مكانٍ آمنٍ حتّى نعود من السّفر. راح الإثنان يفكّران، وأخيرًا قال الأب: ما رأيك أن أضع الذّهب ومجوهراتي وأموالي في صندوقٍ، أتركه أمانةً لدى صديقك الذي تحبّه؟ أتوافق على هذه الفكرة؟ سُرّ زاهر بفكرة أبيه، وخاصّةً وهو يفكّر في أن يأتمنه على أكثر ممتلكاته قيمةً. وقال لأبيه: أتظنّ أنّ صديقي هو الإنسان المُناسب الذي يجب أن نضع الصّندوق عنده؟ فقال التاجر: أليس صديقك؟ وهو أمين كما ترى، ويحبّك وليس لي صديق آمنه وأحبّه كما تأمن لصديقك وتحبّه. ولذلك فمِنَ المُستحب أن نضع الصّندوق عنده. أسرع زاهر إلى صديقه وطلب أن يحافظ على وديعة أبيه، إذ أنه خصّه من بين الكل في أن يكون الصندوق الذي يضم أغلى ما يملك بين يديه وهُما غائبان عن المدينة. وكان أن ترك الصندوق عند صديق زاهر. وسافر التاجر وابنه، وكان الإثنان يتنقّلان من مكانٍ إلى آخرٍ ومن مدينةٍ إلى أخرى ويَطّلعان على معالم كل الأماكن التي يزورانها. وبعد أربعة أشهرٍ، قال التاجر لإبنه: ما رأيك يا ولدي أن نعود إلى مدينتنا. رجع التّاجر وابنه زاهر إلى بلديهما. ولمّا وصلا طلب التاجر من ابنه أن يذهب إلى صديقه ويأتي بالصّندوق. فذهب زاهر وعاد بالصّندوق إلى أبيه غير أنّه كان عابس الوجه. فما إن رآه والده كذلك قال له: يا زاهر أراك غير منشرح الصّدر ما بك؟ فقال زاهر: أنا عاتب عليك كثيرًا. فسأل التّاجر: لماذا؟ لماذا يا بُنيّ؟ ألأنّي تركت كل ما أملك عند صديقٍ لكَ؟ فنظر زاهر إلى والده وقال: لقد تركتَ رملاً وحصًى. وها هو الصّندوق كما تركته لدى صديقي. فضحك التاجر وقال لإبنه: لو كان صديقك وفيًا لك أمينًا على الودائع لمَا فتح الصّندوق. وعندئذٍ عرف زاهر الغاية التي أراد أن يُفهِمَه إيّاها والده من وضعه الصّندوق عند الذّي يدّعي أنّه صديقه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفتاة الذكيّة 25
كان شاب من أذكياء العرب يرغب في الزواج من فتاة ذكيّة مثله. خرج الشّاب يطوف بالقبائل على جمله، وبينما كان يسير في طريقه قابل رجلا يتّجه نحو المكان الذي يقصده.. سار الشّاب والرجل معا. قال الشّاب للرجل أتحملني أم أحملك؟. فقال الرجل:يا جاهل! أنا راكب وأنت راكب. فكيف أحملك أو تحملني؟!. سمع الشّاب جواب الرّجل، فسكت ولم يردّ عليه.
واصل الشّاب والرجل سيرهما، ثم مر الإثنان بقرية حولها زرع ناضج، وحان وفت حصاده. قال الشاب يسأل الرّجل:أترى هذا الزرع أكله أصحابه أم لا؟!. ردّ الرجل:سؤال عجيب! الزرع امامك ما زال بالأرض وتسأل أأكله أصحابه أم لا؟!.
سكت الشاب ولم يرد على كلام الرجل.
سار الإثنان في طريقهما، وقابلا جنازة، فقال الشّاب يسأل الرجل:أترى صاحب هذا النّعش حيّا أم ميتا؟!. أجاب الرجل:ما رأيت أجهل منك! ترى جنازة فتسأل أميّت صاحبها أم حيّ؟!.
سكت الشّاب، وسار مع الررل دون أن يرد على كلامه.. أخيرا وصل الإثنان قريبا من بيت الرجل. طلب الرجل من الشّاب أن ينزل ضيفا عليه، فوافق الشّاب.
وكان للرجل ابنة، فلمّا عرفت لديهم ضيفا سألت أباها عنه، فقال لها أبوها:إنه من أجهل الناس!. وحكى لها ما دار بينهما من حديث.
قالت الفتاة لأبيها:يا أبت! هذا الشّاب ليس جاهلا كما تقول! فعندما قال لك:أتحملني أم أحملك؟! كان يقصد أتحدّثني أم أحدّثك؟ حتّى نتسلّى بالحديث أثناء السّفر. وعندما قال:أترى هذا الزّرع أكله أصحابه أم لا ؟! فكان يقصد:هل باعه أصحابه قبل أن يحصدوه وأكلوا بثمنه أم لا؟! وأما قوله عن الميّت:أميّت هو أم حيّ؟! فقد قصد بكلامه هذا:هل لهذا الميّت أبناء يحيون ذكره بين الناس أو لا؟!.
فلما سمع الرجل ما قالته ابنته خرج للشاب وأخذا يتحدّثان. ثم قال الرجل للشاب:أتحبّ أن أفسّر لك ما سألتني عنه؟. قال الشب نعم. فأخذ الرجل يفسر له أسئلته والإجابة عنها كما سمعها من ابنته. فقال له الشاب:ما هذا كلامك، فأخبرني من صاحبه؟. فقال الرجل:ابنتي. فقال الشاب:أتزوجني ابنتك؟. فأجاب الرجل:نعم.
وهكذا حصل هذا الشاب الذكي على الفتاة التي طال بحثه عنها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحيلة الذكية 26
كان عمرو بن العاص يقود جيش المسلمين في طريقه لفتح مصر، أقام عمرو بن العاص معسكره قريبا من قلعة كبير الرومان الذين كانوا يحتلّون مصر في ذلك الوقت. أرسل قائد الجيش الروماني رسوله إلى عمرو بن العاص يطلب منه أن يحضر إلى القلعة ليقابله ويتكلّم معه.
وكان القائد الروماني قد اتّفق مع بعض جنوده أن يرموا صخرة كبيرة فوق عمرو بن العاص في اثناء انصرافه من القلعةبعد أن يقابله. وقف الجنود الرومانيون فوق سطح القلعة، واستعدوّا لذلك.
حضر عمرو بن العاص، وقابل القائد الرومانيّ، وتكلم معه، وسمع كلامه. أراد عمرو بن العاص أن ينصرف، وبينما هو في طريقه إلى خارج القلعة، فرأى حركة غريبة بين الجنود الرومانيّين.
شعر عمرو بن العاص بالخطر، وفكر بسرعة في حيلة. وقف مرة واحدة كأنه تذكر شيئا، ثم رجع إلى مكان القائد الرومانيّ، ودخل عليه يسير بخطوات قويّة ثابتة. قال عمرو:جاءني فكرة حسنة، معي في الجيش جماعة من أصحاب رسول الله يسألهم أمير المؤمنين عمر – رضي الله عنه – دائما يستشيرهم قبل أن يفعل أيّ شيء.
سأل القائد الروماني بلهفة:وهل هم معك الآن في المعسكر؟. أجاب عمرو بن العاص: هذا ما جأت من أجله، ما رأيك؟ أذهب اليهم، وأحضرهم لك هنا، لتقول لهم ما ذكرته لي، حتى يفهموا الكلام كما فهمته منك تمام، وتسمع رأيهم.
فرح القائد الروماني بهذه الفكرة، وقال لنفسه:كنت سأقتل قائدا واحدا من المسلمين، الآن سأقتل قائد وجماعة من كبار المسلمين. أعطى القائد الروماني إشارة لجنوده، لينتطروا، ولا يرموا الصّخرة.
مشى عمرو بن العاص إلى خارج القلعة، وسار معه القائد الروماني ليودّعه، وهو ينتظر أن يذهب عمرو بن العاص إلى معسكر المسلمين، ويرجع ومعه أصحابه الكبار.
ذهب عمرو بن العاص إلى معسكر جيشه، وجمع جنوده وذكر لهم الخطّة، كيف يهجمون على القلعة؟ وكيف يفتحون الأبواب؟ واين يقف الحرّاس؟ وأين يختبأ جنود الرومان؟ وأين يقيم قائدهم؟ وفي الصباح قاد عمرو بن العاص جيشه، وهجموا على القلعة، وفتحوا الأبواب ودخلوا، وهزموا جنود الرومان، واستولوا على القلعة.
وبعد وقت قصير كتب الله النّصر للمسلمين، وفتحوا مصر كلّها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأعرابيّ الفقير 27
يُحكى أنّ أعرابياً فقيراً كان يعيشُ في خيمةٍ من الخيام في الصّحراء، ويقتاتُ من الكفاف الذّي تُقدّمه له الأيّام الجافّة في عالمٍ من الحرّ والعطش والبرد. ورغم ذلك، فقد كان ذلك الأعرابي سعيدًا بحياته مع زوجته التّي تعيش بقربه، وفيّةً له ومهتمّةً به. وفي يومٍ من الأيّام، وبينما كان الأعرابي جالساً أمام خيمته يتأمّل هذه السّهول الرّحبة ويسامر زوجته في هذا اللّيل الصّافي، مرّ به رجلان على ظهر حصانين، يُسمَعُ لِهَمْهَمَتِهِمَا صدًى في أرجاء الصّحراء؛ وقد تلمّس هذان الرجلان الطريق إلى خيمة الأعرابي بواسطة تلك النار التي يشعلها العرب عادةً في اللّيل ليهتدي بها الضال والجائع. رحّب الأعرابي، هو وزوجته، بالرّجلين، وفكّر في أن يقدّم لهما طعامًا. إلاّ أنه لا يملك إلاّ شاةً يتغذّى بلبنها. حدّثته زوجته بالأمر، فطلب إليها أن تهيّئ نارًا لإعداد الطّعام، فسيذبح الشاة للضّيفين اللّذين حلاّ هذه الليلة عليه. وعرف الرجلان أنه ليس لهذا ألأعرابي غير هذه الشاة. حاولا أن يقنعاهُ بعدم ذبحها، إلاّ أنه رفض طلبهما. وكان بعد ذلك أن هيّأت امرأته الطعام للضيفين، فأكلا ما لذ ّ لهما، ثمّ أمضيا عنده الليل. وفي الصّباح الباكر، ودّعاه بعد أن طلبا إليه أن يقصدهما في المدينة حيث يلتقي بهما في المسجد الجامع. ولم يعرف الأعرابي أن هذين الرجلين هما والي المدينة وقاضيها. وبعد أيّام قصد الأعرابي المدينة، وذهب إلى المسجد الجامع فوجدهما بين المُصلين يرفعان أيديهما ويصلّيان. فقال في نفسه: "أنا ألتجئ إلى إثنين يلتجئان بدورهما إلى الله، فلألتجئ إليه فهو وحده الكريم القدير".
وكان أن قفل عائدًا إلى خيمته، وأخبر امرأته بما حدث معه، فسُرّت امرأته بإيمانه وفضّلت أن يعانيا ما هما عليه من فقرٍ من أن يستعينا بأحدٍ.
غير أنّ ريحا هوجاء هبّت في تلك الليلة وذهبت بالخيمة المضروبة في عمق تلك الصحراء، فقام الأعرابي وامرأته وباتا ينتظران شروق الشمس وهما يتّقيان رشاش الرمل بثيابهما. وعند الفجر حمل الأعرابي خيمته وسارت امرأته وراءه، ورحلا حتى وصلا إلى مكانٍ وجد فيه الأعرابي أمانًا له ولإمرأته. وبينما كان الأعرابي يضرب في الرّمل، إذ وجد حلْقةً أمام عينيه فأخذها بجماع يديه وراح يشدّ ويشدّ حتى خرجت من الرّمل جرّةٌ حمراء، ساعدته امرأته في إخراجها. وما إن فتحاها حتّى وجدا فيها كنزًا ثمينًا. فسُرّ الأعرابي وامرأته بذلك، وقرّرا أن يبنيا قصرًا جميلاً في ظاهر المدينة. وهكذا كان.
وبين ليلةٍ وضحاها، راح يرى أهل المدينة قصراً جميلاً يرتفع في ظاهر المدينة. وكان الأعرابي قد أنفق على بناء القصر مالاً كثيرًا، فجاء آيةً من آيات فنّ البناء. وبات حديث الغادي والرائح. عَلِم الوالي أنّ قصرًا يُبنى في ظاهر المدينة، فطلب إلى الحرّاس أن يتبيّنوا له أمر باني هذا القصر. فأخبروه إن أعرابيًا جاء من الصّحراء وبنى هذا القصر، ذلك بعد أن وجد كنزًا في مكانٍ ما من الصّحراء بدّل مرارة أيامه حلاوةً وفقره غنًى. شاء والي المدينة أن يرى ذلك القصر، فجاء إليه هو والقاضي. وما إن وصلا إليه والتقيا بصاحبه حتّى عرفا فيه ذلك الأعرابي الفقير الذي أكرمهما تلك الليلة التي أمضياها في كوخه. غير أن القاضي دبّ فيه الحسد، فقال للوالي: "سأطلب إليك أن تفعل شيئًا تتبيّن فيه حسن أخلاق هذا الأعرابي من جديدٍ، إذ إنّ الغنى بعد الفقر يبدّل غالبًا من أخلاق صاحبه". وتابَع: "ما رأيك يا سيدي الوالي أن تذهب إلى قصر الأعرابي وتلتقي به هناك، وأن تخبره أنك رأيت في ما يرى النّائم أنك وجدت نفسك تصرخ: عو عو عو. فإذا قال لك إن هذا الذي رأيت في حلمك كلب، اقتصصت منه". رضي الوالي بما عرضه القاضي عليه، ثم ذهب إلى القصر والتقى الأعرابي. فاستقبله استقبال الكريم، ودعاه إلى تناول الطعام، فأجابه الوالي إلى ذلك. وبينما هما يتناولان الطّعام، قال الوالي للأعرابي: "لقد رأيت في ما يرى النّائم رجلاً يصرخُ: عو عو عو. وأحبّ أن تفسّر لي ذلك". فقال الأعرابي: "أمّا "عوّ" الأولى، فمعناها أنه سبحان من رَزَق الطّير في الجوّ. وأمّا "عوّ" الثانية، فمعناها أنه سبحان من أنار الطريق أمام التّجارة في النور. وأمّا "عوّ" الثالثة فمعناها لعن الله جار السّوء". سُرّ الوالي بتفسير الأعرابي وعرف ما كان القاضي يرمي إليه، وكان أن قرّب الوالي الأعرابي إليه وأقصى القاضي عن القضاء بين الناس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخليفة والوالي الفقير 28
ولّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعيد بن عامر على حمص. ولم يمر وقت طويل حتى جاء إلى أمير المؤمنين وفد من أهل حمص. فقال لهم: "اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أعطيهم من مال المسلمين".
فكتبوا إليه أسماء فقرائهم، فكان منهم سعيد بن عامر والي حمص. فسألهم عمر "ومن سعيد بن عامر؟".
قالوا: "أميرنا". قال عمر رضي الله عنه: "أميركم فقير؟".
قالوا: "نعم والله، إنه تمر عليه الأيام الطوال ما توقد في بيته نار، ولا يطبخ طعام".
فبكى عمر رضي الله عنه، ثم وضع ألف دينار في صرة، وقال: "أعطوه هذا المال ليعيش منه".
فلما رجع الوفد إلى مصر وأعطاه الصرة، قال سعيد: "إنا لله وإنا إليه راجعون!". وكأنه قد أصابته مصيبة، فسألته زوجته: "ما الأمر؟.. هل حدث مكروه لأمير المؤمنين؟!". قال سعيد: "أعظم من ذلك! دخلت على الدنيا لتفسد آخرتي".. قالت الزوجة: "تخلص منها!". وهي لا تعرف من أمر الدنانير شيئاً. قال سعيد: "أوتساعدينني يا زوجتي على أن أتخلص منها؟!".
قالت: نعم.
فوزع سعيد بن عامر الدنانير الألف التي أرسلها إليه عمر على فقراء المسلمين. وبعد فترة من الزمن زار عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمص يتفقد أحوالها، وقابل أهلها وسألهم عن أميرهم سعيد بن عامر. فشكروا فيه وأثنوا عليه، ولكنهم شكوا لعمر بن الخطاب ثلاثة أفعال لا يحبونها فيه. فاستدعى عمر سعيد بن عامر وجمع بينه وبينهم. وقال عمر: ما تشكون من أميركم؟.
فقالوا: إنه يخرج إلى الناس متأخراً في النهار. ونظر أمير المؤمنين إلى سعيد وسأله أن يجيب. فأجاب سعيد: والله إني أكره أن أقول ذلك. ليس لأهلي خادم.. فأنا أعجن معهم عجيني، ثم أنتظر حتى يخمر، ثم أخبز لهم، ثم أتوضأ وأخرج إلى الناس.
ثم قال عمر: وما تشكون منه أيضاً؟
قالوا: إنه لا يرد على أحد في الليل!.
قال سعيد: والله كنت أكره أن أعلن ذلك أيضا. إني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله عز وجل.
قال عمر رضي الله عنه: وما تشكون منه كذلك؟
قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يقابل فيه أحداً.
فقال عمر رضي الله عنه: وماذا تقول في ذلك يا سعيد؟
فقال سعيد: ليس لي خادم تغسل ثيابي.. وليس عندي ثياب غير التي علي.. ففي هذا اليوم أغسلها، وأنتظر حتى تجف، ثم أخرج إليهم آخر النهار.
عند ذلك قال عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي لم يخيب ظني بك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحطّاب الفقير 29
كان في سالف الزّمان فتى جميل الوجه، طويل القامة، قويّ الجسد، طيّب النفس، إلاّ أنّه كان حطّابًا يعيش في كوخٍ وسط غابةٍ بعيدةٍ عن المدينة. وفي يومٍ من الأيّام، بينما كان ذاهبًا إلى المدينة، وعلى ظهره حملٌ من الحطب، سمع في الطّريق أنين امرأةٍ عجوز، كانت قد وقعت على الأرض، والدّم يسيل من جرحٍ عميقٍ في يدها. رمى الحطّاب حمل الحطب عن ظهره وأسرع إليها، وصبّ على جرحها ماءً كان يحمله ليشربه في الطّريق، ونظّف الجرح، ووضع عليه بعض الأعشاب المُفيدة، ولفّه بقطعةٍ نظيفةٍ من قميصه البيضاء. سُرّت العجوز من جميل الفتى الحطّاب، وأحبّت أن تردّ له جميله هذا بأن تجعله غنيًا طيلة حياته. فاستغرب الفتى كلام العجوز وظنّها مجنونةً، فلم يقم لكلامها أي وزنٍ. إلاّ أنّه، احترامًا لها، شكرها ونهض ليتابع سيره، فاستوقفته، ثم أشارت إلى سنديانةٍ كانت هناك، وقالت له: "في جوف هذه السنديانة أكبر كنزٍ. وسأطلب إليك أن تصعد إليها، ثم تُفتّش عن مدخلٍ في جوفها، تنزل منه إلى درجٍ، فتجد هناك ثلاث غرفٍ. في الغرفة الأولى يوجد فضّة، وقُرب الفضّة أسدٌ يحرسها. فإذا خفتَ أن يؤذيك، خُذ هذا المنديل وضعه على وجه الأسد، فيتحوّل إلى حيوانٍ وادعٍ أليف، وتأخذ الفضة. أمّا إذا لم تعجبك الفضة، ففي الغرفة الثانية ذهب، يحرسه أيضًا أسدٌ قويُ. فإذا أحببتَ الذّهب وخفت من الأسد أن يؤذيك، ضع المنديل على وجهه، وخذ الذّهب. أمّا إذا لم يعجبك الذهب والفضة، ففي الغرفة الثالثة ألماس ويحرسه أسدٌ أيضًا. ضع المنديل على رأس الأسد، وخذ الألماس. ضحك الحطاب وقال للعجوز مُداعبًا: "وهل أستطيع أن آخذ الذهب والفضّة والألماس؟" "نعم"، قالت العجوز،" تستطيع أن تأخذ كلّ الجواهر، وعليك ألاّ تنسى قداحةً في الغرفة الثالثة، أمام الأسد. خُذ القدّاحة، فستنفعك كثيرًا".
حمل الحطّاب حمله على ظهره وهو يضحك، وودّع العجوز واستأنف الطريق من غير أن يفكّر جديّاً بدخول السّنديانة. غير أنّه، ما إن وصل إليها حتّى بدأت الأفكار تغريه بالدخول إليها، فقال في نفسه: "لماذا لا أجرّب؟ فإذا وجدتُ شيئًا، كان حسنًا، وإذا لم أجد شيئًا فلن أخسر إلاّ قليلاً من الوقت". رمى حمل الحطب عن ظهره، وصعد السّنديانة، فوجد فيها بابًا فدخله، فإذا أمامه درجٌ فنزله، حتّى إذا انتهى إلى آخره, وجد أسدًا داخل غرفة مفتوحة الباب. إلاّ أنّ صدق ما روته له العجوز شجّعه، فحمل المنديل ووضعه على وجه الأسد، فهدأ. ثم تقدّم من الفضة وجمع ما يحبُّ منها. ثم دخل الغرفة الثانية، وصنع بأسدها ما صنع بأسد الأولى، وأخذ ما استحسنه من الذهب. وأكمل طريقه إلى الغرفة الثالثة ورمى المنديل على وجه الأسد، ثم حمل ما وجد بها من الألماس، ثم قفل عائدًا. غير أنّه عاد وفتّش عن القداحة، فوجدها أمام الأسد، فأخذها بحذرٍ وسرعةٍ وخرج. جلس الحطّاب تحت السنديانة ومدّ بصره ، فلم يجد أي أثرٍ للعجوز. فذهب إلى المدينة، واشترى لنفسه ثيابًا جميلةً، وأكل أطيب الأطعمة ونام في أفخم الفنادق. ثم راح منذ اليوم الثاني يفتّش عن قصرٍ جميلٍ ليشتريه ويعيش فيه. وكان قد وقع بصره على قصرٍ من أجمل القصور، فاشتراه، وفرشه بأجمل المفروشات، وأقام على خدمته الكثير من الخدم. تبدّلت حياة الحطّاب من عسرٍ إلى يسرٍ، وعرف الرّاحة والجمال، والزّينة والأسفار، وعاش حياةً فيها كثير من الترف والبذخ، وظل ينفق من الجواهر حتى لم يعد يملك شيئا منها. فحزن حزناً شديداً، وندم لما فعل، وقرر أن يعود إلى كوخه في الغابة، طالما أنه لم يعد يملك شيئاً. وخطرت في باله خاطرة، سرعان ما وجد نفسه بعدها يفتش عن القداحة، فأخذها بيده، وفكر أن يذهب بها إلى السوق ليبيعها. غير أنه رأى أن ينظف القداحة قبل بيعها. فأخذ منديلاً وفرك به القداحة، وفجأة ظهر أسد زأر زأرة قوية، ثم أحنى رأسه وقال للحطاب: "مرني يا سيدي بما تريد". ارتاح الحطاب أول الأمر، إلا أنه عاد وفكر بما قالته له العجوز فلملم أنفاسه وقال للأسد: "أريد جواهر وأموالاً كثيرة ". واختفى الأسد، ثم عاد وقد حمل للحطاب ما أراد. فسرّ الحطاب، وبدأ حياة اليسر من جديد. كان في المدينة رجل غني جداً وله بنت من أجمل البنات، قال له أحد العرافين يوما، إنها لن تتزوج إلا من حطاب فقير. وعرف الحطاب بقصة الفتاة، ففرك القداحة، فحضر الأسد، فقال له الحطاب: " أريد أن أرى الفتاة " . اختفى الأسد، ثم عاد بسرعة وبين يديه فتاة جميلة. فأعجب الحطّاب بها، ثم أمر الأسد بأن يردها إلى قصرها. وأخبرت الفتاة والدها بما حدث لها، فاشتكيا للحاكم، فجاء الجنود إلى قصر الحطّاب وقبضوا عليه، ووضعوه في السجن. وجاء يوم محاكمة الحطاب، وأخذ إلى ساحة المدينة ليُعدَم. وبينما كان الناس ينتظرون إعدامه، فرك القداحة ثلاث مرات، فظهرت الأسود الثلاثة. فارتعب الناس وتفرقوا ونجا الحطاب من الموت. أرسل الحاكم في طلب الحطّاب، فجاء وقص عليه قصته. فأحضر الحاكم والد الفتاة، وقص عليه ما رواه له الحطاب. فرضي الأب أن يتزوج الحطاب ابنته.
وهكذا التقى الحطاب محبوبته وعاشا معاً حياةً سعيدة هانئة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أقوى سلاح 30
بدأ دين الإسلام يظهر.. ورأت قريش أن هذا الدين الجديد ينتشر بسرعة؛ لأن الحق فيه واضح كالشّمس، ولأنه دين سمح سهل يدعو إلى كل خير، ويتفق مع العقل والتفكير السّليم.. قريش قامت بزعمائها ورؤسائها وكبار المشركين فيها.. تحارب هذا الدين، بكل الطرق والأساليب، وتصب العذاب الشديد على من تستطيع من الذين أسلموا، حتّى يرجعوا عن دينهم، ولكن، تحمل المسلمون التعذيب بصبر وإيمان وهم يقولون: هذا في سبيل الله.
وكانت مجموعة من سادة قريش وكبرائها يجتمعون في ناديهم يتحدثون عن "محمد" ويتبادلون الرأي: ماذا يفعلون في أمره. وكان معهم سيد من سادة قريش اسمه(عتبة بن ربيعة – أبو الوليد).... فقال لهم عتبة:
إن "محمدا" يجلس الآن وحده في المسجد، فهل أذهب إليه وأكلمه... وأعرض عليه أمورا.. لعلّه يقبل بعضها.. فنعطيه ما يشاء.. ويكفّ عنّا؟ فقالوا له: نعم.. قم إليه وكلّمه. فقام عتبة بن ربيعة حتى وصل إلى رسول الله.
فجلس معه، وقال له:
يا ابن أخي، إنك منا حيث تعلم من الشّرف والمكانة. وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم.. فرّقت به جماعتهم، وعبت به آلهتهم ودينهم.. فاسمع مني أعرض عليك أمورا.. تنظر فيها.. لعلك تقبل منها بعضا.
قال الرسول: قل يا أبا الوليد.. أسمع. قال أبو الوليد عتبة بن ربيعة:
إن كنت تريد مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالا. وإن كنت تريد ملكا جعلناك علينا ملكا. وإن كان يأتيك شيء من عمل الجن لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطّبّ، ودفعنا فيه من أموالنا حتى تشفى منه....
ولّما فرغ عتبة بن ربيعة من كلامه، ورسول الله يستمع إليه، قال الرسول يستمع إليه، قال الرسول: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟".
قال: نعم. قال الرسول: فاسمع مني. وقرأ بصوت مؤثر: بسم الله الرحمن الرحيم: "حم* تنزيل من الرحمن الرحيم* كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون* بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون".
واستمر الرسول يقرأ القرآن العظيم وعتبة يسمع وهو مأخوذ مبهور. شديد الإعجاب. واعتدل عتبة بن ربيعة وهو يسمع كلام الله احتراماً لهذا الكلام، لأن العرب كانوا أهل البلاغة وفصاحة يعرفون الكلام الجيد. وأدرك عتبة أن هذا الكلام الذي لم يسمع له مثيلاً من قبل لا يمكن أن يكون من كلام البشر. فلما انتهى الرسول من قراءته، قال لعتبة: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت.. فأنت وذك.
وقام عتبة يمشي إلى أصحابه وهو مبهور، بعد أن ترك القرآن العظيم في نفسه أثراً عميقاً عجيباً.
فلما رآه أصحابه قادماً، نظروا في وجهه، وقال بعضهم لبعض: نحلف بالله.. لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به".
فلما جلس قالوا له: وما وراءك يا أبا الوليد"؟
قال عتبة بن ربيعة: "لقد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط.. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.. يا معشر قريش، أطيعوني واتركوا هذا الرجل وشأنه.. فوالله إنه سيكون لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم.
فدهشوا لما قاله عتبة، وقالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد! قال عتبة: هذا رأيي فيه، فافعلوا ما شئتم.
وهكذا كان القرآن أقوى أسلحة الإيمان.. يؤثر في النفوس تأثيراً عميقاً عجيباً يحير العقول.. لأنه كلام الله.. ومعجزته الخالدة على طول الزمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السائل الأول 31
تزوّجت امرأة من تاجر غنيّ، له محل كبير يبيع فيه القماش والملابس. وكان بخيلا جدّا. وذات يوم اشترى الرجل دجاجة. وطلب من زوجته أن تطبخه اليتناول جزءا منها على العشاء. وبينما كان الزوجان يتناولان طعام العشاء سمعا طرقا على الباب، وفتح الزوج الباب، فوجد رجلا فقيرا يطلب بعض الطّعام لأنه جائع. رفض الزوج ان يعطيه شيئا وصاح به وقال له كلاما قاسيا وطرده. فقال له السائل:سامحك الله يا سيّدي، فلولا الحاجة الشديدة والجوع الشّديد، ما طرقت بابك!.
لم ينتظر الرجل أن يكمل السّائل كلامه، وأغلق الباب بعنف في وجهه، وعاد إلى طعامه. قالت الزوجة لماذا أغلقت الباب هكذا في وجه السّائل؟. فقال الزوج بغضب:وماذا كنت تريدين ان افعل؟. فقالت: كان من الممكن ان تعطيه قطعة من الدّجاجة، ولو اخذ جناحيها يسدّ بها جوعه!. قال الزوج: أعطيه جناحا كاملا؟! أجننت؟!. قالت الزوجة: إذن، قل له كلمة طيّبة!.
وبعد أيام ذهب التاجر إلى متجره، فوجد أن حريقا قد أحرق كل القماش والملابس، ولم يترك شيئا. عاد الرجل إلى زوجته حزينا وقال لها: لقد جعل الحريق المحل رمادا، وأصبحت لا أملك شيئا. قالت الزوجة: لا تستسلم للأحزان يا زوجي واصبر على قضاء الله وقدره، ولا تيأس من رحمة الله، ولسوف يعوّضك الله خيرا. لكن الرجل قال لزوجته: اسمعي يا امرأة، حتى يأتي هذا الخير اذهبي إلى بيت أبيك؛ فأنا لا أستطيع الإنفاق عليك!. وطلّق الزوج زوجته، ولكن الله أكرمها فتزوّجت من رجل آخر كريم يرحم الضّعفاء، ويطعم المساكين، ولا يردّ محروما ولا سائلا.
وذات يوم بينما كانت المرأة تناول العشاء مع زوجها الجديد، دقّ الباب فنهضت المرأة لترى من الطّارق ورجعت وقالت لزوجها: هناك سائل يشكوا شدّة الجوع ويطلب الطّعام فقال لها زوجها: أعطيه إحدى هاتين الدّجاجتين، تكفينا دجاجة واحدة لعشائنا، فلقد أنعم الله علينا، ولن نخيّب رجاء من يلجأ إلينا. فقالت:ما أكرمك وما أطيبك، يا زوجي!.
أخذت الزوجة الدجاجة لتعطيها السّائل، ثم عادت إلى زوجها لتكمل العشاء والدموع تملأ عينيها. ولاحظ الزوج عليها ذلك، فقال لها في دهشة:ماذا يبكيك يا زوجتي العزيزة؟. فقالت:إنّني أبكي من شدّة حزني!. فسألها زوجها عن السّبب فأجابته:أنا أبكي لأن السّائل الذي دقّ بابنا منذ قليل، وأمرتني أن أعطيه الدّجاجة، هو زوجي الأول!.
ثمّ أخذت المرأة تحكي لزوجها قصّة الزوج الأول البخيل الذي أهان السائل وطرده دون أن يعطيه شيئا وأسمعه كلاما لاذعا قاسيا.
فقال لها زوجها الكريم:يا زوجتي، إذا كان السّائل الذي دقّ بابنا هو زوجك الأول فأنا السّائل الأول!. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ التجارة الرابحة 32
جاءت ليلة العيد،فقالت الزوجة لزوجها: ((العيد غدا يا أبا عبد الله، وليس لدى أطفالنا ملابس جديدة يلبسونها مثل بقية أطفال الجيران، وهذا بسبب إسرافك!)). قال الزوج: ((أنا أنفق أموالي في الخير ومساعدة المحتاجين، وهذا ليس إسرافا يا أم عبد الله)).قالت الزوجة: ((ابعث رسالة إلى أحد أصدقائك المخلصين ليعطينا بضعا من المال، نردُّه له عندما تتحسَّن أحوالنا..إن شاء الله)).
كان لهذا الرَّجل صديقان مخلصان، الهاشمىِّ وأسامة. كتب الرَّجل رسالة وأعطاها لخادمه، وطلب منه أن يذهب بها إلى صديقه الهاشمىِّ.
ذهب الغلام إلى الهاشمىِّ وأعطاه الرِّسالة. قرأها الهاشمىُّ وعرف أنّ صديقه في ضيق وحاجة وأصبح لا يملك شيئاً. قال الهامشىُّ للخادم: (أعرف أنّ سيّدك ينفق كل ما عنده من أموال في عمل الخير. خذ هذا الكيس وقل لسيِّدك إنَّ هذه الدَّنانير هي كلّ ما أملك في ليلة العيد).
عاد الخادم إلى سيِّده وأعطاه الكيس. فتح الرَّجل الكيس فوجد به مائة دينار. فقال لزوجته في فرحة: ((يا أم عبد الله، هذه مئة دينار أرسلها الله إلينا)). سرت الزوجة وقالت لزوجها: ((أسرع إلى السوق لنشتري الأثواب والأحذية الجديدة لأولادنا)).
في هذه اللَّحظة دقَّ الباب. فتح الرَّجل الباب فوجد خادم صديقه أسامة ومعه رسالة يطلب فيها بعض المساعدة ليدفع دينا قد حل موعده. أعطى الرَّجل الخادم الكيس الذي أرسله إليه صديقه الهاشمىُّ وفي داخله المبلغ كاملاً دون أن يأخذ منه شيئاً.
ثارت الزَّوجة على زوجها الذي فضَّل صديقه عن أولاده، فقال لها زوجها: ((صديقي يطلب المساعدة.. فكيف أمنع عنه ما عندي من خير؟!)).
مرَّت ساعة، ثمَّ دق الباب. فتح الرَّجل الباب ووجد أمامه صديقه الهاشمىُّ فرحَّب به وأدخله. قال الهاشميُّ: ((جئت لأسألك عن هذا الكيس، هل هو الكيس نفسه الذي أرسلته إليك مع خادمك وبداخله مائة دينار.)).نظر الرَّجل إلى الكيس وقال في دهشة:(نعم..نعم..إنَّه هو... أخبرني يا هاشمى.. كيف وصل هذا الكيس إليك؟)).
أجاب الهاشمىُّ: ((عندما جائني خادمك برسالتك، وأعطيته الكيس الذي عندي لم يكن في بيتي غيره، فأرسلت إلى صديقنا أسامة أطلب المساعدة.. ففاجأني أسامة بان ّقدّم لي الكيس الذي أرسلته إليك كما هو، دون أن ينقص ديناراً واحداّ، فتعجَّبت وجئت إليك لأعرف السِّرَّ)). ضحك الرّجل وقال: ((لقد فضَّلك أسامة على نفسه وأعطاك الكيس، كما فضَّلتني أنت على نفسك يا هاشمىّ. ابتسم الهاشمىُّ وقال: ((بل أنت فضَّلت أسامة على نفسك وعيالك، ما رأيك يا أبا عبد الله في أن نقتسم المائة دينار بيننا نحن الثَّلاثة؟!)).
أجاب الرَّجل:((بارك الله فيك يا هاشمىّ!)).
سمع الخليفة بهذه الحكاية، فأمر لكلِّ واحد من الأصدقاء الثَّلاثة بألف دينار. عندئذ دخل الرَّجل على زوجته وفي يده الدَّنانير الألف وقال في فرح: ((ما رأيك - يا أمَّ عبد الله – هل ضيَّعنا الله؟)). قالت المرأة: ((لا والله،ما ضيَّعنا، بل زادنا رزقاً!)). فقال الرَّجل: ((عرفت الآن – يا زوجتي – أنَّ الإنفاق في سبيل الله تجارةٌ رابحةٌ لا تخسر أبداً؟!)). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحاكم الذي أسلم 33
بعث رسول الله رجلاً من أصحابه برسالة إلى كسرى إمبراطور الفرس يدعوه فيها إلى الإسلام، فلما وصلت الرسالة إلى كسرى مزقها، فعاد الرجل إلى الرسول وأخبره بما فعله كسرى.
فقال الرسول: مزق الله ملكه. وكانت اليمن تابعة لبلاد فارس، وكان حاكمها واسمه باذان تابعاً لكسرى.
بعث كسرى إلى باذان يقول له: إلى جوارك في بلاد الحجاز رجل يقول إنه نبي، أرسل إليه رجلين من رجالك يحضرانه إليك، ثم ابعثه إليّ، فإن رفض أن يحضر فاقتله، وابعث إلي برأسه. بعث باذان برجلين من عنده إلى الرسول فذهب الرجلان يبحثان عن الرسول، فقابلا واحداً من كفار قريش، وسألاه عن مكان الرسول، وعرف منهما الكافر سبب حضورهما إلى الحجاز، وأخبرهما أن محمداً في يثرب.
وذهب الكافر إلى قومه يقول لهم: أبشروا، لقد آن الأوان لتستريحوا من محمد/ فإن كسرى ملك الفرس سيخلصكم منه.
وذهب الرجلان إلى الرسول في المدينة المنورة، وقابلاه وأخبراه بما قاله كسرى، فطلب منهما الرسول أن يحضرا إليه في الغد.
ولما حضرا في الغد، كان الله سبحانه وتعالى قد أخبر الرسول بأن الله قد سلط على كسرى ابنه فقتله.
فأخبر الرسول الرجلين بأن كسرى قد قتل وأن الذي قتله هو ابنه.
فذهل الرجلان ودهشا أشد الدهشة، وقالا للرسول: هذا كلام خطير، هل تتحمل تتائجه إن قلناه لحاكم اليمن باذان؟
قال لهم الرسول: نعم أخبراه بذلك. وطلب منهما أيضاَ أن يخبراه أن دين الإسلام سينتشر فوق أرض كسرى، وأن باذان إذا أسلم فإن الرسول سيبقيه حاكماً على بلاد اليمن.
فذهب الرجلان إلى باذان، وأخبراه بما قاله الرسول، فقال باذان: والله إني لأشعر أن هذا كلام نبي، وإن كان صادقاً فستأتينا الأخبار من فارس فنعرف أنه صادق وأنه رسول الله حقاً، وأما إن كان كاذباً فله معنا شأن آخر.
وجاءت الأخبار من بلاد فارس إلى باذان في اليمن، وعرف منهما أن كل ما قاله الرسول حق، فأعلن باذان إسلامه، وأسلم قومه معه، وتحققت دعوة الرسول في سنوات قليلة معدودة.
تمزقت دولة كسرى، وهزم المسلمون جيوشه، وانتشر الإسلام في بلاده كلها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفلاح الغبي 34
حكايتنا اليوم تنقلنا إلى إحدى المزارع حيث يعيش فلاح غبي طمّاع متسرّع، لا يشغّل عقله أبداً. كل همه أن يصبح غنيا وبسرعة.
عندها سمعوا صوت إوزة: كواك، كواك، كواك.
هذه إوزة جاءت إلى المزرعة من حيث لا يدري الفلاح.
فقال الفلاح: كيف جاءتني هذه الإوزة الجميلة؟ ومن أين جاءت ؟ كيف دخلت مزرعتي؟ هل طارت فوق السياج وحطت عندي؟ أم هبطت على من السماء؟
الحقيقة أنه لا يعرف كيف جاءت الإوزة إليه، ولكنه في صباح اليوم التالي سمعها تقوقئ، فتوجه إليها. - كواك، كواك، كواك... - ما بك يا إوزتي الحلوة اليوم؟ لماذا هذه القوقأة؟ هل وضعت لي بيضة. - كواك، كواك، كواك. لقد بضت لك بيضة ذهبية اليوم يا صاحبي. - ماذا تقولين؟ - أقول إني وضعت لك بيضة ذهبية. - ذهبية؟ - نعم ذهبية! - هذا أمر لا يصدق! إوزة وتبيض بيضة ذهبية؟ - إذا كنت لا تصدق تعال وانظر!
ونهضت الإوزة عن بيضها فإذا تحتها بيضة ذهبية. وكاد الفلاح أن يفقد عقله، وراح يصيح: بيضة ذهبية؟ هذه ثروة هبطت علي من السماء.
لكنه تمالك، فهو لا يريد أن يكشف سر هذه الظاهرة الفريدة وقرر أن يخفي الأمر عن الناس جميعاً خوفاً من أن يسرقوا الإوزة منه.
مضت بضعة أيام والإوزة تستمر في وضع بيضة ذهبية كل يوم. وذات يوم خاطب الفلاح نفسه قائلاً: إوزتي تبيض بيضة واحدة كل يوم، فلماذا لا تبيض البيض كله في يوم واحد فأصبح أغنى أغنياء العالم دفعة واحدة بين ليلة وضحاها؟ - كواك، كواك, كواك. - يا لك من إوزة عظيمة! إنك لو فعلت ذلك لجعلتني من أغنى أغنياء الدنيا على الإطلاق! - كواك، كواك، كواك. - بيضي، بيضي يا إوزة، بيضي يا إوزة. بيضي الآن، أرجوك! هيا.. - كواك، كواك، كل يوم لك بيضة. هذا رزقك فاقنع به. - لا، لا. أرجوك يا إوزة، بيضي أكثر! اجعليني أغنى أغنياء العالم! - كواك، كواك، كواك، كواك.
لم يقتنع الفلاح بنصيبه. كان يفكر كل الوقت كيف يمكنه أن يحصل على كل البيض الذي في بطن الإوزة دفعة واحدة. فقال في نفسه: لا بد أن أذبح هذه الإوزة لآخذ ما في بطنها فأبيعه ويتم لي ما أبتغي.
وهكذا في صباح أحد الأيام بعدما أمضى الفلاح ليلته وهو يفكر في الموضوع، أحضر الجاهل سكيناً حادة ونادى الإوزة:
- تعالي، تعالي يا إوزتي. يجب أن يتم ما قررته بشأنك.
- ماذا تريد يا فلاحي الذي أعماه الطمع، ماذا تريد؟
- ماذا أريد؟ كم مرة قلت لك ضعي بيضك كله مرة واحدة فلم تقبلي؟
- المال الذي يأتيك يوما بعد يوم أيها الفلاح الجاهل هو خير من المال الذي يأتيك دفعة واحدة وينقطع عنك.
- اسمعوا يا ناس!( يضحك ساخرا)، إوزة تريد أن تعلمني الحكمة! وتتفلسف علي! أسكتي. سأذبحك الآن والسكين بيدي.
- حرام عليك يا صاحبي! أتركني أعيش لأبيض لك كل يوم بيضة.
- لا، لا، لا يا إوزة! هذا لا يكفي! أريد أن أستولي على كل ما في بطنك من بيض ذهبي!
- اسمع مني، إنك إذا ذبحتني فلن تجد في جوفي بيضاً ذهبياً.
- ماذا أجد إذن؟
- البيضة لا تنمو ولا تكبر إلا يوماً بعد يوم. وفي كل يوم أضعها لك حين تكبر.
- أنت لا تفهمين شيئا.
- أنا أفهم أكثر منك يا فلاحي القاسي القلب.
- لا تتكلمي أيتها الإوزة الفيلسوفة، لا بد من ذبحك!
- فكّر! فكّر! فكر يا صاحبي الكريم في عاقبة عملك! فإن البيض الذهبي يأتي كل يوم، وليس في بطني كنز من البيض.
- أنت لا تعرفين شيئاً.
توسلت الإوزة إليه قائلة: اسمع مني، لا تقدم على عمل قد تندم عليه. أنت اليوم تأخذ بيضة ذهبية كل يوم، وغداً إن قتلتني فلن تأتيك البيضة الذهبية كالمعتاد.
- ولكني سأجد كل البيض في داخلك يا إوزة. يكفي، يكفي، لن أتراجع عن قراري.
وأخذ الفلاح السكين يريد أن يقربها من الإوزة، فانتفضت بين يديه وهربت، ثم خفقت جناحيها وطارت.
- إلى أين ستذهبين؟ لا يمكنك أن تطيري، سأمسك بك وأقضي عليك!
- كواك، كواك، كواك.
- انتهى الأمر! سأستولي على كل البيض الذي في داخلك.
- كواك، كواك، كواك.
- أنت لن تفلتي من يدي، أمسكت بك يا خبيثة!
- كواك، كواك، كواك.. ( تكاد تبكي ) صدقني. لا تقتلني! لن تجد فيّ شيئا!
- الفلاح (يضحك): لا تحاولي أن تقنعيني. انتهى كل شيء، الآن ستكون نهايتك.
- كواك، كواك، كواك. ستندم! ستندم يا فلاح، كواك، كواك، كواك.
وبلمحة عين قبض عليها بيديه وقضى عليها. وحين فتح بطنها لم يجد إلا بيضة واحدة صغيرة جداً. فوقف الفلاح حزينا يائسا يقول: يا لغبائي! ذبحت إوزتي المسكينة بيدي! ولم أجد فيها بيضا. أين البيض الذهبي الذي وعدت نفسي به لأبيعه وأصبح غنيا؟
بكى طويلاً وهو يقول: ما أغباني! لقد عدت كما كنت فقيراً. ليتني صدقت كلامها ولم أقض عليها.
ابك! ابك! ابك. فما فات مات أيها الأحمق الجشع المتسرع!!.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الربّان الصغير 35
خالدٌ فتى في الخامسة عشرة من عمره، وله أختان: ماجدة في العاشرة، ورانيا في الخامسة. ووالدهم أستاذ في الجامعة، والوالدة ربّة بيتٍ ممتازة. قضى خالد ورانيا الأسابيع الأخيرة يدرسان بجدٍ ونشاطٍ حتّى ينجحا بتفوقٍ آخر العام، وهُما الآن ينتظران النّتيجة التي يستحقّان. كانت الأسرة تتأهّب لتناول طعام الغداء لدى وصول الوالد. ولمّا وصل، أخبرهم بفرحٍ بأنّ الجامعة وافقت على مشروعه الذي تقدّم به لدراسة الأحياء البحرية في شواطئ بلاده وأنّها وضعت في تصرّفه زورقًا خاصًا للأبحاث. فقالت الوالدة: يبدو أنّك نسيت أنّنا وعدنا الأولاد بعطلةٍ جميلةٍ! فقال: لم أنس أبدًا. وسنقضي العطلة على متن هذا الزورق. فهو زورق كبير وحديث، وفيه كلّ وسائل الرّاحة. وبذلك نجمع بين المتعة والعمل.
سألت رانيا: هل ستسمح لنا بالسّباحة ونحن على متن الزّورق؟ فأجابها الأب: طبعًا، عندما نتوقّف يمكنكم جميعًا أن تفعلوا ما تشاؤون.. يمكنكم أن تسبحوا وأن تصطادوا السّمك، وغير ذلك.. وسأل خالد: وماذا سأفعل يا أبي أثناء الرّحلة؟ كنت أعتقد أننا سنقضي العطلة على شاطئ البحر، حيث مجال التّسلية أكبر.. أمّا على ظهر الزورق، فماذا يمكنني أن أفعل؟ سيكون الأمر مملاً بالنّسبة لي. فأجاب الأب: أنتَ مخطئ تمامًا يا عزيزي.. أنا أضمن لك أنّك ستكون مشغولاً دومًا أثناء الرحلة، ولن تشعر بأيّ مللٍ، لأنّي بحاجةٍ إليك أثناء قيامي بأبحاثي. ستُساعدني أثناء الغوص وفي قيادة الزورق. وعندما لا يكون لديك أيّ عملٍ آخر، يمكنك أن تستمع إلى الموسيقى. خذ معك جهاز التّسجيل وكل الأشرطة التي تحب الإستماع إليها. ما رأيك الآن؟ حسنًا.. وهل ستعلّمني قيادة الزورق؟ وهل ستسمح لي بقيادته بنفسي؟ قبل أن تتمكّن من قيادته يجب أن تعرف كلّ شيء عن الأجهزة الإلكترونية التي تساعد على الملاحة. إنّه زورق كبير وحديث، وقيادته ليست سهلة كما تتصوّر. فصاح خالد مسرورًا: عظيم، عظيم،.. شكرًا يا أبي.. أعدك أن أكون مُطيعًا، وأنفّذ كل ما تقوله لي. أتمّت الأسرة استعدادها، وانطلقت في اليوم المُعيّن على متن الزورق المُتّجه نحو وسط البحر. وكان الطقس صافيًا والبحر هادئ الموج. وقف الأب في داخل غرفة القيادة ممسكًا بالدّفة وبجانبه خالد، يتطلّعان إلى الأفق أمامهما.. هذه هي أول مرةٍ يرى فيها خالد غرفة الرّبان.. إنها تشبه غرفة قيادة الطائرة التي رآها في سفره، فيها أجهزة وساعات وأزرار في كلّ مكانٍ. ضغط الأب أحد الأزرار، تاركًا عجلة القيادة، فسأله خالد: ألا يجدر بك يا أبي أن تمسك عجلة القيادة؟ ربّما شَرَد الزورق عن مساره. ضحك الأب وقال: لا تخف. إنّ الزر الذي ضغطتُ عليه يجعل الزّورق يسير بطريقةٍ مُستقيمةٍ من غير حاجةٍ لإمساك عجلة القيادة. فقال خالد: لكنّه ربّما صَادَفَت الزورق عقبة في طريقه.. صخرة أو سفينة.. ماذا سيحدث عندئذٍ؟ أطلّ الأب من نافذة الغرفة مُشيرًا إلى الأعلى، وقال: انظر إلى أعلى السّارية، هل ترى هذا الجهاز الذي يسير ببطء؟ إنّه العين الساهرة التي تنبّه إلى كل العوائق التي تعترض سير الزورق. إنّه جهاز الرّادار الذي يدور فاحصًا في كلّ الإتّجاهات، وعندما يعثر على أيّة عقبةٍ، فإنّه ينبهني إلى ذلك قبل أن نصل إليها.. إذ يطلق جرسًا صغيرًا ينبهني إلى وجود عائق أمامي، وعندها أتدخل وأغيّر سير الزّورق.. مسألة سهلة كما ترى. قال خالد: كلّ المسائل الصعبة تصبح سهلةً عندما يتدخّل العِلم.. أليس كذلك؟ بالتّأكيد.. في الماضي كانت المراكب مثل صناديق عائمة لا تتحرّك إلاّ بقوة الإنسان. أمّا الآن فالعمل لا يحتاج إلا لمراقبةٍ بسيطةٍ، والآلات تتكفّل بالباقي. أوقف الوالد الزورق، وبدأت رانيا بإخراج صنّارتها لتصطاد.. وجلس يتحدّث إلى أفراد الأسرة وقال: سنتّجه إلى جزيرةٍ صغيرةٍ تبعد من هنا حوالى أربع ساعات.. وهي جزيرة مهجورة، لكن الأحياء البحرية تعيش حولها بكثرةٍ. وسأقوم بدراسة هذه الأحياء وأعطي شرحًا مُفصّلاً لطريقة حياتها وتكاثرها. فسألته ابنته الكبرى ماجدة: ما الفائدة من دراسة الأحياء البحرية الموجودة في هذه الشواطئ؟ فأجابها: إنّ هذه الدراسة ستكون ذات فائدة كبيرة لكلّ المُجتمع.. وأيّ بحثٍ علميٍ، مهما كان نوعه له فائدة، إن لم يكن اليوم ففي المُستقبل. وعندما كان عالم الفيزياء المعروف "أينشتاين" يقوم بأبحاثه المضنيّة على أجزاء المادة والذّرة وطريقة تركيبها، لم يكن أحد يعلم أنّ هذه الأبحاث ستكون ذات فائدةٍ، إلاّ العلماء الذين يريدون التّعمق في دراسة المادة والفيزياء. وقد أفادت أبحاث أينشتاين العالم فائدةً عظيمةً، لم يكن أحد يتصوّرها، وهي الطاقة الذّرية. فهناك اليوم مصانع ضخمة لتحلية المياه تعمل بالطاقة الذرية، ومحطات لتوليد الكهرباء تعمل بالطاقة الذرية، وسفن ضخمة تسير بقوة الطاقة الذرية. والأبحاث التي أقوم بها الآن ستفيد الصّيادين لأنها ترشدهم إلى أماكن تجمّع الأسماك والمواسم الأفضل لصيدها وطريقة تنقلها، كما إنّها ستعلّمنا الطريقة الأفضل للمحافظة على هذه الثروة السمكية. قالت رانيا الصّغرى: أشكرك يا أبي على هذه المعلومات.. وأفتخر بأبي الذّي يقوم بعملٍ عظيمٍ لخدمة المجتمع. عاد الزّورق إلى المسير، وتبع خالد أباه إلى غرفة القيادة. إنّه يحب البحر، وطالما حلم أن يصبح ربانًا عظيمًا، يقود أضخم السّفن مُتنقلاً من ميناءٍ إلى ميناء. ووقف بجانب أبيه يراقبه وهو ممسك بعجلة القيادة وقال: أبي.. هل قيادة السّفن أمر صعب؟ هذا يتعلّق بنوع السّفينة التي تقودها. وبدأ يطلعه على كيفية تشغيل المُحرّك، وجهاز التّحكم بالسرعة، ومهمّة عجلة القيادة، وأراه البوصلة الإلكترونية، ولوحة الرّادار، وجهاز "السّونار" وجهاز اللاّسلكي، وهي أهم الأجهزة الموجودة في غرفة القيادة. فسأله خالد عن مهمّة جهاز "السونار". فقال الوالد: إنّ مهمة جهاز السّونار تشبه مهمّة جهاز الرادار تمامًا، مع فارقٍ بسيطٍ، وهو أنّ الرادار يُستعمَل في الهواء، وأمّا السونار فينحصر عمله في أعماق المياه، أيّ إنّه يحدّد وجود الأشياء التي لا يمكن رؤيتها في المياه، وهو جهاز ذو فاعلية كبيرة. وطلب خالد إلى والده أن يحدثه عن السّفن القديمة التي استعملها الإنسان. فقال الأب: لقد مارس الإنسان التّنقل فوق الماء منذ عشرات الألوف من السّنين. ففي البداية -أي عندما كان الإنسان بدائيًا يعيش على الفطرة- صنع زورقه من جذع شجرةٍ ضخمٍ، يقطعه نصفين، ثم يجوّف النصف بأدواته البدائية حتى يصبح على شكل زورقٍ صغيرٍ. وكان يتنقل بواسطته في الأنهار والبحيرات المُجاورة لمسكنه. وقد علّمته التجربة والملاحظة أنّ الخشب يطفو على وجه الماء ولا يغرَق. ومع تطوّر الإنسان، تعلّم أن يصنع زوارق أفضل وأكبر، إلى أن تمكّن من صناعة السفن الضخمة، وكان يصنعها كلّها من الأخشاب. وبالتّجربة والملاحظة، تعلّم الإنسان أنّ بإمكان الريح أن تساعده، ولذلك صنع السّفن ذات الأشرعة. سأل الولد، قبل أن يعرف فائدة الأشرعة: كيف كانت السّفن تسير؟ أجاب الوالد: كان الإنسان قبل ذلك يسيّر زورقه بواسطة التّجذيف، وإذا كان الزورق صغيرًا، اكتفى بالتّجذيف بنفسه، أما إذا كانت سفينة ضخمة، فكان يعتمد على بحّارة مُكلّفين بالتجذيف، يجلسون في كل جانب صف، وهم يجذفون على قرع الطّبول المُنتظم. وفي ما بعد استُعمِلَت الطّريقتان: طريقة التجذيف والأشرعة معًا، وخاصةً في السّفن الحربية التي كان عليها أن تسير بسرعةٍ كبيرةٍ. ما التطور الذي حصل بعد ذلك على صناعة السفن؟، سأل خالد. إنّ التطور الأكثر أهمية الذي طرأ على صناعة السّفن، كان اختراع المُحرّك البخاري الذي بإمكانه أن يقوم بمهمة التّجذيف ودفع السفينة والرياح بطريقةٍ أفضل وأكفَأ. وصارت السّفن تُصنَع من المعادن بدلاً من الخشب السريع العطب، وزُوّدت بالمحرّكات البخارية بدلاً من الأشرعة. ثم حلّ محرّك الإحتراق الدّاخلي و"الدّيزل" محل المحرّك البخاري الذي كان يعمل على الفحم. وشيئًا فشيئًا صارت السفينة أكبر حجمًا، وأكثر قوةً، ويمكنها أن تحمل مئات الألوف من أطنان البضائع، وتنقلها بين المرافئ والبحار. أَيَعني أنّه يجب أن تكون هذه السّفن كبيرة جدًا، بحجم المدن، لكي تتمكّن من حمل هذه الأثقال الضّخمة؟، سأل خالد. هذا صحيح، فعلاً هي ضخمة جدًا، وأضخم السّفن في عصرنا الحاضر هي السّفن الحربية، وبخاصةٍ حاملات الطّائرات التي يمكن تشبيهها بالمدن العائمة. فهي تحتوي على مدرجٍ لهبوط الطائرات وإقلاعها، وفيها ما لا يقلّ عن ثمانية طوابق، وفيها ملاعب رياضية، وصالات تسلية، وسينما. ويمكن للواحدة منها أن تحمل أربعين طائرة وثلاثة ألاف رجلٍ على الأقل. هذا غير معقول يا أبي!! كم يجب أن تكون قوّة المحرّكات التي تسيّر مثل هذه السّفن؟ هل هي محركات بخارية أم محركات تعمل بالنّفط؟ إنّها تعمل بواسطة محرّكات الدّيزل، وبعضها ممّا صُنِعَ حديثًا، يعمل بالطّاقة الذرية. وبعد وقتٍِ قصيرٍ، وصل الزّورق جزيرةً صغيرةً، وقرّر الأب أن تخيّم الأسرة على شاطئها الهادئ. لكن سؤالاً كان يُحيّر خالدًا وهو: عندما يصبح الإنسان وسط البحر، وتضيع كل المعالم المُحيطة به، ولا يجد حوله سوى المياه، كيف يمكن للربان أن يعرف الإتّجاه الصحيح الذي يجب أن يسير به؟ فأجابه والده: في الماضي، كانت البوصلة هي الجهاز الوحيد الذي يعتمد الربان عليه في تحديد الإتّجاه. والبوصلة، كما تعلم، تشير دومًا إلى جهة الشمال، مهما كان وضعها. فإذا كان المرفأ المتوجّه إليه يوجد في الشّرق مثلاً، فإنه يستطيع فورًا أن يستنتج جهة الشرق. ولا شك أنّك تعرف أنّنا عندما نتّجه بوجهنا إلى ناحية الشّمال، فإن الشّرق يكون عن يميننا، والغرب عن يسارنا والجنوب وراءنا. وكان الرّبان يستعين بالنّجوم في اللّيالي الصافية ليهتدي إلى طريقه، كما كان يستعمل بعض الأدوات الفَلَكية البدائية مثل "الأسطرلاب" أو غيره.. أمّا اليوم، فالأمر مُختلف تمامًا.. إذ أصبح من الضروري أن يعرف الرّبان استعمال الأجهزة الإلكترونية الحديثة التي تساعده في عمله، ويتعلّم طريقة عملها، بالإضافة إلى العلوم البحرية الأخرى المتعلّقة بأحوال الطقس والفلك وقوانين البحار. ماذا تقصد بقوانين البحار يا أبي؟ أعطني مثالاً منها. مِن قوانين البحار الطّريفة أنّ الذي يجد سفينةً مهجورةً في وسط البحر وخارج المياه الإقليمية، يصبح نصفها بكلّ ما تحويه من حمولةٍ ملكًا له! وما معنى المياه الإقليمية؟ أنتَ تعرف أن لكلّ دولةٍ من الدّول حدودًا برّيةً تفصل بينها وبين الدّول الأخرى المجاورة لها، فإذا كان لهذه الدّول شواطئ بحرية، فإن حدودها لا تنتهي عند شواطئها، بل تمتدّ إلى البحر مسافةً معيّنةً، وهذه المسافة يحددها القانون الدّولي للبحار.. ولذلك فإنّ كلّ سفينة توجد داخل الشواطئ الإقليمية لأيّة دولةٍ تسري عليها قوانين تلك الدولة، أمّا خارج الشواطئ الإقليمية، فلا يسري عليها سوى قانون البحار.. لكن.. أخبرني، مَن يمتلك المياه التي تقع خارج الحدود الإقليمية؟ لا أحد.. ولذلك فإنّ لها قوانين خاصة تختلف عن قوانين اليابسة. هل هناك أمثلة أخرى من قوانين البحار؟ نعم.. فرُبّان السّفينة يُعتَبر قائدًا عسكريًا يجب على البحّارة التّقيد بكلّ أوامره عندما تكون في أعالي البحار، وبإمكانه أن يأمر بسجن أيّ راكب أو بحّار إذا قام بعملٍ مخالفٍ للقانون إلى أن يصل إلى الميناء فيسلّمه إلى السلطات. وبإمكان الرّبان أيضًا إجراء معاملات الزّواج. على هذا، لا بد أن يكون الرّبان مُتميّزًا عن غيره. طبعًا، يجب أن يكون للرّبان صفات قيادية وقدرة على تحمّل المسؤولية.. اقترب الوالد بالزورق من الشاطئ، وأوقفه بعيدًا عند حوالى مئتيّ مترٍ. فسأل خالد: لماذا أوقفت الزّورق بعيدًا يا أبي؟ لن نتمكّن من الإقتراب من الشاطئ أكثر من ذلك، لأنّ المياه أصبحت قليلة العمق، ومليئة بالصخور الناتئة. وإذا تقدّمنا أكثر، فسيصطدم قاع المركب بها. فسأل خالد مُستغربًا: كيف عرفت ذلك وأنتَ لم تر قاع المياه؟ هذه مهمة جهاز "السّونار".. فهو الذي دلّني على عمق المياه، فعرفتُ أنّها قليلة العمق من دون أن أراها! انصرف الأب والإبن إلى إنزال الزّورق الصغير ليذهبا لإستكشاف المكان الذي سينصبون فيه خيمتهم، فيما كانت رانيا مصمّمةً على صيد السمك، وأسرعت إلى قصبتها ورمت بها في الماء.. أخذ خالد ووالده يجذفان باتّجاه شاطئ الجزيرة، ولمّا وصلا إليه، بدآ يبحثان عن مكانٍ مُناسبٍ للتّخييم. وفجأة سمع خالد صرخةً ورأى أباه ينحني إلى الأرض متألمًا. فأسرع إليه، وقد أصابه الذّعر... شاهد أفعى ضخمة تنسلّ مبتعدةً، بينما تكوّر الأب وهو يمسك ساقه اليُمنى ويصرخ من الألم. وقال بكلماتٍ مخنوقةٍ: الأفعى.. لقد لدغتني الأفعى.. تمالك خالد وأسرع، فأخذ مدّية والده وكشف عن السّاق الملدوغة وقال: سأجعل سمّ الأفعى يخرج من الجرح. وبسرعةٍ أيضًا سحب حزامه الجلدي، ثم ربط رِجل والده الملدوغة فرفعها من ناحية الفخذ، وشدّ جيدًا، ثم شقّ مكان اللّدغة بالسكين وجعل الدّم يسيل بغزارةٍ. وبعد لحظاتٍ، غاب الأب عن الوعي. لقد طبّق خالد ما تعلّمه في المدرسة.. إنّ سم الأفعى قاتل إذا انتشر في أنحاء الجسم. لذلك يجب شقّ مكان اللّدغة وترك الدم يسيل، آخذًا معه سمّ الأفعى إلى خارج الجسم.. سحب خالد والده بصعوبةٍ إلى الزّورق، وجذف بقوةٍ، عائدًا إلى الزّورق الكبير. أسرعت الأم والبنتان عندما وصل الزّورق، وتعاون الجميع على نقل الأب إلى السّفينة، وكان عليهم أن يسرعوا في إسعاف الأب الذي كان فاقد الوعي. وأسرع خالد إلى غرفة القيادة وأدار المحرّكات، فاندفع المركب يشقّ الموج، وكان خائفًا. فهذه أوّل مرةٍ يقف فيها وراء عجلة القيادة، وقلقًا على حياة والده.. وزاد هياج البحر وارتفاع الموج الأمور سوءًا. كان خالد يتوقّع كل شيءٍ.. إلاّ حدوث العاصفة التي جعلت حياة الأسرة كلّها، وليس حياة أبيه فقط، بين يديها. تصرّف خالد بشجاعةٍ، حتّى مرّت العاصفة بسلامٍ، فشعر بسعادةٍ، وذهب إلى حيث والده ليطمئنّ إلى وضعه، كانت حرارة الوالد مرتفعةً، وما يزال غائبًا عن الوعي. وصل خالد بالزورق إلى شاطئ الأمان، وفجأةً سمع هدير محرّكات قويةٍ وشاهد في الظّلام زورقًا آخر يقترب منه.. وأضيء كشّاف ضوئيّ على الزورق الغريب، وسمع صوتًا ينادي من مُكبّر الصّوت يطلب إليه أن يخفّف السرعة.. وعرف أن هذا الزورق تابع لدّورية خفر السّواحل.. أوقف خالد الزورق، واقترب منهم زورق الدّورية، وطلب قائد الدورية إليهم أن يعرّفوا بأنفسهم وماذا يفعلون في هذا الليل.. فأخبره خالد أنّهم ضلّوا الطريق، وأنّ والده مريض وبحاجةٍ إلى إسعاف. ولما سأله القائد عن عمره، عَلِم أنّه كان مضطرًا لقيادة الزورق بسبب اللّدغة التي لدغتها الأفعى لوالده. قاد أحد رجال الدورية الزورق، فيما اتّصل هو بسيارةٍ للإسعاف تنتظرهم، وانطلق الزّورقان باتّجاه الميناء.
زار خالد والده في المستشفى، وقدّم له باقة وردٍ وحَمَدَ الله على سلامته. سأله والده: ما رأيك الآن في مهنة البحر؟ هل أعجبتك أيّها الرّبان؟ فضحك خالد وقال ممازحًا: إنّ هذا زورق صغير. انتظروا حتى أكبر وأصبح ربانًا يقود أضخم السّفن! ابتسم الوالد وقد شعر بسعادةٍ كبيرةٍ، وأوصاه خيرًا بوالدته وأختيه إلى حين خروجه من المستشفى...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نصر من الله 36
جمعت قريش جيشها الكبير، وسار الجيش لقتال المسلمين. وسار المسلمون بجيشهم الصغير. واتجه الجيشان إلى بدر وهو مكان مشهور فيه بئر ماء.
وكان جيش المشركين أكبر من جيش المسلمين أكثر من ثلاث مرات، ولما اقترب الجيشان من المكان أنزل الله من السماء مطراً، كان على الكفار شديداً بحيث منعهم من السير والحركة، وكان على المسلمين خيراً وبركة، حيث تماسكت الأرض تحت أقادمهم وصلبت، وسهل لهم السير.
فتحرك المسلمون، وسبقوا الكفار إلى ماء بدر، فأقاموا عنده وبنوا حول الماء حوضاً ليساعد المسلمين في الانتفاع بالماء ويحرم المشركين منه.
ونظم المسلمون صفوفهم، وعندما جاءت اللحظات الحاسمة في صباح يوم الجمعة السابع عشر من رمضان التقى الجيشان وهجم المسلمون وهن يصيحون بصوت كالرعد: الله أكبر، الله أكبر.
ورفع الرسول يديه إلى السماء يدعو الله أن يحقق للمسلمين النصر الذي وعدهم به، واشتدت الحرب، وعلم الله إيمان المسلمين وصبرهم وإخلاصهم، فاستجاب لهم وأرسلم ملائكة من السماء تساعدهم، وتحارب معهم ضد الكفار، ملائكة على دفعات في أفواج متتابعة، تقوي المسلمين وتثبتهم وتضرب الكفار فوق الأعناق وفوق الأيدي.
يقول واحد من المسلمين الذين اشتركوا في غزوة بدر الكبرى وهو يصف ما كانت تفعله الملائكة: لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا يشير إلى الكافر فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.. وكان الله سبحانه وتعالى يستطيع نصر المسلمين من غير الملائكة، ولكنه أرسل إليهم آلاف الملائكة بشرى لهم، ولتطمئن قلوبهم في أول معركة كبرى بين جيش المشركين الضخم من ناحية وبين دعاة الإسلام بأعدادهم القليلة، وأسلحتهم المحدودة من ناحية أخرى، ليكون ذلك دليلاً واضحاً وبرهاناً صادقاً على أن الله لا يتخلى عن عباده المؤمنين ولا ينساهم.
وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون.
وانتصر المسلمون انتصاراً هائلاً هز بلاد العرب، وقتل في هذه المعركة الكبرى: أبو جهل وعدد كبير من زعماء الكفار، وكان عدد القتلى من المشركين سبعين قتيلاً، وعدد الأسرى منهم سبعين أسيراً، واستشهد من المسلمين ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.
وكانت غزوة بدر الكبرى نصراً عظيماً في تاريخ الإسلام، فارتفعت رايات المسلمين عالية في المدينة، ونكست رايات كفار قريش، وأصبح واضحاً أن المستقبل لهذا الدين الجديد، دين الحق، وأن الله سيتم نوره ولو كره الكافرون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا ألجأ إلا إلى الله 37
وصل أبو مسلم إلى بيته، فقالت له زوجته: بيتنا ليس فيه حطب نستدفىء من هذا البرد القارس.. وليس فيه طعام ولا شراب.. ولا به فرش ولا غطاء.. فلماذا لم تشتر الأشياء الّتي طلبتها منك ؟.
أجاب الزوج في حزن وألم : لأن جيبي ليس فيه دينار ولا درهم!.
قالت الزوجة: كيف تشكو الفقر وأنت أعزّ الناس لدى الخليفة، وهو أعزّ الناس عندك.. اذهب إليه واشرح له حالنا وما نحن فيه من حاجة وفقر، وأنا متأكّدة من أنّه لن يتركك بلا مساعدة أو عون.
قال الزوج لزوجته:معاذ الله أن أفعل هذا، فأنا أخاف أن يراني الله وقد لجأت إلى عبد من عباده ولم ألجأ إليه!.
خرج أبو مسلم من البيت، وذهب إلى المسجد، وصلّى ركعتين، ثم رفع يديه إلى السّماء، وأخذ يدعو ربه ويقول: اللّهمّ يا رب.. يا عارفا بالأسرار، انت تعلم أنني أخجل وأستحي أن ألجأ إلى أحد غيرك.. يا واسع الكرم.. اللّهم ارزقني قمحا وشعيرا وعدسا وزيتا وحطبا، وارزق زوجتي - أم مسلم – كساء وخمارا، وارزق أطفالي أثوابا وبقرة يشربون لبنها.. اللّهم فاستجب دعوتي... آمين!
وتصادف أن كان في المسجد – في ذلك الوقت – رجل من أعوان الخليفة، فسمع دعاء أبي مسلم، وانطلق مسرعا إلى قصر الخليفة، ليذكر له، ما رأى وما سمع.
ودخل على الخليفة وقال له:رأيت الآن رجلا في المسجد يدعو ربّه ويطلب أشياء عجيبة... ثم ذكر للخليفة الأشياء التي طلبها الرجل. ضحك الخليفة عندما سمع الطلبات وقال: أعتقد أنّني أعرف هذا الرجل الذي رأيته في المسجد.. إنه أبو مسلم.. وهو شديد الحياء من الله.. والآن أعد عليّ ما قاله الرجل في دعوته بالحرف الواحد، لأرسل إلى بيته كل شيء اثنين قبل أن يخرج من المسجد.
بقي أبو مسلم في المسجد ساعات يقرأ القرآن ويدعو ربّه، ثم خرج من المسجد عائدا إلى بيته، وهناك قابلته زوجته بالفرح والسّرور، ورحّبت به أجمل ترحيب، وقالت: تأمل ما نحن فيه من خيرات ونعمة – يا أبا مسلم – وما هذا إلاّ لأنّك سمعت نصيحتي أخيرا وذهبت إلى صديقك الخليفة!
تعجّب الرجل من كلام زوجته، وأقسم لها أنّه لم يذهب إلى الخليفة، ولم يره طوال الأسبوع. عندئذ سألت الزوجة:أخبرني إذا إلى أين ذهبت ؟ وإلى من شكوت ؟ .
أجابها أبو مسلم: ذهبت إلى المسجد، وشكوت حالنا إلى الله سبحانه وتعالى؛ فأنا – كما تعلمين – يا أم مسلم أستحي من الله أن يراني وقد لجأت إلى أحد غيره... شكرت الزّوجة ربّها، وقالت لزوجها:ما أعزّ نفسك! وما أحسن ما فعلت.. يا أبا مسلم!
وما أرحم الله الذي لا ينسى عباده!. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشاطر حسن 38
كان لتاجر غني ولد اسمه حسن، تبدو على وجهه أمارات الذكاء. وكان هذا الرجل أرمل، فلما أحسّ بقرب موته دعا ابنه وقال له: " يا بنيّ إني مائت، وأنا أورثك كل مالي، ومن جملته قصري هذا الجميل، وإليك هذه الأربعين مفتاحا للغرف الأربعين التي فيه. ويمكنك أن تفتح تسعا وثلاثين منها، أما الغرفة الأربعون فلا تفتحها، لأن فتحها يجر عليك متاعب وويلات .
مات الرجل، فحزن عليه ابنه حسن حزناً شديداً، وبعد أن واراه الثرى، عاد إلى القصر ومكث فيه وحيدا، لا أنيس له فيه ولا جليس.
وذات يوم، خطر بباله أن يفتح غرف القصر ويرى ما فيها، فأخذ يفتح الغرف واحدة بعد الأخرى، فرأى فيها من الرياش والذهب والفضة ما لا يقدّر بثمن. ولما وصل إلى الغرفة الأربعين، وقف أمام بابها مترددا، وأخيرا قال في نفسه: سأفتحها مهما كان من أمرها.
فتح حسن باب الغرفة ودخل، فلم يجد فيها إلا طاولة صغيرة عليها كأس من زجاج فيها شعرة امرأة تضيء كالشمعة المضاءة، فتأملها متعجبا، وقال في نفسه: ترى من رأس أية امرأة هي؟
كانت هذه الغرفة تطل على قصر ملك المدينة، وصادف أن الملك كان يتمشى مع وزيره في القصر، فوقعت عينه على حسن والكأس في يده وشيء يضيء فيها، فانشغل باله، وأمر وزيره أن يأتيه بها. فذهب الوزير إلى حسن وطلب منه الكأس، وما فيها.
رفض حسن أن يعطيه إياها، فهدّده الوزير بالقتل، فاستمهله حسن ليفكر في الأمر، فأمهله.
وتذكر حسن أن والده ترك له مهرا جميلا، فأسرجه وركبه وفرّ حاملا معه الكأس والشعرة .
كان هذا المهر ملكا من ملوك الجان، استاء منه سليمان الحكيم لأمر أتاه، فغيّره إلى شكل مهر، ولم يكن حسن يعرف شيئا من هذا، فحمل الكأس، ونزل إلى مربط المهر حزينا مهموما، وإذا بالمهر ينطق ويسأله عمّا به. دهش حسن، فأطلعه المهر على حاله، وأخبره حسن بأمره.
قال له المهر: أعطه الكأس ولا تخف! فذهب حسن إلى الوزير وأعطاه الكأس، فحملها هذا إلى الملك. ولما رأى الملك الشعرة المضيئة بهت، وقال: إذا كانت هذه الشعرة تضيء هذا الضياء. فكيف تكون صاحبتها ؟ إني أريدها.
فأجابه الوزير: لا بد أن يكون حسن يعرفها، فعلينا أن نطلب إليه أن يأتينا بها وإلاّ قتلناه، فوافق الملك على رأيه.
ذهب الوزير إلى حسن وقال له: إن الملك يريد صاحبة الشعرة، فإن لم تأته بها فإنك مقتول. وعبثاً حاول حسن إفهام الوزير أنه لا يعرفها، ولا يعرف أين هي. ثم ذهب حسن مذعورا إلى المهر وأطلعه على طلب الملك منه، وعلى عناد الوزير وتهديده، فقال له المهر: لا تخف، سأعلمك كيف تنتقم من الوزير، وتأتي بصاحبة الشعرة. اذهب الآن واطلب إلى الملك أن يجهز لك سفينة مشحونة ذهباً وفضة وتحفاً نادرة من صندوق الوزير، وإلاّ فالذي طلبه الملك لا يصير، ومتى جهّزت لك هذه السفينة سر بها إلى أول شاطئ يطل عليك، فترسو هناك، وتعرض ما فيها على الناس، فيأتيك عبد أسود شفتاه غليظتان، ومعه صبيه كالقمر في الليلة الرابعة عشرة، فإذا أرادت النزول إلى السفينة، فأنزلها وحدها، وادفع السفينة بها إلى البحر، واخطفها وآت بها إلى الملك.
فعل حسن ما أشار به المهر. ولما رأت الصبية السفينة سائرة بها غضبت ونزعت خاتمها من إصبعها، وألقت به في البحر.
حمل حسن الصبية إلى منزله، وأعلم الملك بوصولها، فطلب الملك أن يراها، فأبت أن تراه إلا إذا أمر حسنا بأن يأتيها بالخاتم الذي سقط من إصبعها في البحر. فأرسل الملك الوزير إلى حسن، فطلب ذلك منه، وهدّده بالموت إن لم يفعل.
ذهب حسن إلى المهر حزيناً مهموماً، فقال له المهر: لماذا لا تأتيني إلا حزينا مهموما؟ وقد أهملتني ولا تطعمني كعادتك." فأخبره حسن بما طلب الملك منه، فقال له المهر: لا تخف! أطلب من الملك أن يجهز لك قاربا مملوءا بالثمار والأطعمة الفاخرة " من كيس الوزير، وإلاّ فالذي طلبه الملك لا يصير"، ثم خذه واذهب به إلى عرض البحر، وانتظر ما يكون .
فعل حسن ما أشار به المهر عليه. ولما وقف القارب في عرض البحر، سقطت عليه الطيور فأكلت، وصعدت الأسماك فأكلت، ثم صعدت سمكة كبيرة زرقاء اللون ونطقت قائلة: من صنع معنا هذا المعروف فأطعمنا من هذه الأطعمة الطيبة؟ فأجابها حسن: أنا. فقالت له السمكة: ما المكافأة التي تطلبها بعملك هذا؟ فأخبرها حسن بأمر الخاتم. فقالت له: إني ذاهبة الآن، انتظر عودتي! ثم غطست في البحر، ومضت تبحث عن الخاتم، فعثرت على سمكة صغيرة قد تناولته بفمها تريد ابتلاعه ولا تستطيع، فانتزعته منها، وصعدت إلى حسن فأعطته إياه. فشكر لها حسن معروفها ورجع إلى الصبية الحسناء، وأعطاها إياه، فوضعته في إصبعها.
ومع ذلك رفضت أن تواجه الملك قبل أن تؤتى بغرفتها من قصر أبيها. فأمر الملك الوزير بأن يأمر حسنا أن يأتيه بها، وإلاّ فإنه يموت.
لطم حسن وجهه وذهب إلى المهر، وهو يرى الموت ماثلا أمام عينيه فطيّب المهرمن خاطره، وسكّن ما به وقال له: لا تخف.! أطلب إلى الملك أن يجهز لك قاربا مملوءا بالتحف " من كيس الوزير " وإلا فالذي طلبه الملك لا يصير، وحينما تعطى القارب، اذهب به إلى الشاطئ الذي خطفت منه الصبية، وأعرضه على الناس، فيأتيك العبد ويسألك: أين ذهبت بسيدته. فاقطع رأسه، واحمله على رأسك فتنقطع الغرفة عن القصر وتأتيك، فتسير فوق رأس العبد."
فعل حسن ما أشار به عليه المهر، فأتته الغرفة بما فيها، فأوصلها إلى بستان الملك ووضعها فيه. إلا أن الصبية رفضت أن ترى الغرفة أو ترى الملك قبل أن يحرق حسن بالنار. فقال الملك لحسن: لا بد من حرقك تلبية لطلب الصبية. فسرّ الوزير بذلك، لأن قلبه امتلأ حقدا على حسن. وقد ذعر حسن جدا حينما سمع ما قاله الملك، فأخذ يندب نفسه ويقول: دنت منيّتك يا حسن! وندم على مخالفته نصيحة أبيه، وقال: " ليتني أطعتك يا أبي، إذا لكنت نجوت من كل هذه المتاعب والمهالك، ثم طلب إلى الملك أن يمهله أربعا وعشرين ساعة ليودّع أهله وأصدقاءه، ويوصي بماله. فأجابه الملك إلى طلبه.
ولم يجد حسنا ملجأ له إلا المهر, فانطلق إليه شاكياً باكياً وأخبره، فضحك المهر وقال له: لا تخف، اركب علي غدا، وأركضني إلى أن أتعب وأعرق، فاجمع عرقي وضعه في ماء ساخن، وأغتسل به، ثم اذهب وسلم نفسك للحرق. ففعل حسن ما قاله المهر
جمع الملك أهل المدينة، وأمر بإشعال نار عظيمة، ولما اشتعلت النار دخل حسن إلى لهبها، ولبث قائما فيها حتى صار الحطب رماداً، ولم يحترق. فدهش الملك وأهل المدينة، واستدعى إليه حسناً وسأله أن يخبره بأي شيء توقى الحرق. وكان حسن ذكيا، وقد تضايق من الملك ووزيره، وأراد أن يتخلص منهما، فأجاب الملك قائلا:
لست أنا وقيت نفسي، وإنما هم أسلافك وأسلاف الوزير أتوا إلي وأنا في النار وحموني، وهم غاضبون عليكما، ولن يرضوا عنكما حتى توقدوا نارا بأربعين حملا من الحطب، وتدخلا إليها، فيأتوا إليكما ويصفحوا عنكما، وإلاّ توقعا شرا!
خاف الملك وأمر بإحضار أربعين حمل حطب، فأحضرت. ثم أمر بإشعالها فاشتعلت. ودخل هو والوزير الى نارها، فأحسا بلذعها وشاءا الخروج منها، فلم يستطيعا، فاستنجدا بأهل المدينة، فلم يتمكن أحد من تخليصهما، ولم يستطع أحد إطفاء النار، فاحترقا وماتا.
رأى الناس نجاة حسن من النار واحتراق الملك والوزير بها، فاعتقدوا أن حسنا صدّيق يحبه الله، ولولا ذلك ما نجا، فملّكوه عليهم.
دعا حسن الصبية وخيّرها بين أن تعود الى بلادها أو أن تملك معه، فأجابته أنها لا تريد سواه.
ثم ذهب الى المهر وسأله ماذا يريد أن يصنع له ليكافئه على إحسانه إليه، فأجابه المهر: أن تطلقني من قيدي هذا لأعود ملكا من ملوك الجن كما كنت، وأخلص من غضب سليمان الحكيم.
فسأله حسن: وكيف أفعل ذلك؟ فأجابه المهر: إن الحوادث التي حصلت لك كانت تقيدني، وقد انتصرت عليها، فانفكّ عني أثر القيد، ولم يبق إلا أن تخلع رسني من عنقي وتحرقه، فأعود كما كنت.
فعل حسن ذلك، وإذا بالمهر يختفي ويقف مكانه شاب جميل يشكره ويقول له: كلما احتجت إلي ادع باسم رب الأرباب الخالق الناس من تراب، والمعيدهم الى تراب، والباعثهم يوم الحساب، فآتيك على جناح السرعة. ثم ودّعه، وضرب قدميه في الأرض، وطار الى مملكته في وادي الجن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بلحُ الشّـاطر حسـن 39
يُحكى أنّ فتًى ذكيًا شُجاعًا، اسمه "الشاطر حسن"، كان يعيش مع والده التّاجر. وذات يومٍ، عزم الأب على السّفر في رحلةٍ طويلةٍ، فقال لإبنه: "إذا تأخّرتُ في سفري، فاجلس فوق هذا البساط واطلب إليه أن يحملك إلى نخلتين فوق الجبل". مرّت الأيّام، وطالت غيبة الوالد، ونَفَدَت نقودُ الإبن، فأخذ الشّاطر حسن ما تبقّى في البيت من بيضٍ وخبزٍ، وجلس فوق البساط وقال: "أيّها البساط، احملني إلى النّخلتين فوق الجبل". ارتفع به البساط في الهواء، وطار ساعاتٍ طويلةً، ثمّ هبط عند نخلتين مُتجاورتين ترتفعان وحيدتين فوق جبلٍ. وتَلفَّت حوله فلم ير غير السّماء وصخور الجبل. وتعجّب لأن أباه اختار له هذا المكان. لم يجد الشّاطر حسن في الطبيعة من حوله ما يثير الإنتباه. وفي اللّيل، لمّا اشتدّ البرد، تسلّق إحدى النّخلتين، ونزع بعض السّعف الجاف وأشعل نارًا صغيرةً يتدفّأ بها. ثم قرّر أن يتعشّى ويستريح قليلاً، على أن يستكشف المنطقة في الصّباح. فجأةً، رأى شيئًا يتحرّك ويقترب ناحيته. اتّضح له أنّه رجل أخضر اللّون، أخضر الملابس، يمسك في يده عصًا خضراء. ولما وصل قرب حسن، حيّاه واستأذنه أن يجلس معه قرب النّار، فرحّب به حسن، وشكره الرّجل. بدأ حسن يعدّ الطّعام ليتعشّى؛ وقدّم بعضه للرّجل، فاعتذر لأن الطّعام قليلٌ. لكن حَسَن قال له: "طعامٌ واحدٌ يكفي اثنين". فأكل الرّجل، وناما بعد العشاء. وفي الصّباح، شَكَر حَسن، وقدّم لهُ قبل أن ينصرف نصيحةً بألاّ يُشعلُ نارًا قرب جذع النّخلتين، وأن يصعد لينام بين السّعف ثم اختفى. في الصّباح، قضى الشّاطر حسن وقته في ظلّ النّخلتين، وعند الظّهر، صعد فوق إحداهما لينام. وكان ثمرها أصفر لم يكتمل نضجه؛ وأخذ يسوّي لنفسه مكانًا يجلسُ فيه بين سُعف النّخلة. وفجأةً سمع رنين شيءٍ سقط واصطدم بصخر الجبل. نظر من مكانه فرأى قطعةً ذهبيةً، وتعجّب من أين جاءت، فتحرّك لينزل ويأخذها؛ سمع رنين قطعةٍ أخرى تسقط على الأرض. فأدرك أنّه عندما يتحرّك فوق النّخلة، تسقط على الأرض تلك القطع الذّهبية الثّمينة. فمدّ يده يبحث عن مكان تلك القطع بين سعف النخلة، فاصطدمت يده بشيء مدسوسٍ بين السّعف. تناول الشاطر حسن ذلك الشّيء فوجده كيسًا كبيرًا من الجلد، تملأه القطع الذّهبية. هنا فهم سرّ نصيحة الرّجل الأخضر. فوضع كيس الذّهب في حزامه، وأمسك البساط العجيب في يده، ونزل من فوق النّخلة. شاهد أثناء نزوله، عن بُعدٍ، مدينةً. وبعد بضع خطوات عاد إلى النّخلة الثانية فتسلّقها. كان بلحها أحمر لم ينضج بعد، وأخذ يبحث بين السّعف. وفجأة أطلق صيحة فرحٍ وانتصار. فقد عثر، كما توقّع، على كيسٍ جلديٍّ آخر مملوءٍ بقطع الماس النّادر، فأخذه ووضعه في حزامه ونزل واتّجه صوب المدينة. لمّا اقترب حسن من أسوار المدينة، شاهد حجارةً على هيئة أجسامٍ بشريةٍ، وبالقرب منها إمرأة عجوز تبيع التّرمس. فسألها: "مَن هؤلاء يا خالة؟". أشارت العجوز إلى أكوامٍ مختلفة الحجم من التّرمس، وقالت: "هذا بِقِرش، وهذا بقرشَين، وهذا بثلاثة قروشٍ". فقال الشاطر حسن: "يا خالة... أنا لا أسألك عن التّرمس. أنا أسألك عن هذه الحجارة التي هي على هيئة النّاس!" أشارت العجوز ثانيةً إلى أكوام التًرمس، وقالت: "هذا بقرشٍ، وهذا بقرشين وهذا بثلاثة قروشٍ". أخرج الشّاطر حسن قطعة ذهبٍ وأعطاها للعجوز، وقال: "أنا أشتري بهذه القطعة ما أمامك من ترمسٍ.. لكن أرجوك أجيبي عن سؤالي...". فنظرت إليه العجوز وقالت: "ما الذي تسأل عنه؟". قال: "ما هذه الأشكال الغريبة التي تملأ المكان خلفك؟". قالت: "هؤلاء رجال طلبوا الزّواج من الأميرة بنت السّلطان، ولمّا غَلَبَتهم في المصارعة حوّلتهم إلى قطعٍ من الصّخر". تعجّب الشاطر حسن لدى سماعه هذا الكلام وثار غيظه من الأميرة الشّريرة. انتظر حسن حتّى حلّ الظّلام، ثم جلس فوق البساط وقال: "احملني إلى غرفة الأميرة". وفي لحظاتٍ كان الشّاطر حسن يطير عاليًا، تخفيه ظلمة الليل عن العيون، مُتّجهًا إلى نافذة الأميرة، إلى أن استقرّ داخل غرفتها. كانت الأميرة مشهورةً بالجرأة والشّجاعة، فلم تفزع لما رأت الفتى الطّائر يدخل من نافذتها، ووقف حسن أمامها مُبتسمًا. قالت: "إذا كنت قد جئت تخطبني فلماذا لم تذهب إلى والدي؟". تأمّل الشّاطر حَسَن جمال الأميرة، ثم قال: "أمرٌ غريب أن تكوني على هذا القدر من الرّقة والجمال ويكون قلبك بمثل هذه القسوة". قالت الأميرة في دهشةٍ: "قسوة؟ أية قسوة؟". قال الشّاطر حسن: "هؤلاء الذين جاءوا يخطبونك حُبّا فيك، فحوّلتِهم إلى قطعٍ من الصّخر الأصم". قالت في برودٍ: "لقد اشترطتُ عليهم شروطًا فقبلوها باختيارهم. فهل تعرف تلك الشّروط؟" قال: "علمتُ أنّك تجيدين المصارعة، وأنّك قد تغلّبت عليهم جميعًا في فنون هذه اللّعبة". قالت: " وهل تجيد أنت المصارعة خيرًا منهم؟" فقال الشّاطر حسن: "هيّا نُجرّب". تصارعا. ورغم مهارة الأميرة الفائقة فقد تغلّب عليها الشّاطر حسن في وقتٍ قصيرٍ، فقالت الأميرة: "لقد تعثّرَت قدمي في طرف الفراش... هيّا نقم بجولةٍ ثانيةٍ". وفي هذه المرّة هزمها حسن بأسرع ممّا فعل في المرّة الأولى. فتراجعت الأميرة، ونظرت إليه بإعجابٍ ثم قالت: "قبل أن تذهب إلى والدي لتعلمه بفوزك، أخبرني ماذا ستُقدّم لي مهرًا؟". فأسرع حسن بإخراج الكيسين من حزامه ونثر ما فيهما فوق سريرها وهو يقول: "هل يكفيك هذا مهرًا؟" لكنّه أحسّ عندما أبعد الكيسين عن جسمه، كأنّما القوة التي تغلّب بها على الأميرة قد فارقته! فقالت الأميرة ساخرةً: "هل هذا كلّ ما لديك لتقدّمه مهرًا للأميرة التي راح ضحيّتها مائة شابٍ؟" ثم أشارت إلى الكيسين، وقد ألقاهما حسن على الفراش: "إنّك لم تقدّم لي إلاّ بعضًا ممّا معك فقط، ألا أستحقّ كل ما في الكيسين؟" دُهِشَ الشّاطر حسن عندما نظر إلى الكيسين ووجدهما ممتلئين مرّةً أخرى بالذّهب والماس!! فأدرك أنّ فيهما سرًا آخر، وهو أنّهما كلّما فرغا يمتلئان من جديدٍ. وأدركت الأميرة هذا السّر أيضًا، فابتسمت ودعت الشّاطر حسن للجلوس بجوارها، وأخذت تحدّثه كأنّه صديقٌ قديم. ثم عزفت له الموسيقى وغنّت له، فسمع منها أعذب الألحان وأجمل الأصوات. ثم سقته بعضًا من عصير البرتقال، أخذ يشربه على مهلٍ ويتذوّق حلاوته. وسرعان ما أحسّ بجفونه تثقل، والكلام يخرج من فمه مُتقطّعًا، وشيئًا فشيئًا تغلّب عليه النّوم وفقد الوعي. عندما أفاق وفتح عينيه، وجد نفسه مُلقًى على صُخور الجبل، وقد تمّ تجريده من البساط الطّائر، ومن الكيسين العجيبين، وبذلك فَقَدَ فرصته لإرغام الأميرة على إزالة اللّعنة عن الرّجال الذّين حوّلتهم إلى أحجارٍ وصخورٍ. وقال في نفسه بضيقٍ: "كيف توقّعتُ أن يتحوّل شرّ الأميرة وقسوتها إلى حبٍّ وطيبةٍ؟ ليس من السّهل أن يتحوّل الإنسان الشّرير من الشّر إلى الخير في لحظةٍ". وأخذ الشاطر حسن يفكّر بطريقةٍ تُمكّنه من استعادة البساط والكيسين من الأميرة، لكنّه أحسّ بالجوع. فتذكّر النّخلتين اللتين فوق الجبل، فسار وقتًا طويلاً حتّى وصل. وكان البلح الأصفر قد ازداد حجمه حتّى أصبح كحجم البرتقال. ودُهش لنموّ البلح بهذه السّرعة، وتسلّق النّخلة، وتناول ثمرةً وأكلها، فوجد طعمها حلوًا لذيذًا، ثمّ نزل من فوق الشجرة، واستلقى في ظلّها ونام.. وفي أثناء نومه حاول أن يتقلّب على جنبه الثاني؛ لكنّ شيئًا في جبهته اصطدم بالأرض وعوّق حركته، فتحسّس وجهه، فوجد قُرنًا كبيرًا كأنّه قرن بقرةٍ، ينمو فوق جبهته. أحسّ الشاطر حسن بِغَيظٍ شديدٍ لهذا الذي حدث له، ولم يفهم سببًا لهذه المصيبة التّي حلّت به. لم يعد قادرًا على العودة إلى المدينة حتّى لا يراه الناس وهذا القرن يبرز فوق جبهته! فجلس حزينًا يفكّر في همّه. وفجأة رأى الرّجل الأخضر يقترب منه. وحاول أن يخفي جبهته بذراعيه، وأدار وجهه بعيدًا عن الرّجل الأخضر. لكن الرجل قال له: "لقد أحسستُ أنّكَ في حاجةٍ إلى مَن يساعدك. حدّثني بصراحةٍ عن كلّ ما حدث لك". فلمّا أخبره حسن بما حدث له، أشار الرّجل إلى بلح النّخلة الأخرى، وكان لونه قد أصبح أحمر قانيًا، وقال له: "لماذا لا تجرّب أكل شيءٍ من هذا التّمر الأحمر؟" ثم ابتعد مُسرعًا وغاب عن الأنظار. أسرع الشّاطر حسن وصعد النّخلة، وما إن أكل ثمرةً حمراء حتى سقط القرن من رأسه. فعرف حسن أن أكل البلح الأصفر يتسبّب في نمو القرون، وأن أكل التمر الأحمر يشفي من تلك القرون! وفرِح بهذا الإكتشاف، وشكر الرّجل الأخضر في قلبه، وقطع كميّةً كبيرةً من سعف النّخلة، صنع منها طبقًا واسعًا، ملأه بالبلح الأصفر. وبسرعةٍ عاد إلى المدينة، وأخفى وجهه بشاله، ووقف تحت شبّاك الأميرة يُنادي على البلح الأصفر الجميل: "أبيع البلح النّادر... أحلى بلح في العالم... أكبر بلح في العالم". واستمرّ ينادي بأعلى صوته إلى أن أرسلت الأميرة إحدى وصيفاتها تنهره وتقول له: "سيّدتي الأميرة تطلب إليك أن تكفّ عن الصّراخ أيها البائع الكذّاب، وأن تبتعد عن هنا". فأسرع الشاطر حسن وأعطى الوصيفة ثمرةً صفراء كبيرةً وهو يقول: "هذه هدية متواضعة لابنة السّلطان العظيمة. خُذيها إليها؛ فلم يسبق لمولاتي أن رأت بلحًا في مثل هذا الحجم, أو في مثل هذا اللّون الذّهبي. ستجد مولاتي طعمها حُلوًا مثل شكلها". أُعجبت الوصيفة بشكل الثّمرة الصفراء، فأسرعت إلى سيّدتها... وما إن ذاقت الأميرة قطعةً من الثّمرة حتى أعجبها طعمها الحلو، فالتهمتها كلها... وأحسّت بحاجةٍ للنّوم. وعندما استيقظت، أحسّت بشيءٍ ينمو في جبهتها، فتحسّسته، فوجدت قرنًا كبيرًا قد نبتَ في رأسها! أخذت الأميرة تصرخ وتبكي.. وعَلِمَ السّلطان بالكارثة التي حلّت بابنته، بعد أن رفضت مغادرة حُجرتها، كما رفضت أن تقابل أيّ إنسانٍ. وقال السّلطان في نفسه: "هذا جزاء ما فعلته ابنتي بمن تقدّموا لخطبتها !! ثم أعلن في كلّ أنحاء المملكة أنّ مَن يستطيع شفاء الأميرة سيتزوجها ويصبح سلطانًا من بعده. حاول عدد كبيرٌ من الأطباء أن يزيلوا هذا القرن الذّي نَبَت للأميرة، لكنّهم فشلوا جميعًا. وأخيرًا أقبل الشّاطر حسن وقال للسّلطان أنّ لديه علاجًا أكيدًا للأميرة، وقال: "قبل أن أبدأ العلاج لي شرطان: الأوّل أن تعيد لي الأميرة البساط وكيسين من الجلد كانت قد أخذتهم منّي". فقال السّلطان لإبنته: "لا شكّ أنّ ما أصابُكِ إنّما هو عقابٌ نزل بك جزاءُ ما فعلت من أخطاءٍ!" ولم تجد الأميرة مفرًا من إعادة ممتلكات الشّاطر حسن إليه. قال الشاطر حسن: "والشّرط الثّاني: "أن تزيل الأميرة لعنتها عن الرّجال الذّين حولتهم إلى حجارةٍ ولا ذنب لهم إلاّ أنّهم تقدّموا لخطبتها". هنا أدركت الأميرة بشاعة العقاب الذي حلّ بها، فأسرعت تعيد كلَّ مَن حَوّلتهم إلى حجارةٍ إلى هيأتهم البشرية. وفي الحال وضع الشّاطر حسن في يد الأميرة ثمرةً حمراء ملفوفةً في ورق كُتُبٍ فيها: "ثمرةٌ حمراء فيها الشّفاء والشّقاء"! وأسرع يجلس على بساطه الطّائر، وانطلق يشقّ به غشاء المدينة في طريقه إلى مغامرةٍ جديدةٍ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جرّة الذهب 40
قال مالك للمعلّمة: أمس، عندما عُدتُ من المدرسة إلى البيت، وجدتُ في حقيبتي قلمَين. الأوّل لي والآخر وضعته بطريق الخطأ في مقلمتي، ولستُ أدري مَن هو صاحبه. ومَدّ مالك يده. كان يمسك بقلمين لهما اللّون والحجم نفسيهما. تناولت المُعلمة القلمين وقالت موجّهةً سؤالها إلى الأولاد: مَن منكم أضاع قلمًا؟ قالت كوثر: أنا، افتقدتُ قلمي عندما عدتُ إلى البيت، فلم أجده. أخذَت كوثر قلمًا وأشارت إلى جرحٍ صغيرٍ في طرفه، فهي تعرف قلمها تمامًا. وبقي لمالك قلمه. قالت المعلمة: مالك يستحقّ شكرًا وتهنئةً؛ شكرًا خاصًا من كوثر لأنّه أعاد لها قلمها وتهنئةً منّا جميعًا لأنّه صادق وأمين.. وحادثة مالك تذكّرني بقصة جرّة الذهب التي سأقصّها عليكم. اشترى رجل أرضًا، وبينما هو يحفر فيها ليزرع شجرةً، وجد جرّةً مطمورةً في التّراب، فأخرجها وفتحها فوجد فيها ذهبًا. أخذ الرجل الجرّة إلى الرجل الذي باعه الأرض، وقال له: هذا ذهبك فخذه، فأنا اشتريت منك الأرض من دون ذهب. وأعتقد أنّ عليّ أن أعيد الذّهب إليك. أُعجِبَ الذي باع الأرض بأمانة الرّجل، وقد كان لا يعرف أنّ في الأرض ذهبًا، فقال له: إنّما بعتُك الأرض بما فيها، وأعتقد أنّ الذّهب هو لك. وهُنا أخذ الرّجلان يتباحثان في الأمر، واتّفقا أخيرًا على أن يتقاسما المال، فينفقا على عائلتيهما ويتصدّقا بما يريدان على المُحتاجين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جميل وجميلة 41
يُحكى أنّ فتاةً اسمها "جميلة" كانت تعيش مع جدّيها بعد وفاة والديها. وكانت جدّتها تحبّها كثيرًا ولا تسمح لها باللّعب مع الفتيات حتى لا يصيبها مكروه.
كانت الفتاة "جميلة" رائعة الجمال. وعندما كبرت خطبها ابن عمها جميل. وكان في القرية التي تعيش فيها ستّ فتياتٍ، غير جميلات مثلها، ولم يحببنها. كانت الغيرة تأكل قلوبهن، وكُن يحسدنها لأنّها على وشك الزواج، ولم يتقدّم أحد لخطبتهن.
ذهبت البنات الحسودات إلى جدّة جميلة ورجونها أن تسمح لها بالخروج معهنّ لجمع الحطب، فسمحت لها. وجمعن الحطب.
في طريق العودة، توقّفن عند نخلةٍ تحمل بلحًا، بعضه أحمر وبعضه أخضر، لا يصلح للأكل. وتمنّت البنات أن يجمعن شيئًا منه لكنّهن لم يستطعن، فتسلقت جميلة النخلة وألقت بالبلح والرَّطَب إلى صديقاتها، فملأن سلالهن من التّمر وملأن سلّتها بالبلح الأخضر الذي لا يُؤكَل. ثم وصلن بئرًا وقُلن: إنّ رميَ الحُلي في هذه البئر يجلب الحظ الحَسن، وتظاهرن بإلقاء حليهن فيها، ورمين أحجارًا. أمّا جميلة فألقت عقدها وقرطها وخلخالها.
وأكلن في الطريق بعض التّمر، أمّا جميلة فلم تأكل لأنّ بلحها لا يؤكل. ثم أخرجن حليهن وتزينّ بها. فعرفت جميلة أنّهن خدعنها، فطلبن منها العودة إلى البئر لإخراج حليها منها، وكان الوقت مساء، وهُنّ يعرفن أن غولاً شريرًا يذهب إلى البئر في اللّيل ويُحوّل من يَجده وحشًا مثله.
جاء الغول، فرجته جميلة ألا يأكلها، وأخبرته أنّها تريد حليّها، فوعدها بإعادتها إليها إذا وافقت على الذهاب معه غدًا في رحلةٍ على حصانه الأسود. فوافقت. وشرب البئر وأخرج الحلي وسلّمها لها. وأعطاها جريدة نخل لتضعها على باب بيتها ليعرفه.
في اليوم التالي، حضر الغول وخرجت جميلة معه على حصانه، والغول على شكل أمير. وكان جدّاها نائمين. وفي اليوم التالي كان العرس، وبحثَ جميل عن جميلة فلم يجدها، وأمضى سنةً يبحث عنها، وأخيرًا أخبرته سيدةٌ عجوز أنّها رأت مع الغول فتاةً جميلةً في وجهها علامة صغيرة، فعرف جميل أنّها جميلة، ورجا العجوز أن تساعده لينقذها.
أخبرته العجوز أنّ الغول يستيقظ شهرًا وينام شهرًا، وموعد نومه بعد ثلاثة أيّامٍ. وقالت إنّ جميلة الآن نائمة نومًا مسحورًا، وقد طال شعرها وأظفارها، فعليه أن يقصّ شعرها ويقلّم أظفارها، وعندها يزول عنها السّحر. كما أخبرته أنّ للغول كلبًا عليه أن يقتله. فالغول إذا نام لا يستيقظ ولكن كلبه قد يطارده. وقالت: ولكن لأنّك تحبّ جميلة، وجميلة طيّبة القلب، فسأعطيك ثلاثة أشياء: قطعةً صغيرةً من الحجر ووعاءً صغيرًا فيه ماء وقطعة من الخشب. فإذا تبعك الغول فاقذف قطعة الخشب بينك وبينه، ثم قطعة الحجر، ثم آنية الماء، واهرب منه بأسرع ما تستطيع. فشكرها جميل.
بعد ثلاثة أيامٍ، ركب جميل حصانه قاصدًا بيت الغول، وكان نائمًا، وكذلك جميلة، فقصّ شعرها وقلّم أظفارها، وفتحت عينيها، وصاحت فرحةً: "جميل.. أخيرًا جئت لتنقذني". ونَسِيَ أن يقتل الكلب، فلمّا أركب جميلة فوق حصانه وشعر بهما الكلب، عضّ الغول وأيقظه من نومه، وتبعهما الغول والكلب.
رأت جميلة من بعيد شيئًا أسود ولكنّه يقترب بسرعةٍ. وبعد قليلٍ عرفت أنّه الغول وكلبه يجري بجواره، فرمت قطعة الخشب فتحوّلت إلى غابةٍ كثيفةٍ. وتقدّم الغول وصار يقطع الأشجار بسيفه ويلقيها على الجانبين يساعده كلبه حتّى شق لنفسه طريقًا بين الأشجار.
اقترب الغول والكلب بسرعة السّهم، فرمى جميل قطعة الحجر الصغيرة، فتحولت في الحال إلى سورٍ ضخمٍ ارتفع بينهما وبين الغول.
لم يستطع الغول أن يقفز فوق السور، فأخذ ينزع أحجار السور حجرًا حجرًا وكلبه يساعده، إلى أن أحدث ثغرةً استطاع أن ينفذ منها ويواصل مطاردته لجميل وجميلة.
وفي المرّة الثالثة، صاحت جميلة: أرى الغول وكلبه يسرع بجواره وسرعتهما تزداد وكأنّهما الريح. عندئذٍ ألقى جميل خلفه بإناء الماء، وفي الحال ظهر بحر عظيم بينهما وبين الغول. توقف الغول عند الشاطئ وقال: إذا كنتُ لا أستطيع عبور هذا البحر فإنّني أستطيع أن أشربه. وبدأ هو وكلبه يشربان ماء البحر.
أخذا يشربان ويشربان... وانتفخ بطن الغول وظلّ ينتفخ؛ وانتفخ بطن الكلب وظلّ ينتفخ، وفجأةً دوّى صوت انفجار عظيم. لقد انفجر بطن الكلب، ثم انفجر بطن الغول أيضًا.
عاد جميل وجميلة إلى قريتهما سالمين، وعرف الناس جميعًا ما فعلته الفتيات الشّريرات لجميلة، فلم يتقدّم أحد لخطبتهن، وأخيرًا تركن القرية ليعشن في قريةٍ أخرى...
أمّا جميلة فقد تزوّجت جميلاً، وظلّت تزداد جمالاً على جمالها.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدب دبدوب 42
أنا دب صغير، بني اللون. أنا دبدوب: بطل؟ بطل؟! أنا بطل.. يعيش البطل! يعيش! يعيش! يعيش!
وفجأة سمع صوت أمه تناديه: دبدوب! يا دبدوب! أين أنت يا حبيبي يا دبدوب؟ أوه! هذه أمي! أنا واثق أن عندها مطلباً! يا ألله! كيف أستطيع أن أتهرب من تنفيذ مطلبها؟! عادت الأم تناديه: تعال يا دبدوب! تعال حالاً ساعدني في حمل السلّم! إنه يكاد يسقط من يدي! سلّم؟ وهل أنا متفرغ لمثل هذه الأعمال (لنفسه)؟، ثم لأمه: ماذا تريدين يا أمي؟ قول أسرع! عجل! يكاد السلم يفلت من يدي ويحطم كل شيء.. حسنا! أنا قادم.. قال دبدوب. أسرع! أسرع يا دبدوب! قلت لك أنا قادم يا أماه. (وقع السلم، يسمع صوت وقوعه). ما هذا؟ ماذا حدث يا أمي؟ ماذا حدث؟ سقط السلم وحطم كل شيء! أنا حين أناديك يا دبدوب أكون بحاجة ماسة جداً إليك! أتسمع ما أقول؟ ن..ن.. نعم يا أمي.. أنا أسمع.. ولماذا لم تأت حالا؟ اعتقدت أنك تطلبين مني عملاً أستطيع أن أنجزه بعد حين! قال الأم بغضب: دبدوب! تصرفاتك لا تعجبني أبداً. أنا آسف يا أمي! أنا آسف يا أمي؟ أليس عندك عبارة أخرى غير أنا آسف يا أمي؟ لقد سمعت هذه العبارة أكثر من مليون مرة. وبحياتك كلها لم تتعلم أن تلبي ندائي بسرعة! أنا آسف يا أمي! أرجوك لا تقل أنا آسف. قم وساعدني في جمع ما تحطم! حالا: حالا وسريعا يا أمي!
قام دبدوب بمساعدة أمه وهو يعتذر ويعدها أنه سيلبي طلباتها في الحال، ولن يكون دباً مهملاً بعد الآن..
قال دبدوب لأمه: هذا وعد شرف يا أمي! ضحكت الأم وقالت: ذكرتني يا دبدوب بقصة الدجاجة النشيطة. ماذا فعلت الدجاجة يا أمي؟.. لماذا أحكيها لك أنا؟ دع الراوية تحكيها لك، وأنا أمثل معها الأدوار المطلوبة. حسنا! أنا سامع..
حكيت الأم: عاشت دجاجة صغيرة مع بطة وإوزة. وكانت كل من البطة والإوزة مضرب مثلٍ في الكسل.
قالت الإوزة: لا، أنا لا يمكن أن ألبي طلبات الدجاجة دائما.. فهي تطلب إلي أن أقوم بأعمال وأعمال.. هذا كثير! قالت البطة: وأنا أيضا.. لا أستطيع أن ألبي طلباتها! إنها كثيرة الطلبات! وقالت الدجاجة: هه! ماذا سأعمل؟ أنا مضطرة أن أعمل كل شيء في المنزل! أمري للهَ!
وفي أحد الأيام سألت الدجاجة: من منكما تشعل لي النار؟ قالت البطة: نشعل النار؟ الحقيقة أنا البطة لا أقدر. وقالت الإوزة: الصراحة.. أنا الإوزة.. لا أستطيع. أنا مشغولة.. هل أنا متفرغة لطلباتك؟ أجابتهما الدجاجة: كما تريدان، أنا أقوم بنفسي بإشعال النار. (تنفخ).. ها قد أشعلت النار، والآن.. من منكما ستحضر الكعكة للفطور؟ أوه.. أنا البطة لن أحضر شيئا، فأنا مشغولة. وأنا الإوزة لن أحضر شيئا، فأنا أيضا مشغولة. أه.. لا بأس.. أنا أحضر الطعام.
وفعلاً، قامت الدجاجة بتحضير كعكة صغيرة للفطور. وحين كانت تخبز الكعكة سألت الدجاجة: والآن.. من يعد المائدة منكما؟ أنا البطة أعتذر، لا يمكنني أن أعد المائدة، فأنا تعبة جداً، رأسي يؤلمني. وأنا الإوزة لا أستطيع أن أعد المائدة، فأنا تعبة ورأسي يؤلمني. لا بأس قالت الدجاجة.. أنا أقوم بإعداد المائدة بنفسي.
أعدت الدجاجة المائدة، وأنزلت الكعكة، ووضعتها في طبق، وحملتها إلى المائدة، ورتبت كل شيء، وسألت: والآن يا بطة، ويا إوزة، من يأكل هذه الكعكة؟
قالت البطة أنا آكل الكعكة! قالت الإوزة آكل الكعكة.. آكلها كلها! قالت الدجاجة: إنكما لن تأكلا منها شيئا! قالت البطة والإوزة معا: إلى أين تأخذين الكعكة؟ أجابت الدجاجة: هذا أمر لا يعنيكما، لم تساعدني أي منكما فكيف أطعمكما؟
حملت الدجاجة الكعكة وذهبت بها إلى مكان بعيد وجلست لتأكلها. ولكن رائحة الكعكة كانت شهية للغاية، فشمها الثعلب كما شم رائحة الدجاجة، فأمسك بالدجاجة، فأخذت تصيح: أتركني، أتركني يا ثعلب! أرجوك!
وضعها الثعلب في كيس وحملها على ظهره وأخذها إلى البيت ليطعمها لأولاده. وراحت الدجاجة تفكر وهي في الكيس: أه، سأعطس.. هه! أين منديلي؟ كان في جيبي! (عطست)..
ضحك الثعلب وقال: إنها سمينة.. لكنني تعبت.. فلأسترح قليلا هنا قرب الحجارة..
أنزل الكيس ووضعه على الحجارة واستراح قليلا، فيما كانت الدجاجة تقول: حين مددت يدي إلى جيبي لأبحث عن المنديل، وجدت المقص الذي أستعمله في الخياطة. إذن سأقص الكيس وأخرج منه وأضع مكاني حجرا. وهكذا فعلت.
حمل الثعلب الكيس إلى بيته ولم يعرف حقيقة ما جرى إلى حين فتح الكيس ووجد فيه حجراً بدلاً من الدجاجة!
في تلك الأثناء، كانت الدجاجة قد عادت إلى بيتها، وراحت تقول لرفيقتيها البطة والإوزة: أهكذا فعلتما؟ لم تساعداني، فأخذت طعامي بعيدا عنكما، وكاد يأكلني الثعلب لو لم أكن متيقظة! قالت البطة: أنا آسفة يا صديقتي الدجاجة! من الآن فصاعداً سأفعل ما تطلبينه حالا، وسأساعدك لكي تبقي معنا. وقالت الإوزة: أعذرينا! لن نكون خاملتين بعد الآن. سنعاونك دائما كي تبقي معنا.
دبدوب يضحك ويقول لأمه: كانت البطة والإوزة تفعلان كما أفعل أنا. صدقيني يا أمي، من الآن فصاعداً لن أتهامل، وسأحضر كل ما تطلبين مني لكي تبقي معي وأبقى أنا معك.
فرحت الأم وقالت: عافاك يا دبدوب يا أحلى وأطيب دب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نهاية شيخ البحر 43
ما كدت أستقر في بغداد، حتى نسيت ما صادفني من أهوال في رحلتي السابقة وعاودني حنيني إلى البحر. فقصدت البصرة مع جماعة من المسافرين والتجار، وركبنا مركبا راح يتنقل بنا في البحار ويرسو في
الموانئ حيث نبيع ونشتري، ونتفرج على بلاد الله الواسعة، ونتعرف بسكانها وأحوال معيشتهم، وأساليب حياتهم.
في صباح يوم، وبينما كان المركب يسير بنا في جو صاف جميل، ونحن نتحدث ونتسامر على متنه، إذا بريح عاتية تهب فجأة، فيهتز بنا المركب اهتزازاً شديداً، وينقلب بعضنا فوق بعض، ويسيطر علينا الذعر.
وما هي إلا دقائق حتى رأينا الأمواج تغمر المركب وتهدده بالغرق. فألقيت بنفسي إلى البحر، واستسلمت للأمواج العاتية أصارعها وتصارعني، وهي تسير بي وتدفعني إلى المصير المجهول.
لم تدم بي الحال طويلاً، فقد دفعتني الأمواج إلى جزيرة كبيرة، عذبة المياه، غزيرة الفاكهة، طيبة الهواء، فسرت في أنحائها أستنشق هواءها المنعش فرحا بنجاتي من الهلاك.
فجأة لاح لي عن بعد رجل يرتدي ثياباً فاخرة، وهو يسير بسرعة، وقد جلس فوق كتفيه شيخ عجوز، قد لف رجليه حول رقبته، وهو يضربه بهما بشدة وقسوة ليزيد من سرعته في السير.
ناديتهما بأعلى صوتي فلم يسمعا، فأسرعت في السير لعلي ألتقي بهما. لكن رجلي المتعبتين لم تمكناني من اللحاق بهما فسرت في الجزيرة على غير هدى لعلي أصادفهما مرة أخرى، ولكن محاولاتي باتت بلا جدوى، فتسلقت شجرة، وكان التعب قد أخذ مني كل مأخذ، واتخذت لي مكانا بين جذوعها الكثيفة.
وبعد ساعات، استيقظت فوجدت نفسي مقيداً بالحبال، وحولي مجموعة من الرجال قد أوقدوا النار وراحوا يصفقون لواحد منهم كان يرقص بحماسة ورشاقة، وهو يقذف بالسهام إلى الهواء ويلتقطها ببراعة فائقة.
دهشت لهذه الحال التي صرت إليها، وتساءلت في نفسي عمن يكون هؤلاء الرجال، ولماذا قيدوني بالحبال؟ ورحت أحاول التخلص من قيودي بحذر شديد مخافة أن ينتبهوا لي فيلقوا بي إلى النار، حتى استطعت بعد جهد كبير التخلص من قيودي. ولكن أحدهم لمحني فصرخ في رفاقه: هيا، إن " شيخ البحر" قد فك قيوده وهو يحاول الهرب.
أسرع الرجال إلي والشرر يقدح من عيونهم، وأنزلوني عن الشجرة وأنا أرتجف من الهلع.. وفي هذه اللحظة، ظهرت من بين جموعهم شابة صغيرة جميلة، وأمرتهم بألا يمسوني بأذى قائلة لهم: إن هذا إنسان كريم، وليس هو " شيخ البحر" الذي تبحثون عنه.
أجلسني الرجال قرب النار، فسرى الدفء في عروقي، ثم قدموا لي الطعام والشراب، وسألوني عن قصتي فحكيت لهم ما حدث لي منذ ركوبي المركب في البصرة حتى غرقه قرب هذه الجزيرة.
تعجبوا من ذلك غاية العجب. ثم قصوا علي قصتهم، وعرفت من الشابة الجميلة أن اسمها " رباب "، وأنها ابنة تاجر كبير، وهؤلاء هم حرسه وأتباعه، وأنهم خلال رحلتهم في البحر جنحت بهم السفينة قرب شاطئ الجزيرة، فنزلوا حتى يتم إصلاحها. ولكن والدها لسوء الحظ وقع في قبضة " شيخ البحر "، وهو رجل عجوز شرير بالرغم مما يبدو عليه من ملامح الطيبة والوداعة.
يغري بمظهره المخادع من يصادفه، فيطلب إليه أن يساعده ويحمله على كتفيه إلى عين الماء، وسرعان ما يطبق على رقبته بساقيه القويتين، ويرغمه على أن يتنقل به بين الأشجار ليل نهار، ولا يدعه حتى يتركه جثة هامدة لا حراك بها.
قالت "رباب": لقد فتشت مع رجالي الجزيرة طولاً وعرضاً، فلم نجد لشيخ البحر ظلاً، وإني بتّ أخشى على والدي من الهلاك.
فطمأنتها، ورحت مع رجالها نتعاون في وضع خطة لإنقاذ التاجر المسكين. فاخترنا عدة مواقع في الجزيرة، وربطنا فيها الحبال المعقودة بطريقة تجعل " شيخ البحر " إذا ارتطم بها يهوي فوق كتفي التاجر الذي يجد الفرصة سانحة للهرب.
بعد أن درّبت الرجال على استخدام هذه الحبال وزعتهم على المواقع، في حين اخترت أنا شجرة عالية الأغصان صعدت إليها مع "رباب" لنكون على بيّنة مما يجري في قطاع كبير من الجزيرة.
حدثتني " رباب "، ونحن نجول بأعيننا في كل الاتجاهات، أن " شيخ البحر " رجل صلب، يتمتع بقوة خارقة، قد تجعل التغلب عليه مسألة صعبة للغاية. وقد تتعرض حياة والدها للخطر الجسيم.
طمأنت خاطرها، محاولاً تخفيف ما يساورها من قلق على حياة والدها. وفجأة لاح لنا "شيخ البحر" مطبقا على فريسته، وهو يسير بسرعة هائلة بين الأشجار. فأسرعنا بإعداد الفخ القريب. وعندما بات على مقربة منه شددنا الحبل فأطبقت العقدة على رقبته، فأخذ يقاوم ويتململ، في حين شد من التفاف ساقيه القويتين على عنق التاجر المسكين.
لم تستطع "رباب" أن تحتمل منظر والدها وقد ازداد ألمه، فتركت الحبل من يدها، مما سهل لشيخ البحر الإفلات وهو يضرب بقدميه ظهر التاجر ليواصل السير، ويبتعد به داخل الجزيرة.
أخفقت خطتنا، فبكت "رباب" وانتحبت واستسلمت لليأس، ولكني طيبت خاطرها.. ومضيت وحدي أجول في الجزيرة بحثا عن " شيخ البحر " لأتقدم إليه بلطف واحترام، وأعرض استعدادي لحمله على كتفي بدلا من هذا الرجل الضعيف المتعب، وأثناء انتقاله إلى كتفي أتحرك فجأة وأتركه يسقط على الأرض، ثم أهجم عليه وأقيده بالحبال..
لكن "شيخ البحر" كان أمكر مني، فلم أشعر إلا وهو فوق كتفي، يلف ساقيه حول رقبتي، ويضربني بقدميه لأنطلق به في سرعة بين الأشجار.
وهكذا وقعت في شرك هذا العجوز الشرير، فمضيت أحمله فوق كتفي، وأتلقى الضربات الموجعة من قدميه إذا توقفت عن السير أو تمهلت لحظة لأستريح!
في هذا الأثناء، عثر الرجال على سيدهم التاجر المسكين فأخذوه للراحة والعلاج، ولكن "رباب" لم تنسني. فوضعت لي عند شجرة الصفصاف كثيرا من أنواع الطعام لآخذ منها حاجتي وأنا أواصل السير بغير توقف.
وخلال أيام كانت "رباب" بمعاونة رجال والدها الأشداء قد أعدوا خطة لإنقاذي قرب شجرة الصفصاف، إذ جهزوا من جذوع الأشجار الضخمة حواجز على شكل أقواس النصر لا يزيد ارتفاعها على طول قامتي..
ما كدت أرى ذلك حتى أدركت الخطة، فأسرعت بالمرور من تحت هذه الحواجز التي راح يصطدم بها رأس " شيخ البحر " فصاح متألما، وشدد من ضغط ساقيه حول رقبتي.. ولكنني تحملت الأذى، وأخذت أجري ذهابا وإيابا تحت الحواجز، وفي كل مرة كان يصاب رأسه بضربة جديدة حتى سالت دماؤه، فسقط من فوق كتفي إلى الأرض فاقد الوعي.
أسرعت " رباب" ووالدها والرجال يهنئونني بالنجاة والانتصار. ثم أعدوا وليمة فاخرة، احتفاء بي، وأكرموني غاية في الإكرام، وعرضوا علي أن أرافقهم في طريق عودتهم إلى بلادهم لأشاركهم فرحهم بالعودة سالمين، ولحضور حفل زواج " رباب " من ابن عمها " هشام ".
وصلنا البلاد سالمين، واستمتعت في ضيافتهم أياماً جميلة عذبة. وبعد أيام، وكان حنيني إلى بلدي قد بلغ مداه، مرت سفينة بالميناء، وكانت قاصدة البصرة، فركبتها بعد ما ودعت مضيفي، وعدت إلى بلادي وأنا في أهدأ حال وأنعم بال... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صابغ الثياب 44
كان في سالف الزمان رجل نشيط اسمه المعلم حسن، يعيش في مدينة من مدن الهند. وكان للمعلم حسن أخلاق طيبة وسمعة نظيفة وعلاقة رضيّة مع الناس. وكان عمله صبغ الثياب أو غسلها أو تننظيفها. وكانت كل الثياب التي تخرج من بين يديه ثيابا وكأنها رجعت جديدة لشدة نظافته وحبه لعمله.
للمعلم حسن عائلة من زوجة طيبة وصغار سبعة، أربعة أولاد وثلاث بنات. وكان المعلم حسن ينفق كل ما يربحه من عمله على عائلته لأنه يحبها حبّا جمّا، ولا يهمل لها أي طلب، فهي كل حياته. يتركها عند الصباح، وعندما يعود مساء يعود مشتاقا لرؤيتها كما يفعل كل أب يحب عائلته.
اشتهر المعلم حسن ووسّع عمله وازداد ربحه، وانتقل من فقر إلى غنى، وانتقلت معه حال عائلته، فازداد اهتمامه بها و وسهره عليها.
وكان للمعلم حسن جار خزّاف اسمه حامد، وهو عامل كسول. يجلس طيلة النهار عند باب محله يراقب المارة ويتحدث مع من يراه كسولا مثله. ويعود آخر النهار إلى البيت فارغ اليدين إلا من القليل من عمله. وغالباً ما كان المعلم حسن يحثه على العمل، و لكن عبثا.
أما حامد، فكان يغار من المعلم حسن ويحسده ويحلم أن يكون له محلاً كمحله. ولكن، كيف الوصول إلى ذلك وهو متخاذل، كسول، ضعيف الإرادة، يفضّل أن ينام طيلة النهار ويحسد غيره طيلة الوقت على أن يصنع ولو أبريقا صغيرا.
مرّ الزمان والمعلم حسن يزداد شهرة وغنى، وحامد يزداد حسداً وغيرة. وراح حامد يفكر بحيلة يوقع فيها المعلم حسن فيخسر كل شيء.
كان حامد يفكر في الحيلة الشريرة في الليل والنهار، وهو يأكل ويشرب ويحدث الناس، حتى تفتقت له فكرة فرح لها، وانتظر شروق شمس اليوم التالي لينفذها.
في صباح اليوم التالي، نهض حامد وقصد قصر حاكم المدينة، وحاول أن يدخله، فطلب إذناً من الحاجب وانتظر. غير أن حاكم المدينة كان كثير العمل، فلم يستطع حامد أن يقابله. وبعد يومين، مرّ الحاكم في شوارع المدينة على ظهر فيل مزيّن بألوان جميلة.
رآه حامد، واشتد تصميمه بأنه يجب أن يراه بأي ثمن. فنهض مسرعاً ثم وقف أمام الحاكم، وقال بصوت مرتفع:
- يا سيدي الحاكم!
فانتبه الحاكم لصوت حامد الذي قال: أريد أن أراك لأمر لا بد أنه سيسرك، ولكن حاجبك يرفض أن يدخلني عليك".
فقال الحاكم لمرافقه: " قل لهذا الرجل إني أنتظره غدا."
وفي الغد، ذهب حامد إلى القصر. وعندما حضر بين يدي الحاكم قال له: " صباح الخير يا سيدي الحاكم."
فقال الحاكم: أوقفتني البارحة وقلت إن لديك فكرة ستعجبني، فما هي؟
إن لك يا سيدي الحاكم فيلاً جميلاً، إلا أنه يشبه كل الفيلة، فلو صبغته بلون أبيض، لكان أجمل فيل بين كل الفيلة وكل المدن."
سرّ الحاكم بفكرة حامد وقال له: " إنها فكرة جميلة، ولكن كيف السبيل إلى تنفيذها؟"
فقال حامد: " إن جاري يا سيدي الحاكم صبّاغ ماهر مشهور، وهو وحده الذي يستطيع أن يصبغ الفيل ويحوله من لونه الأصلي إلى اللون الأبيض، من غير أن يتبدّّل لونه أو يبوخ بعد ذلك."
أمر حاكم المدينة بإحضار المعلم حسن إلى القصر. وعندما حضر المعلم حسن بين يدي حاكم المدينة، قال له الحاكم: " علمت أنك صبّاغ ماهر، فقد أخبرني بذلك جارك حامد الخزّاف، وإن لي طلبا إليك."
فانحنى المعلم حسن احتراما وقال: " أرجو أن ألبّي طلبك يا سيدي الحاكم."
قال الحاكم: "أحب أن أغيّر لون الفيل الذي لدي. أريد لونه أبيض."
أحنى المعلم حسن رأسه، وعرف أن هذه الفكرة هي فكرة جاره حامد الخزّاف، فهو يريد أن ينتقم منه. وطالت انحناءة المعلم حسن. فقال له حاكم المدينة: " أراك يا معلم حسن تطيل التفكير."
فقال المعلم حسن: "إني أفكر بأمر مهم، وهو أنني إذا أردت أن أصبغ لك الفيل، عليّ أن أغسله في وعاء مصنوع من الفخّار يكون حجمه أكبر من حجم الفيل، يتّسع له عندما ندخله فيه. ولا يستطيع أحد أن يصنع هذا الوعاء إلا حامد الخزاف."
أرسل الحاكم وراء حامد، وطلب إليه أن يصنع وعاء كبيراً يسع الفيل عندما سيغسله المعلم حسن.
ازداد غضب حامد وعرف الحيلة التي أوقعه فيها المعلم حسن جزاء له. غير أنه لا يستطيع إلا أن يلبي ما طلبه الحاكم منه، فذهب إلى محله وراح يعمل ليل نهار هو وبعض العمال حتى فرغ من صنع الوعاء، فعاد إلى الحاكم وأخبره أن الوعاء جاهز. وكان قد مضى على عمل حامد في الوعاء ثلاثة أشهر.
جاء المعلم حسن بالفيل وأدخله في الوعاء وحامد ينظر إليه مغتاظ القلب. لكن ما إن دخل الفيل في الوعاء حتى تكسّر قطعا قطعا. فأعلم المعلم حسن الحاكم بذلك. فأمر الحاكم حامد أن يصنع وعاء آخر.
فراح حامد يعمل ستة أشهر هذه المرة، ويقوّي من الخزف خوفا من أن ينكسر عندما يدخل فيه الفيل. ولما انتهى وجاء المعلم حسن بالفيل وأدخله الوعاء عاد الوعاء، وأنكسر مجدداً.
غضب الحاكم غضباً شديداً وأمر حامد الخزاف أن يصنع وعاء لا ينكسر وإلا فسيحكم عليه بالسجن.
عاد حامد إلى العمل وهو ممتلئ بالحقد والغيظ على المعلم حسن الذي يمضي النهار في العمل الذي كان يعمله من قبل وهو مسرور.
مرت سنة كاملة، أنهى حامد العمل في الوعاء وأخبر الحاكم بذلك. وجاء المعلم حسن بالفيل وأدخله في الوعاء إلا أن الوعاء عاد وانكسر، واشتدّ غضب الحاكم وأمر أن يسجن حامد، فسجن.
أما المعلم حسن فأخبر الحاكم أن الفيل لا يصبغ كما قال حامد. غير أن حامداً لحسده وغيرته، أراد أن يوقعه في مشكلة يقنع حاكم المدينة بها .
أدرك الحاكم حيلة حامد، وأمر أن يسجن سنة كاملة. وطلب إلى المعلم حسن أن يلازم قصره.
وهكذا كان زجّ حامد الخزّاف في السجن، وأما المعلم حسن فقد أصبح أعزّ صديق لحاكم المدينة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأنف العجيب 45
يحكى أن ثلاثة من الجنود المحبين للوطن، وأسماؤهم: فائز ونادر وغالب انتهوا من الحرب، فأرادوا الرجوع إلى بلادهم. فساروا في طريقهم مسافة طويلة، وأخذوا ينتقلون من قرية إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد، وهم متألمون بسبب المعاملة السيئة التي عوملوا بها بعد القتال سنوات طويلة، والانتصار في محاربة العدو وطرده من البلاد. واضطروا إلى السير على الأقدام مسافات طويلة.
وصلوا غابة من الغابات، وقضوا ليلتهم فيها، وتناوبوا الحراسة خوفا من أن تهجم عليهم الحيوانات المفترسة.
نام فائز ونادر ليستريحا، وقام غالب يجمع بعض الخشب، وأوقد ناراً كبيرة ليدفئ نفسه تحت إحدى الأشجار، وجلس بجانب النار يحرس رفيقيه.
وبعد فترة قصيرة أقبل عليه قزم يلبس معطفاً أحمر وسأله وهو بعيد: من هناك تحت الشجرة؟
فأجابه غالب: صديق من الأصدقاء.
فسأله القزم: ومن هذا الصديق؟
فأجابه غالب: هو جندي خدم الوطن وهو الآن متقاعد، وهو الآن لا يجد مسكنا له، فلجأ إلى الغابة لينام فيها هو واثنان من أصدقائه الجنود. تعال واجلس معي لتدفئ نفسك من البرد.
فقال القزم: إني أتألم لك ولصديقيك، وسأعمل ما في استطاعتي لمساعدتك في هذه الحياة القاسية وأعطاه رداءً عجيباً وقال له: احتفظ بهذا الرداء، واحذر أن يضيع منك، لأنه ثمين جدا. وإذا لبسته في أي وقت من الأوقات، وتمنيت أي شيء، تحققت رغبتك في الحال.
فشكر له غالب معروفه، وودعه القزم، ثم ذهب إلى حاله.
وبعد قليل أتى دور فائز في الحراسة، فاستيقظ، ونام غالب مكانه. وبعد ساعة حضر القزم ثانية، فاستقبله فائز استقبالا حسنا، فأهدى إليه القزم كيسا عجيبا، مملوءاً نقوداً ذهبية، لا ينقص ما فيه مهما ينفق الإنسان منه. فكانت هديته ثمينة لا تقدر بمال.
وحينما أتى دور نادر في الحراسة، حضر القزم للمرة الثالثة، فقابله نادر مقابلة حسنة، فأهدى إليه القزم بوقاً موسيقياً عجيباً، إذا نفخ فيه مرة واحدة تجمع الناس حوله وتمتعوا بموسيقاه العذبة. وإذا نفخ ثلاث مرات حضرت فرق كبيرة من الجيش، مزوّدة بالأسلحة، مستعدة لتنفيذ أوامره. فشكر القزم.
في الصباح، حكى كل منهم حكايته مع القزم وعرض هديته الثمينة، وبيّن فوائدها. ففرحوا، وحمدوا الله على نعمه عليهم، واتفقوا أن يعيشوا معا ويشاركوا بعضهم في ثرواتهم العجيبة. واتفقوا على القيام برحلة حول العالم، فأخذوا ينتقلون من مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، ويسافرون في البحر مرة، وفي العربات التي تجرها الجياد مرة أخرى. وعاشوا مثل الأغنياء من السائحين، ينتقلون شتاء إلى البلاد الدافئة، ويتفرجون على الآثار في كل بلد يزورونه.
ثم فكروا أن يستقروا في بيت كبير ويعيشوا حياة هادئة. فلبس غالب الرداء العجيب، وتمنى أن يكون له ولرفيقيه قصر جميل، فيه كل وسائل الراحة.
وفي الحال وجدوا أمام أعينهم قصراً عظيماً تحيط به حدائق غنّاء، وملاعب واسعة منظمة. وعلى بعد من القصر مراع وحظائر كثيرة، واصطبلات للخيل. ووقفت أمام القصر ثلاث عربات جميلة للرياضة والخروج للتمتع بالهواء الطلق.
لكنهم بعد فترة سئموا الحياة، لأنهم لم يزوروا أحدا ولم يزرهم أحد، ففكروا في زيارة الحاكم. فأرسلوا رسولا يخبره برغبتهم في زيارته، فرحب بهم، واستقبلهم استقبالا عظيما، وأكرمهم لأنه حسبهم من أبناء الملوك لمظاهر الأبهة التي تحيط بهم. ودامت زيارتهم عدة أيام.
كان فائز، صاحب الكيس العجيب، يسير مع الأميرة، وهي البنت الوحيدة للحاكم، فرأت في يده الكيس، فسألته عنه، فأجابها بحسن نية عن الكيس العجيب، وأن ما فيه من ذهب لا ينفد. كانت الأميرة ساحرة ماكرة ذكية، وهي تعرف قيمة الكيس العجيب والرداء العجيب والبوق الغريب. وتمنت أن تحصل على هذه كلها. فعملت كيساً شبيهاً بالكيس السحري، دعت الأميرة فائزا لزيارتها في يوم من الأيام، وأوصت الخادم أن يقدم له فنجانا من الشاي، لدى حضوره، يضع فيه مادة منومة. ففعل، فشرب فائز الشاي، ونام في الحال، فأخذت الأميرة الكيس الثمين منه، ووضعت مكانه الكيس الذي صنعته.
في الصباح ترك الجنود القصر، وعادوا إلى بيتهم، واحتاجوا لشراء بعض الحاجات، فأخذوا ما في الكيس من نقود، لكنه لم يمتلئ ثانية كما كان يملأ، على غير عادته. فعرف الجنود في الحال أن الأميرة احتالت على فائز وانتزعت الكيس منه أثناء نومه. فحزن فائزاً حزناَ عميقاَ.
قال غريب: لا تحزن، لا يزال لدينا الرداء العجيب والبوق الغريب. ووضع الرداء السحري فوق كتفيه، وتمنى أن يكون في غرفة الأميرة في قصرها. ووجد نفسه في الحال في غرفتها، وهي وحدها تعد الجنيهات الذهبية. ولما رأته صارت تصرخ بأعلى صوتها: لصوص! أمسكوا بالسارق. فحضر الخدم يجرون من كل ناحية من القصر ودخلوا حجرتها، وحاولوا أن يقبضوا عليه، فخاف كثيرا، ونسي أن يلبس الرداء السحري، وجرى إلى النافذة وقفز منها، ولسوء الحظ علق الرداء بمسمار، فتركه وهرب قبل أن يقبضوا عليه. وفرحت الأميرة بالرداء فرحا شديداً. فقد فازت بالرداء العجيب من غير تعب.
عاد غالب إلى البيت ماشياً، يندب سوء حظه، وضياع ردائه! فقال له نادر: لا تحزن، لا يزال لدينا البوق!.
ونفخ فيه ثلاث مرات، فحضرت فرق من الجنود لا عدد لها، ومعها أسلحتها وذخائرها، لتنفيذ أوامر سيدهم نادر. وأخبر القائد بما حصل مع صديقيه وأن الأميرة خدعتهما وأخذت الكيس والرداء.
حاصر الجنود القصر في الحال، وأرسل القائد إلى الحاكم رسولا يأمره بتسليم الكيس والرداء اللذين عند بنته. وهدده بهدم القصر إذا لم ينفذ ما أمره به.
رفضت الأميرة تسليم الكيس والرداء لأحد. وحاولت أن تتخلص من المشكلة بحسن الحيلة والمكر. فلبست ملابس فتاة فقيرة، وأخذت سلة بها عقود وحلي لبيعها في معسكر العدو، وخرجت مع جاريتها. وأخذت تلف حول خيام الجيش، وتغني أغاني عذبة، فترك الجنود خيامهم، وجاؤوا مسرعين ليسمعوا غناءها. وجاء نادر صاحب البوق العجيب معهم، وكانت اتفقت مع جاريتها أن تذهب خفية إلى خيمته وتأخذ منها البوق السحري المعلق في الخيمة، وتذهب إلى القصر بسرعة، وتنفخ فيه ثلاث مرات، عندما تعطيها إشارة خاصة.
ذهبت الجارية ونفذت الخطة، فانصرف القائد والجنود وتركوا حصار القصر، ورجعت الأميرة منتصرةً، وصارت تملك الهدايا الثلاث العجيبة. وصار الجنود الثلاثة فقراء مفلسين، وافترقوا وودع بعضهم بعضا وسار غالب إلى الشرق, وسافر فائز ونادر معا إلى الشمال.
وصل غالب الغابة التي كان قد وجد فيها مع صديقيه الحظ السعيد، وكان متعبا فجلس يرتاح تحت شجرة، لكنه نام، وفي الصباح وجد الشجرة التي ينام تحتها مملوءة تفاحا ناضجا، جميل الشكل. وكان جائعا جدا، فقطف تفاحة وثانية وثالثة، وأكلها. وأحس إحساسا غريبا في أنفه، فلمسه بيده، فوجد أنفه قد كبر، وأخذ يكبر ويمتد حتى وصل إلى الأرض، واستمر ينمو، ويمتد على أرض الغابة حتى وصل إلى آخرها، وامتد في الطريق خارج الغابة.
كان رفيقاه فائز ونادر يمشيان في الطريق. فعثرت رجل فائز بشيء على الأرض، ولم يعرفا ما هو، وتتبعا أثره حتى يصلا إلى أوله، ووجداه أخيرا ينتهي عند صاحبهما المسكين غالب، النائم الحزين، تحت شجرة التفاح.
جلس الثلاثة وهم في حيرة من الأمر، ودعوا الله أن يخلصهم من هذا الموقف. وبعد قليل وجدوا صاحبهم القديم القزم ذا المعطف الأحمر مقبلا، وسلم عليهم، وسأل صاحب الأنف الطويل، وهو يضحك:
كيف حدث هذا؟ مع أنه يعرف السبب، ويعرف الدواء. وقال لهم: لا تقلقوا، سأدلكم على دواء يشفيه من مرضه في الحال.
ثم قال لصديقيه: أحضرا له بعض الكمثرى(الإجاصة)، من الشجرة القريبة من شجرة التفاح، فإن في الكمثرى علاجه وشفاءه.
جرى فائز ونادر، وقطفا مقداراً من الكمثرى، وأكل غالب منها، فبدأ طول أنفه ينقص بالتدريج، حتى رجع إلى حالته الطبيعية. فرح غالب وصديقاه كثيرا، وشكروا للقزم خدماته الكثيرة، وأخبروه بما فعلته الأميرة.
دلهم القزم على خطة يستطيعون بواسطتها أن يسترجعوا هداياهم القيمة. فقال غالب: خذ شيئا من هذا التفاح وهذه الكمثرى، وبعها التفاح أولا، فإذا أكلت تفاحة طال أنفها وكبر كما حصل لأنفك، فشكروه على فكرته.
لبس غالب كما يلبس البستانيون وأخذ معه سلة مملوءة بالتفاح العجيب، وذهب إلى قصر الحاكم، وعرض ما عنده من تفاح. وتمنى كل من رأى التفاح أن يذوقه. فقال لهم: إنه خاص بالأميرة. فأرسلت خادمها الذي اشترى التفاح كله، وغسله وقدمه للأميرة، فأخذت تفاحة فوجدتها لذيذة الطعم، فأكلت تفاحتين أخريين.
بعد ذلك بدأت تشعر بألم في أنفها، ووضعت يدها عليه، فوجدته يطول وينمو بسرعة، استغاثت بأبيها، فجاء الطبيب بسرعة، وطال أنفها حتى وصل الأرض. تعجب الطبيب وأعطاها دواء، فشربته ولم تجد له نتيجة.
أعلن الحاكم في جميع البلاد يستدعي الأطباء والجراحين لعلاج الأميرة. ووعد بإعطاء من يشفي الأميرة من مرضها العجيب جائزة ثمينة.
حضر الأطباء والجراحون، وجرّبوا كل ما عندهم من أدوية. لكن الأميرة لم تتحسن، وبقيت على هذه الحال أسبوعين. ثم جاء غالب وقد لبس ملابس طبيب، وحضر إلى القصر لعلاجها، وكان في حقيبته شيء من الكمثرى. وفحص الأميرة، وقال إنه يستطيع شفاءها، لكنها تحتاج إلى كثير من الزيارات.
وسألها عن سبب مرضها، فأخبرته أنها أكلت ثلاث تفاحات، فحدث لها ما حدث.
طلب إليها أن تريه التفاح، فقطع قطعة من إحدى التفاحات وأمرها بأكلها ليرى النتيجة في اليوم التالي. وفي الصباح وجد أنفها قد طال.
زاد قلق الأميرة، فأعطاها غالب قطعة صغيرة من الكمثرى لتأكلها، وزارها في اليوم التالي، ووجد أنها تتحسن وأنفها أخذ يقصر طوله. فقال لها: إن الدواء الذي أعطيتك إياه هو العلاج الوحيد لمرضك، ولا يعرفه أحد غيري، ثم أعطاها قطعة من التفاح.
ولما زارها في اليوم التالي، وجد أن أنفها قد طال، وحالتها ازدادت سوءاً. فقال لها: يبدو لي أنك قد أذنبت وأغضبت الله، ولن يتم العلاج إلا إذا طهرت نفسك من الذنوب، وأرضيت الله.
فأنكرت الأميرة بشدة أنها ارتكبت ذنبا، وقالت إنها لم تغضب الله. فقال لها غالب: أنت مذنبة، وستموتين بهذا المرض الخبيث إن لم تقولي الحق، وتعترفي بذنبك وتتوبي إلى ربك.
ثم أخبر الطبيب الحاكم بأن حالتها ساءت بعد أن تحسنت كثيراً، وأنها لن تشفى إلا إذا اعترفت بما فعلت، وتابت عن ذنبها. فنصحها أبوها أن تعترف بالحقيقة، حتى تشفى ويزول عنها الخطر.
فقالت الأميرة: لقد احتلت على بعض الجنود وأخذت منهم كيساً ثميناً، ورداءاً عجيباً، وبوقاً غريباً؟ هذه هي كل ذنوبي. فطلب أبوها أن تعيدها إلى أصحابها، وأن تسلمها إلى الطبيب ليرسلها إليهم، ويكمل علاجها.
طلبت الأميرة إلى الجارية أن تحضر هذه الأشياء الثلاثة، فأحضرتها، وقدمتها الأميرة إلى الطبيب، راجيةً أن يرجعها إلى أصحابها، ووصفتهم له. لما تسلم الهدايا الثمينة، لبس الرداء العجيب، وأعطاها حبة كمثرى كاملة، فأكلتها، وعاد أنفها إلى حالته الطبيعية، وشفيت من مرضها تماما، ولم ينتظر الطبيب شيئا من المكافأة.
وتمنى أن يكون مع صديقيه، وفي الحال وجد نفسه معهما. وعاش الأصدقاء الثلاثة معا عيشة سعيدة، كلها تعاون ومحبة وإخلاص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هدايا فيروز 46
كان شعبان رجلاً فقيرًا يعيش مع زوجته في قريةٍ تجاور الجبل، عيشةً غايةً في الضِّيق، ولم يكن لهما أولاد. وكان يعمل في البحث عن الملح بين صخور الجبل ويبيعه إلى أهل القرية. وذات يومٍ، راحت زوجته تملأ علبة الملح من الكيس الذي أحضره، فرأت بين حبّات الملح شيئًا يلمع، فأسرعت لتُريه لزوجها وقالت: أنظر هذا الحجر، إنّه يبدو مثل فُص ألماس الذي في خاتم زوجة رئيس القرية. فقال زوجها: إذا كانت هذه ماسة حقيقيّة، فإنّها تكون كنزًا ثمينًا رَزَقَنا الله به، وسنصبح من الأغنياء. في تلك اللحظة، طرق الباب طارق. تردّد شعبان في فتح الباب، ثم أخفى الماسة المُتلألئة في جيبه وفتح الباب فوجد امرأةً عجوزًا يبدو عليها المَرض والتّعب. قالت: أعطوني ممّا أعطاكم الله. أسرع شعبان يقول: ليس عند... وقاطعته زوجته، فتوقّفت الكلمة على شفتيه، إذ تذكّرت الزّوجة الطيبة أنّ الله قد أعطاها كنزًا منذ لحظاتٍ! وتحيّر شعبان كيف يعطي المرأة ممّا أعطاه الله وقطعة الماس لا تتجزّأ. أنقذته زوجته من حيرته وقالت للعجوز: تفضّلي يا خالة، لقد أعطانا الله خيرًا، لكنّنا لا نعرف كيف نعطيك منه الآن. وفجأةً، استقامَت المرأة العجوز، وزال كثير من تجاعيد وجهها، وابتسمت وقالت: أنا وضعتُ الحجر الثّمين في كيس الملح، لأنّكما أبديتما استعدادًا ليُشارككما الآخرون في ما أعطاكما الله، فسيرزقكما الله بالمولود الذي تشتاقان إليه. وقبل أن ينطق شعبان وزوجته بكلمةٍ كانت المرأة الغريبة قد اختفت! تحقّق كلام العجوز ورَزَق الله شعبان وزوجته بنتًا جميلةً ذكيّةً سمّياها "فيروز". وكلّما كبرَت ازداد جمالها وذكاؤها. اتّفق شعبان وزوجته أن يحتفظا بالحجر الثمين إلى حين تكبر فيروز ويحين ميعاد زواجها. وظلّ شعبان يعمل في البحث عن الملح. وانقضت عدّة أيامٍ من دون أن يعثر على شيءٍ منه، فقالت فيروز لوالدها، وقد أصبحت فتاةً باهرة الجمال: أود أن أخرج معك للبحث عن الملح يا أبي. فقال والدها: إنّني أسير مسافاتٍ طويلةً في الجبل وستتعبين وتلفحك الشّمس بِحَرّها. فقالت: لن أتركك تعمل وحدك من أجلنا. وخرجت معه. وفي ذلك اليوم، وجدا شِقًا كبيرًا في الجبل مملوءًا بكمياتٍ كبيرةٍ من الملح، فملأ شعبان كيسه وبدأ رحلة العودة إلى البيت قبل أن ينتصف النهار. وفيما هُما يسيران، أوقفهما فجأةً رجل وبجواره كلب ضخم، وصاح قائلاً: قِفَا! فوقفا. تقدّم الغريب من شعبان وبيده سيف وقال له: عليك أن تختار... إمّا أن تزوّجني ابنتك، وإمّا أن تزوّجها لهذا الكلب. قال شعبان في دهشةٍ شديدةٍ: وهل من المعقول أن أزوّج ابنتي لهذا الكلب؟ قال الرّجل الغريب: إنّه ليس كلبًا، إنّه أمير وأنا تابعه! قال شعبان وهو يراقب السّيف الموجّه إليه: وإذا وافقتُ على زواجها من الكلب ثم أردتُ أن أراها، فكيف أراها؟ وما إن قال شعبان هذه الجملة حتى وقف الكلب على رجليه الخلفيّتين وشيئًا فشيئًا تحوّل إلى أميرٍ وسيمٍ رشيقٍ، وقال لشعبان: أنتَ إذن لا تعترض على زواجي من ابنتك؟ قال شعبان: هي ابنتنا الوحيدة وستحزن أمّها كثيرًا إذا ابتعدَت عنها. فقال الأمير: إذا لم أتزوّج ابنتك سأصبح حيوانًا مرةً أخرى. وهنا تدخّلت فيروز وقالت لأبيها: حرام أن نتركه يا أبي يعود إلى الصّورة التي شاهدناه عليها منذ لحظاتٍ. ففهم والدها أنّها توافق على الزّواج منه، فوافق هو أيضًا. وفورًا انشقّ الجبل بجوارهم، ودخلوا فيه كلّهم، ووجد شعبان نفسه في مدينةٍ كبيرةٍ كلّها مبنية من البلّور الثمين. وتمّ الزفاف في احتفالٍ كبيرٍ. وبعد الزفاف، سأل شعبان زوج ابنته: كيف أستطيع أن أرى ابنتي عندما أودّ زيارتها؟ فأعطاه الأمير قطعةً من جريد النّخل وقال له: عندما تحبّ أن ترى ابنتك، اضرب الأرض عن يمينك بهذه الجريدة، ثم اضربها عن يسارك ضربةً أخرى، عندئذٍ ترى ابنتك. وما إن أمسك شعبان قطعة الجريد بين يديه، حتّى وجد نفسه بجوار الجبل، في المكان الذي قابل فيه الأمير وتابعه. عاد شعبان إلى بيته. وما إن رأته زوجته عائدًا وحده حتى صرخت: أين ابنتي؟ أين تركتها؟ ابنتي حبيبتي.. ماذا حدث لها؟ قال شعبان: لقد تزوّجت ابنتك رجلاً عظيمًا. تعالي معي لرؤيتها. ضرب شعبان الأرض بقطعة الجريد عن يمينه وعن يساره فانشقّت الأرض، وظهر سلّمٌ طويلٌ نزلا عليه ووصلا إلى مدينة البلّور. فَرِحَت فيروز بزيارة أمّها، ورأت الأم أن عند ابنتها كل ما كانت تحلم به: حليّ غالية وملابس كثيرة متنوعة وقصر عظيم. زار الأب وحده فيروز فقالت له: ليس من العدل يا أبي أن أعيش في كل هذا النعيم وأتمتّع بالراحة والسعادة وتعيش أنتَ وأمي في فُقرٍ وتعبٍ. فأخبرها أنّه بعد عودته سيبيع الماسة الثّمينة وسيعيش مع أمها في هناءٍ وسعادةٍ. فقالت له فيروز: اذهب إلى زوجي واطلب منه الجحش الصّغير وقُل له: زوجتك فيروز تطلب إليك ذلك. وبغير تردّدٍ أعطاه الأمير الجحش الذي طلبته فيروز. فلمّا عاد إلى ابنته قالت له: إنّه جحش صغير لا يصلح للركوب، لكنه يساوي وزنه ذهبًا. فما عليك إلاّ أن تضع تحت فمه صندوقًا ثم تقول: أسمعنا صوتك الجميل. ومع أن صوته لن يكون جميلاً، إلاّ أنّ قطع الذّهب ستتساقط من فمه حتّى تملأ الصّندوق. أوّل ما عمله شعبان هو الذّهاب إلى صاحب فندقٍ في قريةٍ مجاورةٍ ليردّ له مبلغًا كبيرًا من المال كان قد اقترضه منه. وأخبر صاحب الفندق أنّه سيردّ إليه المال وطلب غرفةً يستريح فيها. والحقيقة أنّه أراد أن يقيم في مكانٍ لا يراه فيه أحد. دُهِشَ صاحب الفندق من هذا الطلب، لأنّه يعرف أنّ شعبان فقير لا يستطيع دفع أجر المَبيت في غرفةٍ، وهو أفقر من أن يتمكّن من سداد ديونه كلّها دفعةً واحدةً. وسأله: هل ستأخذ هذا الحيوان معك إلى الغرفة؟ فقال شعبان: إنّه صغير جدًا وسأحتفظ به معي. قال صاحب الفندق لنفسه: يجب أن أعرف سرّ هذه الثروة التي هبطت فجأةً على شعبان. وتسلّل وأخذ ينظرُ من ثقبٍ بالباب، فشاهد شعبان يضع صندوقًا تحت فم الجحش ويقول له: أسمعنا صوتك الجميل. وسرعان ما شاهد الصندوق يمتلئُ بقطع الذّهب التي تساقطت مع نهيق الجحش. كاد صاحب الفندق يجنّ من الدّهشة، لكنّه تمالك نفسه، واعتزم أن يستولي على هذا الجحش. وأسرع يبحث في القرية حتى وجد جحشًا حديث الولادة، فأخذه وعاد به إلى الفندق، وانتهز فرصة دخول شعبان إلى الحمّام وقد ترك جحشه في الغرفة، فأسرع وأخذ الجحش العجيب ووضع مكانه الجحش الآخر. سدّد شعبان دَينه لصاحب الفندق، وعاد إلى بيته، ونادى زوجته وقال لها: لقد انتهى عهد الفقر. أنظري إلى فم هذا الجحش الصغير. تطلّعت الزّوجة إلى زوجها في دهشةٍ واستنكار، وهو يمسح على رأس الجحش ويقول: أسمِعنا صوتك الجميل. لكن فم الجحش بقي مُغلقًا، ولم تتساقط منه القطع الذّهبية. وظنّت الزّوجة أن زوجها فقد عقله، بينما اشتدّت حيرة شعبان، وأدرك أن جحشه العجيب قد سُرِق منه. فعاد يضرب الأرض بقطعة الجريد ليزور ابنته فيروز. دُهِشَت فيروز عندما رأت علامات الحزن على وجه والدها. ولما قصّ عليها ما حدث، قالت له: لا شكّ في أن هناك مَن استبدل جحشًا آخر بالجحش الذي أعطاه لك الأمير. على كلّ حال، اذهب إلى زوجي الأمير وقُل له إنّني أطلب إليه أن يعطيك مطحنة القمح الصغيرة. قال شعبان: وماذا أفعل بمطحنة قمحٍ صغيرةٍ؟ لسنا بحاجةٍ إلى مطحنةٍ فلدينا واحدة. فأصرّت فيروز على أن يطلب المطحنة ففعل. فوضعها شعبان في جيبه، وأخبرته ابنته أن المطحنة ستعطيه كلّ ما يتمنى من أصناف الطعام. أخذ المطحنة وذهب إلى الفندق ليستريح وليسأل عن الجحش العجيب، وفي الطريق استراح مرّات وكانت المطحنة تقدّم له أشهى المأكولات. وصل شعبان الفندق ولم يخطر بباله أن صاحب الفندق هو الذي استولى على جحشه، وأراد أن يجعل صاحب الفندق يساعده في البحث عن جحشه الغالي، فدعاه إلى غداءٍ فاخرٍ، كان يريد أن يحدثه في أمرٍ مُهمٍ ودخل غرفته ليستريح. أمّا صاحب الفندق فتساءل: مِن أين يأتي شعبان بالمال بعد أن أخذتُ جحشه العجيب؟ وأسرع يتجسّس على شعبان من ثقب الباب، فرآه يدير المطحنة الصغيرة والمطحنة تقدّم له أنواعًا مُختلفةً من الطعام. ذهب فورًا إلى بائع الطواحين وفرح كثيرًا عندما عثر عنده على مطحنةٍ صغيرةٍ تُشبه مطحنة شعبان، وكان البائع قد أعدّها ليلعب بها ابنه الصغير، فاشتراها منه وعاد إلى فندقه. تغدّى شعبان وصاحب الفندق. وبعد الغداء غافل الرجل شعبان ووضع له في كوب شرابه مسحوقًا مُخدّرًا، وأثناء نوم شعبان أخذ صاحب الفندق المطحنة الصغيرة في جيبه ووضع مكانها المطحنة التي اشتراها من بائع الطّواحين. استيقظ شعبان وسأل كثيرًا عن جحشه ولم يجد مَن يدلّه عليه. وعاد إلى منزله وقال لزوجته: سندعو كلّ أصدقائنا وجيراننا إلى وليمةٍ حافلةٍ. حاولت الزوجة أن تعترض، لكنّ زوجها أصرّ على تنفيذ اقتراحه، وهو واثق أنّه سيقدّم لهم طعامًا لم يأكلوا مثله في حياتهم. وقبل حضور المدعوين، وضع شعبان المطحنة في وسط الدار وأدارها. وكانت صدمته كبيرة عندما لم تقدّم المطحنة أيّ شيءٍ. وأدرك أنّ هناك مَن استبدل هذه المطحنة بمطحنته العجيبة عندما كان نائمًا في الفندق. بدأ الجيران والأصدقاء يتوافدون إلى المنزل وشعبان يحسّ بالحرج والخجل. لذلك أسرع يستعمل جريدة النّخل، وضرب بها الأرض يمينًا وشمالاً ليذهب إلى ابنته فيروز. وحكى لها قصّته فقالت له: أعتقد أن صاحب الفندق يعرف مكان الجحش العجيب والمطحنة السّحرية، لذلك إذهب إلى زوجي الأمير وقُل له: زوجتك فيروز ترجو منكَ أن تعطيَني العصا المُطيعة. قال شعبان: وبماذا تفيدني العصا التي تقولين عنها؟ قالت فيروز: لن تخسر شيئًا إذا أخذتَ تلك العصا. استجاب الزوج فورًا لطلب الأب، وأعطاه العصا داخل صندوقٍ جميلٍ من الخشب الثّمين الأسود اللاّمع. عاد الأب إلى ابنته فيروز، وفتح الصندوق وتأمّل العصا، ثم قال لإبنته: لستُ في حاجةٍ إلى هذه العصا، فهي لا تختلف عن غيرها، والصّندوق يصلح لأن أضع فيه شيئًا أثمن من العصا. قالت فيروز: لماذا تحكم على الأشياء من ناحية الشّكل يا أبي؟ هذه عصا تطيع صاحبها، فإذا ظَلَمك شخص أو أصبح قاسيًا عليك فانظر إلى الصندوق وقُل للعصا: أخرجي من فراشك، فإنّها سرعان ما تقفز مِن الصّندوق وتتّجه نحو الظالم، وتنهال عليه ضربًا، ولن تكفّ عن الضّرب إلاّ إذا صحتَ بها قائلاً: عودي إلى نومك يا عصا، فإنّها تكف عن الضرب وترجع إلى الصّندوق. شَكَر شعبان ابنته على هديتها المُفيدة، وقفل الصّندوق وانطلق فورًا إلى الفندق الذي فَقَد فيه الجحش والمطحنة السّحرية. ما إن وصل شعبان حتّى قال صاحب الفندق لنفسه: سأدعوه أنا إلى العشاء الليلة لأعرف ماذا يحمل هذه المرّة، فقد تكون معه أداة سحرية جديدة. قصّ شعبان على صاحب الفندق قصصًا كثيرةً أثناء العشاء ثم قال له: هل تعلم أنّ هناك جحشًا ينهقُ ذهبًا، ومطحنةً تُقدّم طعامًا عندما تديرها؟ لقد سمعتُ عن هذه الأشياء، وهي أشياء مُدهشةٌ حقًا، لكنّها لا تساوي قيمة ما أحمله في هذا الصندوق.. إنّ في هذا الصندوق شيئًا لا يعادله شيءٌ في قيمته وفائدته. وعندما سمع صاحب الفندق حديث شعبان فكّر في ما يوجد في الصّندوق. وقال لا بد أن أحصل على هذا الصّندوق بأيّة وسيلةٍ. نام شعبان تلك الليلة في الفندق، ووضع الصّندوق تحت رأسه وأغمض عينيه وتظاهر بالنّوم العميق. وبعد فترةٍ تسلّل صاحب الفندق إلى الغرفة، ثم اقترب من الفراش وأمسك بالصّندوق ليأخذه. لكن شعبان لم يكن نائمًا، بل كان ينتظر مجيء السّارق، وما إن وضع الرجل يده على الصندوق حتى قفز شعبان صائحًا: "أخرجي يا عصا من فراشك". وفي الحال انطلقت العصا المُطيعة من الصندوق وانهالت على صاحب الفندق ضربًا على رأسه وظهره وذراعيه ويديه. فخرج من الغرفة يصرخُ مُستغيثًا. لكنّ العصا كانت تتعقّبه حيثما ذهب وتضربه بغير شفقةٍ ولا رحمةٍ، وشعبان يتبعهما ويراقب ما يحدث.
رجا صاحب الفندق شعبان أن تكفّ العصا عن ضربه، وكاد يموت من الألم، فقال شعبان: أعطني الجحش الذي يتساقط الذّهب من فمه، والمطحنة التي تقدّم الطعام، وإلاّ فلن تكفّ العصا عن ضربك.
ازدادت آلام الرّجل، وكلّما حاول شخص أن يبعد العصا عنه نالته من العصا ضربة قويّة تبعده. وأخيرًا اضطرّ صاحب الفندق إلى أن يقول لشعبان، وقد استلقى على الأرض مُستسلمًا بعد أن أصبحت آلامه لا تُطاق: سأردّ لك كلّ شيءٍ. دع العصا تكفّ عن ضربي. لكن شعبان لم يأمر العصا بالكف عن ضربه إلاّ بعد أن استعاد المطحنة والجحش. في اليوم التالي، عاد شعبان إلى زوجته ودعا جيرانه وأصدقاءه إلى داره، وقدّم لهم طعامًا شهيًا لم يسبق أن أكلوا مثله. ثم أخذ الجحش إلى غرفةٍ بعيدةٍ في الدار، ووضع صندوقًا تحت فمه وقال له: أسمعنا صوتك الجميل. فأخذ الجحش ينهقُ، وقطع الذهب تتدفّق من فمه. فأخذها شعبان وأعطى كلّ واحد من الحاضرين كميةً كبيرةً من قِطَع الذهب، فانصرفوا شاكرين مُهلّلين فرحاً وهم يقولون: لا شكّ أنّ شعبان قد عثر على كنزٍ كبيرٍ في الجبل أثناء بحثه عن الملح. إنّه حقًا رجلٌ طيّبٌ، يُحبّ أن يشاركه الآخرون في ما أعطاه الله. بارك الله فيه وأسعده كما أسعدَنا! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سر الأسئلة الثلاثة 47
في أول ظهور الإسلام، عندما بدأ الناس يدخلون في دين الله، ازداد ضيق الكفار بمحمد وبما يلقاه الإسلام من إنتشار سريع، وفي ذلك الوقت، كان يعيش في (يثرب) – وهي التي عرفت بعد الهجرة باسم (المدينة المنوّرة) – كان يعيش فيها كثير من اليهود، وهم أهل كتاب، وعندهم (التوراة). فأرسلت قريش وفدا إلى أحبار اليهود وعلمائهم في يثرب، وحكوا لهم قصة ظهور محمد، وما يقوله من أنه رسول الله، وأنه يتلقى الوحي من السّماء، وقالو لهم: أنتم أحبار اليهود، فيكم علماء، وأنتم أهل الكتاب الأول، وعندكم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.. فأخبرونا ما رأيكم في صاحبنا محمد؟.
فقال لهم أحبار اليهود: اسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن عرفها وأخبركم بها فهو نبيّ.
قولوا له:
- أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدّهر الأول والزمن القديم قد كانت لهم قصّة عجب. - وعن رجل كان طوّافا، قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها. - وأخبرنا عن الرّوح ما هي؟.
فرجع وفد قريش من يثرب وسألوا الرسول عن الأشياء الثلاثة، فأنزل الله على رسوله سورة الكهف، وفيها إجابة عن الأسئلة الثلاثة:فيها قصّة الفتية أصحاب الكهف، الذين أووا إلى الكهف هربا من الظّلم، وناموا في الكهف، ومعهم كلبهم، أكثر من ثلاث مئة سنة، فلمّا استيقظوا، وجدوا أن بلدتهم قد تغيّرت، وتعجّب الناس ممّا حدث لهم.. إلى آخر القصّة.
وفيها قصّة ذي القرنين، الذي طاف في مشارق الأرض ومغاربها، وقابل الناس الذين طلبوا منه أن يبني سدّا بينهم وبين يأجوج ومأجوج ليأمنوا شرّهم وأذاهم، وكيف بنا لهم السّدّ، إلى آخر قصّة ذي القرنين.
- وأما سؤالهم عن الروح فقال الله تعالى لنبيّه:
بسم الله الرحمن الرحيم ( يسألونك عن الرّوح قل الروح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا ).
وأخبر رسول الله أهل قريش بكل ما سألوا عنه.. وعرفوا أنّ الرسول حق، وأن الإسلام حق، وتأكّدوا من كل شيء ولكنّهم استمرّوا في كفرهم، إلى حين، بسبب العناد والإستكبار، والكبرياء الكاذبة وحب الدّنياَ! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ انتصار أبي صير 48
علمنا في قصة " غدر أبي قير" أن قاضي الإسكندرية حكم بإقفال مصبغة أبي قير لسوء معاملته ، فلجأ أبو قير إلى جاره الحلاق أبي صير فأكرمه وساعده .
وعلمنا أن أبا صير كان يحلق شعر ركاب السفينة التي سافر عليها مع جاره الحلاق وكان يقتسم معه كل ما كان يكسبه من مال وطعام .
وعندما نزلا من السفينة، انصرف أبو صير إلى عمله في الحلاقة، إلى أن تعب ومرض من كثرة العمل.
وعلمنا أن أبا قير سرق نقود رفيقه وتركه مريضا ، وأنشأ مصبغة كبيرة .
وبعد أن شفي أبو صير من مرضه ، أراد أن يزور مصبغة أبي قير ، ولكن أبا قير طرده من المصبغة.
فماذا حدث بعد ذلك؟
عاد أبو صير إلى غرفته حزيناً. وفي اليوم التالي، شعر أنه في حاجة إلى الاستحمام بالماء الساخن ليعود إليه النشاط ، فخرج من غرفته ، وأخذ يسأل عن حمام عام يستحم فيه أهل المدينة، فأخبره الناس الذين سألهم، أنه لا يوجد في بلدهم مثل هذه الحمامات .
عندئذ ، خطرت لأبي صير فكرة ، وأراد أن يحققها ، فتوجه إلى قصر السلطان وطلب مقابلته . فلما دخل عليه قال له : " أيها السلطان العظيم ، إن الناس في بلدي كانوا يأتون إلى دكاني فأحلق لهم شعرهم ، ثم يذهبون إلى أحد الحمامات العامة ، فيستحمون بالماء الساخن ، ويفركون أجسامهم بالليف والصابون ، وهكذا يشعرون بالنظافة والنشاط. وإن الله قد أمرنا بالنظافة لأنها تساعد على بقاء الجسم صحيحا من الأمراض.فهل تسمح لي، أيها السلطان الكريم ، بأن أدير حماما عاما .
استحسن السلطان فكرة إنشاء الحمام ، وأمر أتباعه بتحضير كل الأشياء اللازمة التي يطلبها أبو صير ، لإقامة هذا الحمام .
وبعد أن تم تحضير كل شيء ، وأصبح الحمام جاهزا ، حان يوم الافتتاح، وجاء السلطان والوزراء ليشاهدوا دارا للاستحمام لم يشاهدوا مثلها في بلدهم من قبل . لقد أعجب السلطان بالمياه الساخنة المتدفقة من ثقوب في الجدران، وأعجب بالبخار المتصاعد في أرجاء الحمام .
وبعد الاستحمام شعر السلطان براحة ونشاط، فكافأ أبا صير بكيس من الذهب ، وقدم له الوزراء والمرافقون هدايا مختلفة.
وبعد أيام قليلة، أصبح حمام أبي صير حديث الناس في بيوتهم ودكاكينهم . وزاروه واستحموا فيه واستحسنوه، كما يستحسنون كل شيء جديد مفيد. وأصبح له شهرة واسعة في كل أحياء المدينة.
كان أبو صير يدير عمله في أمانة وإخلاص ويخدم زبائنه كأنه صديق لهم. ونجح أبو صير وأصبح لديه مال كثير. ولكن النجاح والمال لم يجعلاه يغيّر من أخلاقه الفاضلة، فظل لطيفا، متواضعا، طيب القلب.
وأحبه الجميع وكثر أصدقاؤه . وكان من بين هؤلاء الأصدقاء قائد حرس السلطان. وكان أبو صير يعتني به كلما حضر للاستحمام ، ويحيطه بالإكرام ، ولا يأخذ منه أجراً .
وكان قائد الحرس يشكر أبا صير ويقول له: " أرجو أن أتمكن في يوم من الأيام ، من أن أخدمك خدمة كبيرة، لأرد لك بعض ما فعلت نحوي من معروف وإكرام" .
وفي يوم من الأيام ، بينما كان أبو صير منصرفاً إلى عمله في الحمام بجد ونشاط ، فوجئ بأبي قير ، الصباغ الخبيث، يدخل عليه وهو يبتسم ، كأنه لم يقم بأي عمل سيئ تجاه أبي صير.
نسي أبو صير سيئات الصباغ كلها ، واستقبله استقبالا عاديا كما يستقبل أي زائر من الزائرين.
اعتذر أبو قير له عن الإساءات التي سببها له وطلب إليه أن يعفو عن الماضي ، لأنه نادم على ما فعل ، ووعده بأن يكون له صديقاً وفياً طول العمر .
عفا أبو صير عنه، ودعاه إلى الاستحمام عنده كضيف عزيز. وبعد الاستحمام ، جلس الاثنان يستعيدان الأيام الماضية، من "الإسكندرية"، إلى رحلة السفينة، إلى القدوم إلى هذا البلد، وكيف أصبح كل منهما صاحب عمل كبير، ومال كثير.
وهنا قال أبو قير لزميله: " إذا أردت أن يزداد حمامك شهرة وفائدة ، فخذ مني أسماء هذه الأنواع من الدهان والأدوية ، وتعلّم مني كيف يتم مزج كميات منها ، حتى تحصل على مزيج جديد ، طيب الرائحة، يجعل الجلد لينا ناعما . وإني أنصحك أن تدهن به جسم السلطان عندما يحضر للاستحمام ، فسيكون الارتياح والإعجاب بهذا المزيج ، وسيكافئك على ذلك".
وودع أبو قير أبا صير ، ووعده بأن يزوره كلما سنحت له الفرصة .
صدق أبو صير الطيّب ، كلام أبي قير ، واشترى أنواع الدهان والأدوية التي حددها له ومزجها ، واستخرج منها مزيجا جديدا وضعه في قارورة خاصة ، واحتفظ بها استعدادا لزيارة السلطان المقبلة .
لما تأكد أبو قير بأن أبا صير قد هيأ المزيج الذي وصفه له ، تابع تنفيذ خطته الشريرة ضد أبي صير. فذهب إلى السلطان وأخبره بأنه علم بأن أبا صير قد أعد مؤامرة لقتله ، وأنه اشترى المواد السامة ومزجها لكي يدهن بها جسم السلطان عندما يزور الحمام .
غضب السلطان على أبي صير ، وأراد أن يتأكد من أن كلام أبي قير صحيح ، فتوجه مع أفراد حرسه إلى الحمام . وبعد أن استحم بالمياه الساخنة ، أحضر أبو صير قارورة المزيج ، وطلب إلى السلطان أن يأذن له بتدليك جسمه بهذا المزيج الذي يفيد الجلد ويكسب الجسم صحة ونشاطا . عندئذ ، هز السلطان رأسه وأشار إلى حرسه بأن يقتادوا أبا صير إلى السجن.
حمل الحرس أبا صير المسكين بعد أن ضربوه ضرباً شديداً ، وهو لا يدري سبب ذلك.
حزن أبو صير، وتساءل في نفسه وهو في السجن : " ماذا فعلت من سوء حتى ألقى هذا الجزاء "؟
أمر السلطان قائد الحرس بأن يضع أبا صير في كيس مملوء بالحجارة الثقيلة ، ويحمله في قارب إلى وسط البحيرة التي يطل عليها قصر السلطان . عندما يتلقى القائد إشارة من السلطان يرمي الكيس في الماء. وعندما ذهب قائد الحرس ليجلب أبا صير من السجن ، وينفذ أمر السلطان ، وجد أبا صير حائرا ، وكان يحاول أن يتذكر عملا سيئا قام به، فلم يجد ذنبا يستحق العقاب والسجن .
قال لقائد الحرس في حزن وألم : " يا سيدي ، ماذا فعلت لكي يأمر السلطان بسجني وقتلي . إن أهل المدينة يحبونني وقد خدمتهم بأمانة وإخلاص " . فلما أخبره قائد الحرس خبر المزيج السام ، أقسم له أبو صير أنه بريء مما نسب إليه ، وأنا أبا قير الغشاش هو الذي أشار عليه بصنع هذا المزيج .
وأدرك قائد الحرس أن أبا صير صادق في كلامه ، وأن أبا قير خدعه ، فرق قلبه ، وأشفق عليه ، وعزم على أن ينقذ حياته. واتفق معه على أن يرسله إلى جزيرة بعيدة ومنها يركب سفينة إلى الإسكندرية، المدينة التي جاء منها. وفي الوقت نفسه يقوم قائد الحرس بتنفيذ أمر السلطان ويلقي في البحيرة كيسا مليئا بالحجارة .
وفي الوقت المحدد، أشار السلطان من نافذة القصر، فقام قائد الحرس وألقى الكيس في البحيرة. وهكذا اعتقد السلطان أن أبا صير قد غرق في الماء.
ولكن شيئا مفاجئا حدث عندما أشار السلطان بيده ، لقد سقط الخاتم العجيب من إصبع السلطان في ماء البحيرة وضاع .
حزن السلطان حزنا شديدا لضياع خاتمه . وكان لهذا الخاتم قوة عجيبة ، ويكفي أن يحركه من يلبسه في إصبعه ، حتى يشع منه شعاع خارق يهلك أي إنسان يوجه إليه . وكان أتباع الملك يتحدثون بخوف عن قوة هذه الخاتم الخارقة.
لم يخبر السلطان أحدا بما حدث خوفاً من أن يعرف الناس أن السلطان أصبح من غير خاتم، فيتفرقوا من حوله ، ويعصوا أوامره .
أما أبو صير فقد نجا من الموت ، حسب الخطة التي نفذها قائد الحرس . وعاش في الجزيرة في انتظار السفينة التي ستنقله إلى مدينته ، " الإسكندرية " .
كان أبو صير يقضي وقته في الجزيرة في البحث عن أي شيء يأكله ليعيش . ووجد أن صيد السمك هو أسهل الأشياء لتأمين طعامه ، فكان يذهب في الصباح إلى شاطئ البحيرة ، ولا يعود إلا بعد أن يصطاد ما يكفيه من الطعام .
وفي صباح يوم جميل ، اصطاد أبو صير سمكة كبيرة . وبينما كان يقطعها ليشويها على النار ، وجد في جوفها خاتما جميلا ، فأخذه ووضعه في إصبعه .
في هذا الوقت ، شاهد أبو صير قاربا من قوارب الصيد يقترب من الشاطئ ، وعليه ثلاثة صيادين ومعهم كلب أسود . وما كاد أبو صير يرفع يده للسلام عليهم ، حتى انبعث من الخاتم شعاع مضيء ، أصاب الكلب الأسود ، فسقط ميتا على الفور .
ذهل الصيادون الثلاثة لموت الكلب الوفي ، وكان ذهول أبي صير أكبر ... عندئذ ، رأى أبو صير قارباً آخر عليه قائد حرس السلطان الذي أنقذ أبا صير من الموت . لقد جاء يحمل إليه الطعام .
واقترب القارب من الشاطئ ، فأسرع إليه أبو صير مسرورا ، شاكرا له ما يفعله من أجله .
لما روى أبو صير لقائد الحرس قصة الخاتم الذي وجده في قلب السمكة ، وموت الكلب الذي كان مع الصيادين ، حذّره القائد من هذا الخاتم وقال له : " شكرا لله لأني جئت في الوقت المناسب لأبين لك خطر هذا الخاتم الذي يهلك كل إنسان أو حيوان يصيبه شعاعه .
طلب أبو صير إلى قائد الحرس أن يصحبه إلى السلطان لكي يعيد إليه خاتمه العجيب ، ويحكي له قصة أبي قير معه وخيانته، فافق قائد الحرس على ذلك ، وعاد من الجزيرة بعد أن اصطحب معه أبا صير .
دخل أبو صير على السلطان ، ففوجئ به. ولكن قبل أن يتكلم السلطان ، كان أبو صير يقدم إليه الخاتم العجيب. فرفع السلطان يديه إلى السماء وشكر الله الذي أعاد إليه خاتمه . ثم أخبره أبو صير قصته الكاملة مع أبي قير ، وكيف كان الصباغ يقابل الخير بالشر ، والأمانة بالخيانة ، والصدق والوفاء بالكذب والغدر .
نادى السلطان بعض حرسه وأمرهم بإحضار الصباغ الخائن .
ولما أحضر الحرس أبا قير بين يدي السلطان، وتأكد السلطان من صدق أبي صير ، أمر بوضع أبي قير في كيس وإلقائه في الماء حتى يغرق أمام عينيه ، ليتأكد من الخلاص منه . وفعل الحرس ما أمرهم به السلطان .
أكرم السلطان أبا صير وطلب إليه أن يظل عنده معززاً مكرماً. لكن أبا صير كان قد اشتاق إلى العودة إلى أهله ، فطلب إلى السلطان أن يسمح له بالعودة إلى "الإسكندرية " .
وافق السلطان على طلب أبي صير ، وأعطاه الهدايا الكثيرة . ولما مرت سفينة في ميناء المدينة حملته مع الهدايا إلى بلده. وقد ودع الجميع أبا صير ، بالإكرام والاحترام ، وهم يذكرون صدقه وأمانته وإخلاصه ، ويتحدثون عن انتصاره على غدر رفيقه أبي قير ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السّندباد والأميرة والفهد 49
كان والدي من كبار التّجار في بغداد. اشتهر بالصّدق والأمانة في كلّ البلاد. وعندما مات، ترك لي ثروةً وافرةً تضمنُ لي حياةً ميسّرةً.
ولكنّني منذ صغري، كنتُ أحبّ السّفر والتّنقل في بلاد الله الواسعة، لألتقي بالنّاس من مختلف الألوان والأجناس، فأتعلّم وأكتسبُ المعرفة والتّجارب، وأنتصرُ على الأخطار والمتاعب. لم تمض سنوات على وفاة والدي حتى أكملتُ استعداداتي لأعيش حياةً كلّها رحلات؛ أحمل بضاعتي وأرافق التّجار، وأركب البحار، وأخوض المخاطر والأهوال. وفي كلّ مرةٍ كنت أعود متعبًا، منهوك القوى، ناويًا ترك حياة الأسفار والمغامرات، لأعيش هانئًا، مرتاحًا، قرير العين، بما تَوَفّر لي من الأموال. لكن لا تمضي بضعة أشهرٍ حتّى يُعاودني الحنين إلى السّفر ومواجهة الأخطار، فأعدّ عدّتي وأهيّئ نفسي إلى سفرةٍ جديدةٍ، أُلاقي فيها من الشّدائد والأهوال أكثر ممّا لاقيتُ في سفراتٍ سابقةٍ. اتّفقتُ ذات يومٍ وجماعة من التّجار على القيام برحلةٍ نبيع فيها ما حمله إلينا تجّار الهند والصّين من بضائع، فأعددنا عدّتنا، وركبنا مركبًا من ميناء البصرة، فسار بنا في البحر أيامًا وليالي. وكانت الرّيح موافقةً لسير المركب، فلم نشعر بالملل أو التّعب، بل كُنّا نمرّ بجزيرةٍ بعد جزيرةٍ، وننتقل من بحرٍ إلى بحرٍ، ومن برٍّ إلى برّ. وكُنّا في كلّ بلدٍ ننزل فيه، نبيع ونشتري ونلتقي بأهله، ونتعرّف بعاداتهم وأحوال معيشتهم. وفي يومٍ من الأيّام، وكُنّا سائرين في عرض البحر، وصلنا إلى جزيرةٍ بديعةٍ، حافلةٍ بالمناظر الطّبيعية. فرسا بنا ربّان المركب على شاطئها، ونزلنا كي نستريح من عناء السّفر ونقضي بعض حوائجنا. أشعلنا النّار لغسل الثّياب وطهو الطعام، ثم جلسنا حلقاتٍ نتحادث ونتسامر، ونحن في أنعم بال.. وإذا بصوت الرّبان يرتفع في هلعٍ ويدعونا إلى النّجاة بأنفسنا والإسراع إلى المركب، لأن ما ظننّاه جزيرة ما هو إلا سلحفاة بحرية هائلة تراكمت عليها الرّمال، ونبتت عليها الأشجار، فلمّا أشعلنا فوقها النّار، أحسّت بالحرارة فأخذت تتحرّك، ولا بُدّ أن تغوص في الأعماق بعد قليل. كان الربّان يقول هذا وهو يجري بأقصى سرعته نحو السّفينة حتّى أدركها مع عددٍ من التُّجار. فسحبوا المرساة، وأقلعوا مُبتعدين عن الجزيرة، غير مُبالين بِمَن لم يستطيعوا اللّحاق بالسّفينة. وكنت لسوء حظّي، في عداد الذّين لم يستطيعوا اللّحاق بها، فبقيتُ مع بعض الرّفاق ننتظر هلاكنا المحتوم.. صادفتني، لحسن حظي، قطعة خشبٍ كبيرةٍ. فتعلّقتُ بها، ورحْتُ أجذّف برجليّ، وأتلفّت حولي عساي أجد أحدًا من رفاقي. ولكني لم أستطع العثور على أحد. بقيتُ على هذه الحال يومًا وليلةً، والأمواج تتقاذفني، حتى أشرفتُ على الهلاك. ولكنّ ريحًا قويّةً هبّت ودفعتني نحو جزيرةٍ عاليةٍ، فيها أشجار مائلة على البحر. فتعلّقت بأحد الأغصان وتسلّقت الصّخور حتّى وصلتُ آمنًا. ارتميتُ على الأرض منهوك القوى، ورحتُ في نومٍ عميقٍ دام ساعاتٍ وساعات. عندما استيقظت من نومي، تجوّلت في الجزيرة، فوجدتها طيّبة الهواء، عذبة الماء، فيها فاكهة كثيرة، وطيور متنوّعة الأشكال والألوان. فحمدتُ الله على السّلامة، وتابعتُ سيري. وإذا بي أسمعُ صوت حيوانٍ يُشبه الزّئير. فتقدّمتُ صوب الصّوت بحذرٍ، فوجدتُ فهداً أصفر اللّون قد أصابته سهامٌ والدّماء تنزف من جراحه، والشّرر يتطايرُ من عينيه. فتناولت حجرًا كبيرًا وضربته به، وقضيتُ عليه. تابعتُ سيري، وإذا بي أرى على بُعدِ قليلٍ فتاةً رائعة الجمال قد سقطت عن حصانها فأُغميَ عليها، وحصانها بجوارها يصهل في اضطراب. تقدّمت منها ورحتُ أحاول إسعافها. فإذا بِعَدَدٍ من الفرسان يحيطون بنا ويحملون الفتاة ويأخذوني معهم شاكرين لي ما قمتُ به نحو أميرتهم، حتّى وصلنا إلى مخيمٍ كبيرٍ مجهّزٍ بوسائل الرّاحة. فأنزلوني في خيمةٍ خاصّةٍ وقدّموا لي ما أحتاجه من طعامٍ وشراب. أخبرني رجال الحرس أنّ هذه الجزيرة تابعة للملك "مهرجان"، وهذه الفتاةُ هي ابنته "جُمان"، وقد جاءت مع زوجها الأمير "بسطام" في رحلةٍ للصّيد في هذا العام. فرأت هذا الفهد وأُعجِبَت بجمال جلده فحاولت اصطياده ورمته بالسّهام، فارتدّ إليها محاولاً افتراسها، ولكن عناية الله أحاطت بها في اللّحظة الأخيرة ونجّتها من الهلاك. تماثلت الأميرة للشّفاء، فاستقبلتني هي وزوجها بالتّكريم والتّرحاب وسألاني عن إسمي وبلدي، وسبب مجيئي إلى هذه الجزيرة المهجورة. فرويْتُ لهم قصّتي، وما قاسيتُ من متاعب وأهوالٍ، فتعجّبا غاية العَجب، وطلبا إليّ أن أرافقهما في عودتهما إلى بلدهما ليتعرّف إليّ الملك "مهرجان". مَثَلتُ بين يديّ الملك، وقبّلت يديه احترامًا، ورويتُ له قصّتي، وقدّمت له جلد الفهد الذي حاول افتراس ابنته. فكان ما ذكرته مُفاجأةً لطيفةً سُرّ لها الملك وأمر بتعييني أمينًا لشؤون البحر، وتحصيل الضّرائب عن بضائع كل سفينةٍ تصل إلى ميناء المملكة. سررتُ بهذه الوظيفة جدًا لأنّها تُتيح لي التّعرف بالسّفن القاصدة بلادي. وقد تُتاح لي العودة على إحداها إلى وطني الحبيب. وكثيرًا ما كنتُ أسأل المسافرين والتّجار عن بلدي بغداد فلا أجد بينهم من يعرفها. وكم كانت دُهشتي شديدةً ذات يومٍ عندما لمحتُ ربان السّفينة التي كنتُ مسافرًا عليها، وقد تقدّم مني لدفع الضّريبة عن بضائعه فعرفته فورًا، ولكنه لم يعرفني لأنّ هيئتي وملابسي تغيّرت كثيرًا خلال تلك المدّة الحافلة بالأحداث. سألتُ الرّبان: هل بقي في مركبك شيء من البضائع؟ فأجاب: نعم يا سيدي، معي بضاعة في مستودع المركب، ولكن صاحبها غرق في البحر عند إحدى الجُزُر، فصارت بضاعته أمانةً لديّ، فقرّرت بيعها، وتسليم ثمنها إلى أهله في بغداد. فسألته: وما إسم ذلك الرّجل الذي غرق في البحر؟ فأجاب: اسمه "السندباد البحري". عندئذٍ لم أتمالك نفسي من الفرح والسّرور. فوقفتُ واحتضنتُ الرّبان وقبّلته وأنا أقول له: أُنظر إليّ جيدًا ألستُ أنا السّندباد !؟ لم يصدّق الرّجل عينيه. ولكنّه لم يكد يتأمّلني حتّى صاح يقول: نعم أنت هو السّندباد! فالحمد لله على السّلامة. ثم نادى رفاقه التّجار فأقبلوا عليّ يقبّلونني وهُم في دهشةٍ وابتهاجٍ. شعرتُ بالفخر والاعتزاز وأنا أتسلّم بضاعتي من هذا الرّبان الأمين، والرّفاق الأوفياء. ثم اخترت من بينها مجموعةً من الهدايا الثّمينة وقدّمتها للملك والأميرة والأمير، وأخبرتهم بما حصل، واستأذنتهم بالعودة إلى بلدي، فأذنوا لي، آسفين لفراقي. ركبتُ السّفينة، وعدت إلى بغداد. فلقيتُ الأهل والأصدقاء والأحباب، وأخبرتهم بقصّتي العجيبة. فقاموا يهنّئونني بالسّلامة، ويحمدون الله على نجاتي من المهالك، ويتحدّثون بإعجابٍ عن بطولة السّندباد ووفاء ربّان السّفينة وأمانته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوعد المشؤوم
كان في قديم الزمان ملك عظيم يحكم مملكة واسعة وله رعيّة تحبه وتطيع أوامره. ومع ذلك كان الملك حزيناً دائماً، لأن الملكة كلما حملت وضعت طفلاً ميتاً.
في أحد الأيام بينما كان الملك جالسا في حديقة قصره يفكر في مصيبته، هبط نسر كبير أمامه وقال له: أيها الملك العظيم! إنني أستطيع أن أبعد عنك الحزن إذا وعدتني بتنفيذ ما أطلبه منك .
نظر الملك إلى النسر بدهشة، وأكمل النسر كلامه: سوف تعيش لك أميرة جميلة لا مثيل لحسنها في الدنيا، بشرط أن تسمح لي بأخذها يوم زواجها.
فكّر الملك قليلا، ثم رضي بشرط النسر، لأنه يحب أن يعيش له طفل مهما كان الثمن. وعند ذلك صفّق النسر بجناحيه، وغاب في الفضاء.
صدق وعد النسر، وحملت الملكة، ثم ولدت طفلة جميلة، فاحتفل الملك بولادتها احتفالا كبيرا ووزّع الهدايا، وأنعم على الفقراء والمساكين، وسمّاها " نسرين "..
مضت الأيام وأصبحت نسرين صبية رائعة الحسن والجمال. وبدأ الأمراء يخطبونها من أبيها وهو يرفض تزويجها لأي منهم بسبب وعده المشؤوم للنسر، وهو لا يستطيع أن يبوح لأحد بسره، ولا يريد أن يفقد ابنته. ولهذا عاد الحزن يسكن قلبه، وحزنت الأميرة لحزن أبيها ولرفضه تزويجها دون سبب.
في إحدى الغابات البعيدة، كان يعيش حطاب شاب بهي الطلعة، حسن الأخلاق، يعمل طول النهار، ويأوي إلى كوخه في المساء. كان اسمه شادي.
ذات مساء، طرق بابه رجل غريب، فأسرع شادي وفتح الباب، ورحّب بالزائر الغريب، وأخذ يعد له المكان، ويحضر له الطعام والماء الساخن.
عندما قدّم له الماء، نظر الى عيني الزائر فرأى شيئا غريبا جعله يجمد في مكانه.
فقال له الزائر: لا تخف يا عزيزي، أنا اسمي " ناظر" وعيناي هاتان هما زمردتان أستطيع أن أرى بهما ما أريد في أي مكان في الدنيا، ولي أخوان أحدهما أسمه " سامع " يملك أذنين كبيرتين، يستطيع بهما أن يسمع صوت الإبرة وهي تسقط في أعماق البحر، وآخر اسمه "مجنّح" له جناحان كبيران يستطيع بهما أن يصل الى أي مكان في الدنيا بأسرع من لمح البصر. وسأفكر في طريقة لمكافأتك على حسن استقبالك لي.
أمضى ناظر أياماً في ضيافة الحطّاب فازداد إعجاباً به، وأحب أن يفتش له عن أجمل عروس في ذلك العصر. فحرّك زمردتي عينيه ذات اليمين وذات الشمال، فأخذ بريقهما يزداد سطوعاً، والحطاب ينظر اليه ويتعجب من حركة عينيه، ثم فجأة قال: أبشر يا شادي، لقد وجدت لك فتاة لا نظير لها في الدنيا، وسأطلب من أخي سامع أن يكشف لنا عن سبب حزنها. قم معي اليه.
أقفل شادي باب كوخه وودع حيوانات الغابة، ثم سار مع ناظر الى بيت أخيه.
في الطريق قال ناظر: إياك أن تسخر أو تضحك من كبر أذني أخي، وإلاّ امتنع عن مساعدتنا، فوعده شادي بالسمع والطاعة .
قطعا مسافة طويلة سيراً على الأقدام، وعندما وصلا بيت سامع، ظهر في الباب رجل ضخم له أذنان كبيرتان كأذني الفيل. رحّب بهما وقال مخاطبا أخاه: لقد سمعت حديثك للشاب عن الأميرة الحزينة، فقد كنت مشتاقا لإخبارك. وعندما وجهت أذني نحوك سمعت الحديث، فأهلاً وسهلاً بكما، لقد جئتما في الوقت المناسب.
قال ناظر: ماذا تعني بالوقت المناسب؟
رد سامع بقوله: عندما أدرت سمعي نحو الأميرة التي وعدت بها الشاب، علمت أن اسمها نسرين، وأن أباها الملك قطع وعدا مشؤوما لنسر كبير بأن يسمح له بخطف الأميرة يوم زفافها، وأجبره على تحديد موعد الزفاف.
قال ناظر بلهفة: ما العمل والوقت يمضي بسرعة؟
فأجابه سامع: أرى أن نستنجد بأخينا مجنّح.
وافق الجميع على الفكرة، وخرجوا مسرعين، وقطعوا غابات كثيفة، وأنهارا عديدة، حتى بلغوا وادياً سحيقاً. ونادى ناظر أخاه المجنح بأعلى صوته, فلم يسمع أي جواب لأن المجنح كان نائما في بيته على قمة الجبل.
فأخذ شادي قوسه وأطلق سهما على شباك البيت، فصحا المجنّح غاضبا، وأطلّ من النافذة ليرى الفاعل وينتقم منه. فشاهد أخويه ومعهما شاب وسيم. عندها خفق بجناحيه وطار في الهواء ثم حطّ أمامهم وأخذ يرحب بهم. فأسرع ناظر بإخباره بأنهم جاؤوا إليه ليطلبوا مساعدته في أمر مهم، وأخبره به.
طلب إليهم مجنّح أن يعتلوا ظهره، وصفّق بجناحيه وطاروا في الفضاء بعد أن استقروا على ظهره، حتى كادت الأرض تغيب عن أنظارهم، ثم حطً فجأة كالسهم في حديقة القصر.
اتفق الأخوة على العمل، وقال أحدهم لشادي بلطف: إذهب أيها الشاب الى الملك في الحال، واطلب منه يد أبنته، وقل له إنك مستعد أن تقدم له رأس النسر الكبير مهراً لها.
ثفعل شادي، ودهش الملك عند سماع كلامه، ثم قال له: إذا استطعت أن تقدم لي رأس النسر، فأنا على استعداد لأزوجك ابنتي. ثم باح لزوجته وابنته بسر رفضه الأمراء الذين تقدموا لخطبة نسرين، وأخبرهما قصة الوعد المشؤوم الذي قطعه له. وسأل ابنته إن كانت ترضى بشادي زوجا لها، فأجابت بالإيجاب .
خرج شادي مع حضرة الملك، فلم يجد المجنح مع أخويه، فخاف ألاّ يتمكن من تنفيذ وعده، خاصة وأن الملك هدّده بقطع رأسه إن لم يف بوعده.
كان المجنح في تلك اللحظة قد طار في الفضاء حتى التقى بالنسر الكبير، ووقعت بينهما معركة حامية استطاع المجنح في نهايتها قتل النسر الكبير، فقطع رأسه وحمله الى حديقة الملك حيث كان أخواه ينتظرانه.
وصل شادي مكان ناظر وسامع، وقبل أن يسألهما عن المجنح سقط رأس النسر الكبير أمامه. ورأى المجنح يهبط الى الأرض ويصعد أخواه على ظهره، وأخذ يطير بهما في الفضاء . فلوّح لهم شادي مودّعا.
وبينما كانوا هم يغيبون في الفضاء ، كان شادي يحمل رأس النسر الكبير ويدخل به على الملك.
برّ الملك بوعده، وزوّج ابنته من الحطاب شادي الذي أصبح أميراً لكرم أخلاقه وحسن معاملته......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغزال الحزين 51
يُحكَى أنّ حربًا طاحنةً قامت في قديم الزّمان بين مملكتين عظيمتين، نَجَمَ عنها خسائر مادية وبشرية كبيرة. وقد راح ضحية الحرب صياد وزوجته، أتت النار على كوخيهما واحترقا فيه. وكان للصياد المسكين فتاة وفتى. الفتاة اسمها سهاد والفتى اسمه هاد، وقد نجوَا من الموت بأعجوبةٍ، حيث كانا في الغابة يجمعان الحطب. حزنت سهاد على فقدان والديها حزنًا شديدًا. ومضت الأيّام وهي تحاول بصعوبةٍ تدبير أمرها وأمر أخيها. فكانا يتعاونان على جمع الثّمار الجافة التي تسقط على أرض الغابة، أو يقتلعان جذور بعض الحشائش التي تُؤكل ليدفعا عنهما شبح الجوع... وذات يومٍ، جلست الأخت سهاد وقالت لأخيها هاد: يا أخي الحبيب، لقد أصبحت الحياة شاقة، وتكاد لا تُطاق هنا. أظنّ أنّه من الأفضل لنا أن نغادر إلى مكانٍ أوفر غناء وأكثر ماء. هزّ هاد رأسه علامة الإيجاب، فتناولت الأخت راحته وسارا باتجاه المجهول. أخذا يطويان المسافات، يتسلّقان تلالاً ويهبطان أوديةً حتّى أنهكهما التعب، فقال هاد لأخته، وقد شعر بالعطش الشديد: أختي، أختي! أنا عطشان، أريد ماء! فردّت سهاد: اصبر يا أخي الصّغير على الظمأ، فإنّنا بعد حينٍ سنصل إلى نبعٍ تنساب منه مياهٌ غزيرةٌ فتشرب منه ما تشاء. وتابعا سيرهما، والغابة صارت خلفهما، لكنّهما لم يقعا على نبع ماء. ارتفعت الشّمس في قبة السّماء، وصار الهواء أكثر حرارة وجفافًا، واشتدّ عطش هاد الصغير وعيل صبره فوقع نظره على حفرةٍ صغيرةٍ مليئة بالماء، فانكبّ ليشرب بلهفةٍ، فمنعته أخته قائلة: إياك! إياك يا أخي أن تشرب من هذا الماء! فإنّك إن شربت تحولت في الحال إلى جَمَلٍ، لأنّ الحفرة فيها آثار أقدام جمل، فقد سحرتها عجوز لعين. امتنع هاد عن شرب الماء وتحامل على عطشه وتابع السّير. وأخذت الحرارة تزداد، وأصبح الهواء يشتدّ سعيره، والعطش يتملّك من الصّغير ساعةً بعد ساعةٍ. وبعد برهةٍ من الزّمن، اعترضت الطريق حفرةً صغيرةً فيها ماء، فهرع هاد ليشرب. ومرةً أخرى منعته سهاد وقالت: انتبه! لا تشرب من هذه الحفرة واصبر على عطشك يا أخي، فقد مضى الكثير ولم يبق إلاّ القليل. وإذا أنتَ شربت من هذه الحفرة، سوف تنقلب فورًا إلى حصان، لأنّ الساحرة الشريرة أجرت سحرها ووضعت آثار حدوته في الماء. حزن هاد وهو يمشي خلف أخته، وقد أخذت خطواته تتباطأ وأنهك العطش قواه. وبعد حينٍ رأى حفرةً صغيرةً فيها بعض الماء. فهجم عليه يشرب بنهمٍ من دون أن يلتفت إلى تحذير أخته. وما إن استقرّت جرعة الماء في معدته، حتى انتفض في الهواء وانقلب إلى هيئة غزالٍ صغيرٍ. أدركت سهاد أن سحر الساحرة الشريرة قد وقع، فبكت بكاءً مرًا وجلست على العشب حزينةً. وراح الغزال يدور حولها وقد اغرورقت عيناه بالدّموع. حلّ الظلام واحتضنت الأخت أخاها الغزال حتى طلوع الفجر. وعندما استيقظت سهاد، رأت في الأفق شبح فارسٍ يقترب منها، فاضطربت وطوّقت عنق أخيها الغزال خوفًا من مكروهٍ يلحقه الفارس به. لكن الفارس كان أميرًا عظيمًا، تأثّر لمنظر الأخت والغزال. وثارت عاطفة نبيلة في نفسه، فتقدّم منهما وقال: "أيّتها الحسناء، هل تقبلين صحبتي إلى قصري؟ فأنا أمير هذه البلاد، سوف تنعمين بعيشٍ رغيد". أطرقت الفتاة هُنيهةً قبل أن تردّ على الأمير، قائلةً: أقبل عرضك الكريم مع الشّكر، ولكنّ بشرط. استغرب الأمير وقال: وما هو هذا الشرط؟ فأجابت سهاد: إن أنتَ قبلتَ برفقة الغزال لي وعدم مفارقته أبد الدّهر. عاد الأمير إلى قصره مُصطحبًا معه سهاد وأخاها الغزال. وعاش الجميع وسط مظاهر الفرح والبهجة. وذات يومٍ، حضرت إلى القصر ساحرةٌ ماكرة وهي متخفّية في صورة امرأة طيّبة، وقد أوقعت سهاد تحت تأثيرها حين ادّعت لها أنها تستطيع إعادة الأخ الغزال إلى صورته الأولى، ولكن إن هي حفظت السّر ورافقتها إلى كهفها خارج المدينة، ووعدتها أنها ستحضّر العبارات اللاّزمة التي تفوق القوى التي سحرت هاد إلى غزال. انطلت الخدعة على سهاد. وعندما وصلت الساحرة الشريرة بضحيّتها إلى الكهف، دفعتها إلى قعر بئرٍ كبيرة وأغلقت بابها بحجرٍ ضخمٍ. ثم حوّلت الشريرة نفسها إلى صورة سهاد، فارتدت ثيابها وعادت إلى القصر طمعًا بالفوز بقلب الأمير والزّواج منه عندما يحين الأوان. وفعلاً، لم يلحظ الأمير ومَن كان معه في القصر أي اختلافٍ في سهاد الجديدة. وراحت تأمر الخدم وتنهر الحرس ولا أحد يعلم من أمرها شيئًا، وإن كان الجميع باتوا يستغربون تصرّفاتها. أمّا سهاد التعيسة، فقد بقيت في قاع البئر لا أحد يدري بأمرها. الغزال وحده عَرَف أنّ التي في القصر وعلى هيئة أخته ليست سهاد وأدرك أن أمرًا خطيرًا قد حلّ بأخته. وصار، كلّما رأى الأمير، يدور حوله ويثغو ثغاء حزينًا والأمير لا يفهم ما يقصده الغزال. ولشدّة حزنه، امتنع الغزال عن الطعام، وبات لا يقرب العشب ولا الماء بل صار يخرج إلى الكهف قبل الفجر ويقف أمامه ويثغو ثغاء حزينًا ويعود إلى القصر قبل أن يستيقظ أهله. في هذا الوقت، لاحظت الساحرة تبدّل تصرفات الغزال، فشكّت في أمره. وعندما راقبته مراقبةً شديدةً رأته يخرج إلى الكهف ويثغو ثغاء حزينًا، ثم يعود قبل طلوع الشمس، فخشيت أن يفتضح أمرها لدى الأمير، وأضمرت للغزال شرًا مُستطيرًا. ألحّت السّاحرة الشريرة على الأمير بذبح الغزال ودعوة الأمراء والأعيان إلى حفل عشاءٍ فاخرٍ يطلق البهجة في أجواء القصر. ثم أمرت الخدم بإيقاد النار تحت القدور النّحاسية وشحذ السّكاكين لذبح الغزال. اكتشف الغزال أمر ذبحه، فهرب إلى الكهف وأخذ يبكي بكاء مرّا ويطلق أصواتًا حادةً حتى تمكّن من النطق بلغةٍ فصيحةٍ، فهَتَف وقال: أختي الحبيبة سهاد، اخرجي من قاع البئر وساعديني لأتخلّص من يد الساحرة الشريرة. لقد أشعلت النيران ووضعت القدور النّحاسية ملأى بالماء فوقها؛ لقد شحذت السكاكين ودعت أصدقاء الأمير الطّيب إلى حفل هذا المساء وقد زُيّن القصر وسيكون لحمي طعامًا لهم! بلغ صوت هاد مسامع أخته سهاد وهي في أعماق البئر، فصرخت بأعلى صوتها: أخي، أخي الحبيب هاد، إن كتفي أختك سهاد مشدودتان بحبلٍ غليظٍ، وإنّ قدميها مربوطتان إلى حجرٍ ثقيلٍ. هي في قاع بئرٍ عميقةٍ لا تقوى على مساعدتك. وخرج صوت سهاد من الكهف عاليًا وقويًا وتردّد صداه في أرجاء الوادي، فبلغ مسامع بعض الجَبَلييّن، فأسرعوا إلى القصر وأبلغوا الأمير بالأمر العجب. فهَرع الأمير إلى الكهف وأخرج سهاد من البئر. وعندها، أسرع الغزال يمرّغ خدّيه على خدي أخته. وهنا حصل الأمر العجيب. فعندما امتزجت دموع الغزال الحزين بدموع أخته، عاد إلى صورته الإنسانية، فَسَرَت موجةٌ من الفرح الشّديد في الحشود التي وقفت خلف الأمير. وعاد الجميع إلى القصر، بعد أن أعلمت سهاد الأمير بقصّتها. أمّا الساحرة الشريرة، فقد رُبِطَت إلى حجرٍ ثقيلٍ، وأُلقِيَت في البئر، وصارت الآبار المهجورة حتّى يومنا هذا مدفنًا للسّاحرات الشّريرات. عاش الأمير- بعد أن تزوّج من سهاد- سعيدًا ونَعمَ الجميع بالطّمأنينة، وصار هاد بعد أن أصبح شابًا وزيرًا عند الأمير. وعمّ الخير والسّرور الإمارة كلّها... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو الحسن 52
نشأ "أبو الحسن" في مدينة بغداد في زمن الخليفة "هارون الرّشيد". وكان أبوه غنيّاً جدًا. فلمّا مات ورث منه أموالاً كثيرةً، فقسّمها قسمين متساويين، وادّخر نصف ثروته، ووقف النّصف الآخر على مسرّاته ومباهجه. فاجتمع حوله كثير من الأصحاب الذين تظاهروا له بالحب والإخلاص. وقد أنفق عليهم نصف ثروته في زمنٍ قليلٍ. ثم تظاهر لهم بالفقر، فهجروه وامتنعوا عن زيارته. فذهب "أبو الحسن" إلى أمّه باكيًا، وقصّ عليها غدر أصحابه الذين هجروه لفقره. فقالت له: "إنّهم لم يصاحبوك إلاّ لمالك، فلّما علموا بفقرك هجروك. فاحتفظ بالنّصف الآخر من ثروتك، وانتفع بهذا الدّرس القاسي الذي تعلّمته يا ولدي". أقسم أبو الحسن أنّه لن يعود إلى مصاحبة رفاقه القدماء، ولن يصاحب بعد اليوم إلاّ الغرباء الذين لا يعرفهم، وعلى أن لا تدوم صحبته مع أحدٍ من النّاس أكثر من ليلةٍ واحدةٍ. فكان يقف على الجسر وقت الغروب. فإذا رأى غريبًا قادمًا عليه، دعاه إلى منزله وأضافه عنده، وأكرمه طول ليلته. فإذا طلع الصبح، ودّعه وأنكره، وأبى أن يُسلّم عليه بعد ذلك أبدًا. وقد أخذ نفسه بهذه الخطّة سنةً كاملةً. وقف أبو الحسن على عادته ذات مساءٍ عند الجسر، فرأى الخليفة هارون الرّشيد، وكان قد خرج في زيّ تاجرٍ قادمٍ من الموصل ومعه خادمه. فرحّب به أبو الحسن ودعاه إلى بيته، بعد أن أخذ عليه المواثيق أن يبيت عنده ليلةً واحدةً، ثم لا يلقاه بعدها أبدًا. فعجب الخليفة، وسأله عن سبب هذا، فأخبره أبو الحسن بقصّته كلّها. فاشتدّ عجبه، وسار معه الخليفة وخادمه حتّى وصلوا إلى البيت. ورأى الخليفة مِن كَرَم أبي الحسن ما أدهشه. فسأله: ألاَ تتمنّى شيئًا يا أبا الحسن؟ فقال له: أتمنّى أن أصبح خليفة ولو ليومٍ واحدٍ، لأعاقب خمسةً من الأشرار يعيشون بالقرب من منزلي، يتدخّلون فيما لا يعنيهم، ولا يَسلُم أحدٌ من شرّهم. ضحك الخليفة من قوله، وعزم على تحقيق أمنيته. ثم غافله ووضع دواء منوّمًا في شرابه. فلم يكد يشربه حتّى نام. فأمر الخليفة خادمه أن يحمل أبا الحسن إلى قصره، ويضعه على سريره، ويلبسه ملابسه. ثم أمر كلّ مَن في قصره أن يطيعوا أبا الحسن في كلّ ما يأمرهم به، بعد أن يوهموه أنّه هو الخليفة هارون الرشيد. لم يكد الفجر يطلع حتى أيقظوه من نومه. فدُهش أبو الحسن حين رأى نفسه في سرير الخليفة، وهو من الذّهب الإبريز، وحوله الجواري والخدم ينادونه خاشعين: عم صباحًا يا أمير المؤمنين. فظنّ أبو الحسن أنّه في حلمٍ. فلما أثبتوا له أنه يقظان، وأنّه هو نفسه، عظمت دهشته.
ثم مثل الوزير جعفر بين يديه وقال له: لقد اكتمل المجلس يا أمير المؤمنين. ثم سار معه حتّى أجلسه على عرش الخليفة، وهو حائر ذاهل من شدّة الدهشة. وكان الخليفة يراقبه من نافذةٍ عاليةٍ، وقد تملّكه السّرور والفرح. ولم يكد أبو الحسن يجلس على العرش حتى أمر كبير الشرطة أن ينكل بأولئك الأشرار الخمسة، وأن يعاقبهم عقابًا شديدًا يجعلهم عبرةً لغيرهم. كما أمره أن يعطي أم أبي الحسن كيسًا فيه ألف دينار. بعد قليل، ذهب أبو الحسن إلى غرفةٍ أخرى، فحضرت الجواري وظللن يعزفن على العود ويغنين أحسن الغناء، وهو لا يعرف: أهو في يقظةٍ أم هو حالم؟ ولمّا أقبل الّليل، وضعوا له في شرابه دواء منومًّا, فلم يكد يشربه حتى نام، فحملوه إلى بيته. ولمّا طلع الصبح، ورأى نفسه نائمًا في سريره، صرخ من شدة الدّهشة والألم. فجاءته أمه وسألته عن سبب صياحه، فقال لها: ألستُ أنا أمير المؤمنين هارون الرشيد؟ فقالت له: هل جننت يا ولدي؟ أنت أبو الحسن. فقال لها: كلاّ بل أنا أمير المؤمنين. حاولت الأم أن تسلّيه وتعيد إليه عقله، وقصّت عليه ما نزل بأعدائه من عقاب، وأحضرت له الكيس الذي أرسله إليها الخليفة أمس وفيه ألف دينار. فعرف أنّه لم يكن حالمًا، وقال لأمّه: الآن أيقنتُ أنّني أنا الخليفة، وقد أمرت أمس كبير الشّرطة بضرب هؤلاء الأشرار، وإرسال هذا الكيس إليك. حاولَت أمّه أن تقنعه بأنّه واهمٌ في ظنه، فاشتدّت ثورته وهياجه. وأقبل الجيران يسألون عن الخبر. وما كادوا يسمعون قوله إنّه الخليفة حتى اعتقدوا أنه جن. فحملوه إلى البيمارستان (المشفى) حيث قضى شهرًا. ولم يخلوا سبيله إلاّ بعد أن عاد إليه رشده وقرّر لهم أنه أبو الحسن. خرج أبو الحسن على عادته إلى جسر بغداد، فلقي الخليفة مرةً ثانيةً، وهو في زيّ تاجرٍ، فحيّاه الخليفة فلم يردّ عليه تحيّته. فظلّ الخليفة يتودّد إليه حتّى رضي عنه أبو الحسن، ودعاه إلى بيته، وأفضى إليه بما حدث له، فتألّم الخليفة لما أصابه. ولما جاء وقت النوم، ألقى الخليفة الدواء في شراب أبي الحسن، فقام الخادم وحمله إلى القصر. وجاء الصباح فأيقظوه. ورأى نفسه في قصر الخليفة مرةً أخرى، والجواري حوله يحيينه. فارتبك أبو الحسن، وكاد يجن من الدّهشة، وخُيِّل إليه أنّه في منام. ثم غنته الجواري، وأقبلن عليه باسمات. وجاءه الوزير جعفر يحييه. فقال أبو الحسن: مَن أنا؟ أتراني حالمًا؟ فقال له: أنت الخليفة هارون الرشيد. فقال أبو الحسن لأحد الخدم: إذا كنتُ أنا في يقظةٍ، فعضّ أذني لأثق بأنني يقظان، وأتثبّت من أنّني لست في حلمٍ. فعضّ الخادم أذنه، فصرخ أبو الحسن من شدّة الألم، وقال: الآن عرفتُ أننّي لست نائمًا، وأيقنتُ أنّني لم أكن حالمًا، الآن أدركتُ أنّني الخليفة هارون الرشيد. ظلّ أبو الحسن يعجب ممّا يراه قي قصر الخليفة، وهو يتردّد في تصديق ما تراه عيناه وتسمعه أذناه. ثم صاح بأعلى صوته، وقد كاد يجنّ من شدّة الفرح: لا شك في أنّني أمير المؤمنين، ولا ريب في أنني لست أبا الحسن! كان الخليفة يرى ذلك كلّه ويسمعه، فدخل الغرفة، وقد كاد يقع على الأرض من شدّة الضّحك. فعرفه أبو الحسن، وأدرك حقيقة أمره، وارتمى على قدميه يقبّلهما. وفرح به الخليفة وعانقه وغمره بالهدايا والمال، واتّخذه نديمًا له منذ ذلك اليوم.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن آوى المُحتـال 53
التقى ابن آوى بجملٍ فقال له: صباح الخير يا جَمَلي العزيز! أهلاً وسهلاً، صباح الخير يا ابن آوى. ماذا تفعل يا جَملي العزيز اليوم؟ أبحثُ عن طعامي. أنّها فكرة. أنا أحبّ الأصداف والسّراطين وهي كثيرةٌ على الضّفة الأخرى من النهر... ما رأيك يا جَمَل؟ رأيي في ماذا؟ على الضّفة الثانية من النّهر زرعٌ كثيرٌ. لماذا لا نذهب إلى هناك فتأكل أنتَ وتشبع وآكل أنا من الأصداف والسّراطين؟ أذهب؟ لماذا لا تذهب أنتَ؟ أنا لا يهمّني ذلك. إنّ طعامي وافر. ولكنّ هناك قصب السّكر اللّذيذ. بإمكانك أن تأكله وتهنأ بطعمه اللّذيذ. صحيح؟ أتقول الحقيقة يا إبن آوى؟ طبعًا، طبعًا يا جَملي الطّيب. ألم تذهب من قبل إلى هناك؟ لا.. للحقيقة لم أذهب. ماذا تنتظر إذن؟ هيّا اذهب. اقطع النهر، الماء ضحل فتصل إلى الضفة الأخرى. تعال معي يا إبن آوى، دلّني على مكان القصب. أنا؟ أنا لا أستطيع أن أجتاز النهر. إنه عميق! اسمع! أنا لا أحسن السّباحة. لا بأس.. لا بأس.. إذن اعتَلِ ظهري وأنا أجتاز بك النهر. إذا كان الأمر كذلك، فلا بأس عندي، أجاب إبن آوى. هيّا اقفز على ظهري، ولنمضِ.
حين وصل الإثنان ضفّة النّهر الثانية قفز ابن آوى إلى الأرض، وسأله الجَمل: أين القصب؟ أين قصب السكر يا أبن آوى؟ إنّه هناك في ذلك الحقل. إذهب إليه. حسنًا.. حسنًا.. سأذهب إليه. ولكن قُل لي: إلى أين ستذهب أنتَ؟ أنا سألعب على ضفّة النهر وأتسلّى، وأصطاد بعض الأصداف والسّراطين. هه.. لا بأس. لا بأس عندي، قال الجمل.
ذهب الجمل إلى حقل قصب السكر، ولم يكد يمضغ ثلاثة أعوادٍ من القصب حتى كان أبن آوى قد شبع من أكل الأصداف والسّراطين، وصاح: لقد انتهيت من الطعام ويجب أن أعود. فكيف العمل إذن؟ فالجمل يأكل من الحقل، وهو سيبقى وقتًا طويلاً. يجب أن أجعله يترك الحقل ويرجع إلى الضفة الأولى. سمع إبن آوى صوت عصفورٍ فبدأ يعوي. فقال الجمل لنفسه: لماذا يعوي ابن آوى؟ ما سبب عوائه؟ غريب أمره. إنّه يطوف بالحقل في كلّ جوانبه ويعوي. ثم نادى إبن آوى: هيه! هيه! أنتَ ابن آوى! لماذا تعوي؟ اخفض صوتك لئلا يسمعك أصحاب الحقل، فيتنبّهون إلى وجودي هنا، فيُهاجمونني. سمع أهل القرية صوت ابن آوى، فقال أحدهم: في حقل قصب السّكر أحد بنات آوى. إنّه سوف يحفر الأرض ويلحق بالمحصول ضررًا بالغًا، فلا بُدّ لنا من صيده. سمع الجمل صوت القادمين من القرية، فقال: يبدو أنّ أهل القرية قادمون إلى الحقل بهراواتهم وعصيّهم وحجارتهم... وها هم قد بدأوا بمُهاجمتي.. إنّهم يقذفونني بالحجارة. آه يا أبن آوى! وصاح بهم: أرجوكم أتركوني.. آه.. أكاد أموت.. آه.. سأموت من كثرة ضربكم! ثم سمع أحد سكّان القرية يقول: إنّه يموت... بعد قليلٍ سيلفظ أنفاسه! فقال الجمل لنفسه: آه.. آه.. يا للمصيبة! ضربوني.. ضربوني.. كادوا يقتلونني! أقبل ابن آوى وسأل الجمل: ما بك جالس هنا؟ هيّا بنا.. آن لنا أن ننصرف. كل ذلك بسببك. حسنًا سنذهب الآن، الآن عرفتك عن كُثُبٍ. كيف وجدتَني؟ أوه! أنتَ نِعمَ الرّفيق (مُتهكّمًا)! هل لك أن تخبرني ما الذي دعاك إلى العواء والقفز حول الحقل على هذا النّحو؟ يضحك ابن آوى وهو يقول: للحقيقة لستُ أدري يا صديقي. إنّما عادتي أن أُغنّي بعد الطعام. وغنائي كما تعلم، عواء. فأجاب الجمل: مِن عادتك أن تغنّي بعد الطّعام!؟ نعم... نعم. يا جَملي العزيز! هيا بنا نرجع. صحيح... صحيح... سنرجع.. سنرجع. إذن هكذا فعلتَ، لأن من عادتك الغناء بعد الطعام. نعم، وذلك حتّى أسهّل عملية الهضم. حسنًا، حسنًا، لنعد الآن إلى مكاننا حيث كُنّا على الضفة الأخرى. هذا ما أنتظره، قال إبن آوى. حسنًا، هيّا اقفز فوق ظهري، ولنمض. هيا بنا. ها قد قفزتُ. هيا. انطلق. ثم سأل آبن آوى الجمل: كيف وجدتَ الرّحلة؟ لا بأس.
أكلتَ جيّدًا؟ نعم. هنيئًا مريئًا يا جَمل. ما بالك توقّفت عن السّير؟ الجمل: ألتقط أنفاسي (يضحكان). يا ابن آوى، هل تعلم؟ ماذا؟ تراودني فكرة يا صديقي. تراودني رغبة مُلحّة يا صديقي. ما هي أيّها الجمل؟ يضحك الجمل ويقول: رغبةٌ ملحّةٌ (يضحك) لأتقلب في الماء! خاف ابن آوى وصاح: إيّاك أن تفعل يا أخي لئلا تتسبّب في إغراقي. ماذا دعاك إلى هذه الفكرة؟ لماذا تريد أن تتقلّب؟ لستُ أدري! ولكن من عادتي أن أتقلّب بعد الطعام. ماذا؟ صاح الجمل: نعم.. أنتَ من عادتك يا أيّها الأناني العابث أن تُغنّي بعد الطعام، وتسبَّبتَ في ضربي وطردي لكي تعود بسرعةٍ بعد أن أكلتَ وشبعتَ. والآن (يضحك) أقول لك، أنا، من عادتي أن أتقلّب بعد الطعام! صاح ابن آوى (خائفًا): لا.. أرجوك.. أرجوك.. أرجوك.. فضحك الجمل طويلاً وقال: هذا جزاء العابث يا ابن آوى. ثم تقلّب في الماء، فغرق ابن آوى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القوة بالإتحاد 54
يحكى أن المهلب بن أبي صفرة أراد أن يوصي أولاده بوصية تنفعهم في حياتهم حينما قربت منيته، فجمعهم في مكان وأحضر كثيراً من الرماح، ووضع بعضها بجانب بعض، وأمر واحداً منهم ليكسرها فلم يقدر. ثم أعطى آخر إياها ليكسرها فلم يقدر أيضاً. وهكذا فعل مع البقية. ثم فرّق بعضها عن بعض وأعطى واحداً رمحاً فكسره، وأعطى الثاني آخر فكسره، وهكذا مع الباقين.
ثم قال لهم: يا بني! أنتم كهذه الرماح. إن عشتم في وئام وائتلاف لا يستطيع العدو إذلالكم، وإلا خذلكم وشتت شملكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علي بابا والأربعون لصًا 55
يُحكى أنّه كان في بلاد فارس أخوان شقيقان، يُدعى الأكبر قاسمًا والثّاني علي بابا. كان والدهما تاجرًا من أغنياء التُّجار. ترك بعد موته ثروةً طائلةً مؤلّفةً من قصورٍ فخمةٍ ومالٍ وفيرٍ وأراضٍ واسعةٍ وبضائع ثمينةٍ. استولى قاسم على هذه الثّروة الكبيرة، وأصبح تاجرًا غنيًا، وترك أخاه علي بابا في فُقرٍ شديدٍ، بل كثيرًا ما كان يعامله معاملةً قاسيةً، لا رحمةً فيها ولا شفقةً. وزاد في فقر علي بابا أنّه كان يعيل أسرةً كبيرةً مؤلّفةً من زوجةٍ وستة أولادٍ، وكان حطّابًا ماهرًا، يذهب كلّ صباحٍ إلى الغابة، فيقطع الأخشاب ثمّ يحملها على حماره ويعود إلى المدينة فيبيع الحطب ويشتري بثمنه طعامًا لأولاده.
"افتح يا سمسم" وكعادته كلّ صباحٍ، انطلق علي بابا يومًا ومعه حماره الهزيل ليحتطب في الغابة. فإذا به يسمع ضجّةً شديدةً آتيةً من بعيدٍ. ثمّ أخذت الأصوات تقترب وتعلو، فخاف وارتبك فتسلّق شجرةً كثيفةً واختبأ بين أغصانها وأوراقها بعد أن خبّأ الحمار في حفرةٍ مجاورةٍ. التفت علي بابا إلى مصدر الأصوات، فشاهد غبارًا يتصاعد إلى عنان السّماء، ثم انجلى هذا الغبار عن أربعين فارسًا يتقدّمهم قائدهم. كان الفرسان يلبسون الثّياب الزّاهية الملوّنة ويمتطون خيولاً قويةً أصيلةً، وفي أيديهم رماحٌ لامعةٌ في أشعة الشّمس، وعلى خصورهم سيوفهم في أغمادها. وكان يبدو على هذه الجماعة مظاهر البَأسِ والقوّة. عندما وصل الفرسان إلى صخرةٍ كبيرةٍ في وسط الغابة، قُربَ شجرةٍ من أشجار جوز الهند، ترجّلوا عن خيولهم وتقدّم قائدهم وصاح بأعلى صوته مُخاطبا الصّخرة: "افتح يـا سمسم!" يا لهول المفاجأة! لقد زلزلت الأرض وانشقت الصّخرة وثار غبارٌ في الجوّ. وعندما انجلى الغبار، ظهر مكان الصّخرة كهفٌ كبيرٌ، له باب واسع، دخل إليه القائد وتبعه الفُرسان بعد أن ربطوا خيولهم بجذوع الأشجار المجاورة. وما لبث الباب أن انغلق وراءهم.
مكث الفرسان في الكهف بعض الوقت ثم خرجوا وركبوا خيولهم ومضوا من حيث أتوا، حتّى غابوا عن الأنظار، بعد أن سمع علي بابا قائدهم ينادي بأعلى صوته: "أغلق يـا سمسم!"
"علي بابا في الكهف" نزل علي بابا من أعلى الشّجرة والدّهشة تكاد تعقد لسانه. وقف أمام الصّخرة يتأمّلها. "هل من الممكن أن تتحرّك هذه الصّخرة الهائلة فور النّطق بهذه الجملة؟" نادى "علي بابا" بأعلى صوته: "افتح يا سمسم!" ، فإذا بالصّخرة تنشقّ مرّةً ثانيةً عن كهفٍ كبيرٍ مُعتّم؛ فالتقط غُصنًا يابسًا وأشعله ليُنيرَ به طريقه داخل الكهف. دخل الكهف والخوف يتملّكه، فأخذ يتنقل من قاعةٍ إلى أخرى داخل الكهف حتّى وصل إلى قاعةٍ فسيحةٍ، وَجَد فيها كميّات لا تُحصى من الذّهب والفضّة والأحجار الكريمة والثياب المُزركشة. فَرَكَ علي بابا عينيه ليوقظ نفسه من الحلم الجميل، ولكنّه تأكد أنه لا يحلم، بل هو في الحقيقة داخل كهف هؤلاء الفرسان الذين هُم لصوص أشدّاء يُخبّئون ما يسرقون داخل هذا الكهف السّحري الكبير. لم يُضيّع علي بابا الفرصة، بل أخذ يحشو جيوبه بما تصل إليه يداه من الذّهب والجواهر، ثم خرج ونادى بأعلى صوته: "أغلق يا سمسم!"
أفرغ علي بابا جيوبه من المجوهرات التّي استطاع الحصول عليها من مخبأ اللّصوص، ووضعها فوق ظهر حماره ثم غطّاها ببعض الحطب، وعاد إلى منزله ليُخبّئ كنزه في مكانٍ أمينٍ.
"المكيال الفاضح" عندما رأت زوجته كلّ هذه المجوهرات، عَقَدت الدّهشة لسانها واضطربت، وقالت له بصوتٍ غاضبٍ: "من أين أتيت بهذه الجواهر الثّمينة، وكيف سرقتها؟" فأجابها علي بابا، وهو يُهدّئ من غضبها: "أنا لم أسرق هذه الكنوز وإنّما عثرتُ عليها في كهف جماعة اللّصوص". ثم قصّ عليها قصّة الأربعين لصًا الذّين يُودِعُون ما يسرقونه في كهفٍ اتّخذوه في باطن الجبل في وسط الغابة. هدأت زوجة على بابا وانفرجت أساريرها وأرادت أن تعرف ما قيمة الثّروة التّي أصبحوا يملكونها الآن، ولكنّها لم تستطع أن تعدّ النّقود لكثرتها؛ ولهذا طلبت إلى زوجها أن يذهب إلى بيت أخيه "قاسم" ويستعير منه المِكيال لتزن به المجوهرات. ذهب علي بابا إلى منزل أخيه قاسم وطلب إلى زوجة أخيه أن تعيره المكيال. استغربت زوجة قاسم هذا الطلب لأنّها تعرف أنّ شقيق زوجها فقيرٌ لا يملك شيئًا يزنه بالمكيال. دبّت الغيرة في قلب زوجة قاسم وقالت في نفسها: "ماذا عساه يكيّل هذا الرّجل الفقير؟ لا بُدّ لي من معرفة ذلك". ثم مضت ووضعت في قعر المكيال شيئًا من العسل وأعطته إلى علي بابا، طالبةً إليه ألاّ يتأخّر بإعادته فور الإنتهاء منه. وَزَنََت زوجة علي بابا الأحجار الكريمة والنّقود الذّهبية. ولشدّة سرورها لم تنتبه إلى العسل في قعر المكيال، ولم تنتبه إلى الأحجار الكريمة التي علِقَت في قعره أيضًا. ثمّ وجدت زوجة قاسمٍ في قعر المكيال القطع الكريمة العالقة، فدبّت الغيرة في قلبها. ولمّا جاء زوجها في المساء، أخبرته أنّ أخاه الفقير، علي بابا، أصبح يُكيّل الذّهب بمكيال الحُبوب، ثم أرته القطعة الثّمينة التي علقت في المكيال.
"قاسـم في الكهف" في الصّباح، قصد قاسم منزل أخيه على بابا وأخذ يتودّد إليه على غير عادته، ويسأله عن الطّريقة التي حصل بها على الذّهب بعد أن كان حطّابًا بائسًا فقيرًا. لم يجد علي بابا أمام إلحاح أخيه قاسم بُدًا من أن يخبره بكهف اللّصوص وكلمة السّر "افتح يا سمسم". في صباح اليوم التّالي، ذهب قاسم قاصدًا كهف اللّصوص ومعه عشرة بغالٍ مُحمّلة بصناديق فارغةٍ لكي يملأها بشتى الجواهر والأحجار الغالية. وقف قاسم أمام الصّخرة ونادى بأعلى صوته: "افتح يا سمسم"! فإذا بالصّخرة تنشقّ عن كهفٍ عظيمٍ. دخل قاسم ودوابه إلى قاعة المجوهرات، فبَهَر عينيه بريق الجواهر، وأحسّ بالذّهول ولم يشعر بباب الصّخرة وهو يغلق وراءه، بل اندفع إلى الدّاخل يجمع كلّ ما تستطيع يداه أن تصل إليه ويضعه في الصّناديق التّي أعدّها لهذه الغاية. لمّا امتلأت الصّناديق بالكنوز النّادرة، ساق دوابه نحو الصّخرة ليخرج، لكنّه وقف أمامها حائرًا. فقد أنساه جشعه كلمة السّر "افتح يا سمسم". فأخذ يُنادي: "افتح يا شعير، افتح يا حمّص، افتح يا قمح"،.. ولكن من دون جدوى. فقد ظلّت الصّخرة مغلقةً. فدبّ الخوف إلى قلبه وأقلقه الهَمّ والجزع، وأخذت نفسه تحدّثه بسوء العاقبة بعدما أوصله الطّمع إلى هذا المصير المُؤلم.. مضى عليه وقت ليس بالقصير، وإذا به يسمع وقع حوافر خيول اللّصوص وقد عادوا إلى كهفهم، وصوت قائدهم يُدوي في الخارج: "افتح يا سمسم". فتذكّر عندئذٍ كلمة السّر، ولكن بعد فوات الأوان. وارتعدت فرائصه فانزوى في أحد أركان الكهف.. ولكن كيف يستطيع النّجاة، وبغاله المحمّلة بالنفائس الغالية ماتزال في مكانها داخل الكهف؟ ما كاد اللّصوص يرون قاسمًا وبغاله داخل كهفهم حتّى ثار فيهم الغضب. فقبضوا عليه وأعملوا فيه سيوفهم ولم يتركوه إلاّ جثةً هامدةً مقطوعة الذّراعين. عندئذ أمرهم قائدهم بوضع الجثّة على باب الكهف ليكون عبرةً لغيره مِمَّن تُحدّثه نفسه باقتحام مخبئهم. طالت غيبة قاسم عن المنزل، فقلقت زوجته وخافت أن يكون قد مسّه سوء أودى بحياته. فذهبت إلى منزل أخيه علي بابا تشكو له مخاوفها، فطمأنها علي بابا وقال لها: "سأذهب في الصّباح الباكر إلى الغابة لإستجلاء الأمر". استيقظ "علي بابا" باكرًا وذهب إلى كهف اللّصوص، ويا لهول المفاجأة... لقد رأى أخاه جثّةً هامدةً عند باب الكهف. رفع "علي بابا" جثّة أخيه ووضعها على ظهر حماره بعد أن غطّاها بالحطب وعاد إلى المنزل حزينًا. ما كادت زوجة قاسم ترى جثّة زوجها حتّى أصابها الذّهول وصارت تبكي بحرقةٍ وألمٍ. فأخذ علي بابا وزوجته يُخفّفان عنها ويحثّانها على الصّبر والتسليم بقضاء الله وقدره. ثم راحوا يفكّرون في طريقةٍ لدفن الجثة المُقطّعة من دون أن يثيروا فضول النّاس، ويصل الخبر إلى اللّصوص. كان لدى قاسم جارية ماهرة ذكيّة الفؤاد تُدعى "مرجانة". وقد أدركت حيرة أهل البيت وقلقهم، فأخبرتهم بأنّها تستطيع أن تصل الذّراعين بالجثة وتخيطهما من دون أن تثير الشكّ في نفوس النّاس. ذهبت "مرجانة" باكرًا إلى سوق الخيّاطين، فشاهدت خيّاطًا يُدعى "مصطفى" يرتقُ ثوبًا على باب دكّانه، فحيّته وسألته بلطفٍ: "كم تربح في اليوم من عملك هذا؟" فأجابها الخيّاط: "إنّي أربح دينارين". فاقتربت منه وقالت له: "إنّي مستعدّة أن أعطيك عشرة دنانيرٍ إذا ذهبت إلى البيت لتخيط لي شيئًا عزيزًا عليّ". فَرِحَ الخيّاط بهذا الرّبح الوفير، ثم قام وأغلق باب دكّانه وسار وراء الجارية مرجانة التي لم تكد تبتعد قليلاً حتّى أخرجت منديلاً وعصبت عينيه لئلا يهتدي إلى مكان البيت. خاط مصطفى الخيّاط جثة قاسم ثم عاد إلى دكانه فرحًا بما كسبه من مالٍ؛ في حين كان علي بابا وزوجة أخيه يقومون بدفن الجُثة.
"اللّصوص والخيّاط" عاد اللّصوص إلى المغارة مساءً، وكم كانت دهشتهم كبيرة حين لم يجدوا أثرًا لجثّة قاسم، فغضبوا وثاروا وعلموا أنّ له شريكًا يعرف مخبأهم السّريّ هذا. بينما كانت مرجانة عائدةً من السّوق، رأت علامةً بالطّباشير على باب المنزل، فأدركت أنّ اللّصوص اهتدوا إلى المنزل. فأسرعت وأحضرت قطعةً من الطّباشير ووضعت على أبواب جميع المنازل المجاورة علامةً مماثلةً. جاء اللّصوص لتنفيذ خطّتهم وقتل علي بابا، ولكنّهم أخفقوا. فقد وجدوا منازل الحيّ جميعها تحمل تلك الإشارة المميّزة، فعادوا يجرّون أذيال الخيبة، وأخبروا رئيسهم بذلك، فغضب غضبًا شديدًا، ثمّ أخرج سيفه وضرب به عنق لصٍّ منهم فأرداه قتيلاً. ثم ذهب بنفسه مُتنكّرًا وأعاد الكَرّة مع الخيّاط "مصطفى" حتى اهتدى إلى منزل قاسم.
"اللّصوص في بيت علي بابا" أعدّ رئيس اللّصوص خطّته للتّخلص من علي بابا، فأحضر أربعين خابيةٍ كبيرةٍ وأمر كلّ لصٍ أن يختبئ في خابيةٍ وخنجره بين أسنانه، وقال لهم: "عندما أقوم بإشارةٍ مُعيّنةٍ تخرجون من مخابئكم وتهجمون على الرجّل ومَن يكون عنده، وتفتكون بهم من غير شفقةٍ أو رحمةٍ". ملأ خابية اللّص المقتول زيتًا، ثم سدّ الخوابي كلّها سدًا مُحكمًا، وحمّلها على عربةٍ كبيرةٍ يجرّها جوادٌ، وسار معها بعد أن تنكّر بزيّ التُّجار الغُرباء حتّى وصل إلى منزل علي بابا، وقت الغروب. قَرَعَ قائد اللّصوص باب منزل علي بابا ورجاه أن ينزل في ضيافته بعد أن دهمه الظّلام، لاسيّما وأنّه تاجرٌ غريبٌ لم يسبق له أن زار هذه المدينة من قبل. رحّب به علي بابا ودعاه إلى النّزول في ضيافته، ثم نقلوا الخوابي بمساعدة الخدم إلى فناء الدّار بعد أن رُصَّت إلى جانب بعضها باعتناءٍ وترتيبٍ. انصرفت مرجانة إلى المطبخ لإعداد الطّعام، فوجدت أن المصابيح في حاجةٍ لأن تُملأ بالزّيت. ولمّا لم تجد في البيت زيتًا، ذهبت إلى الفناء لأخذ بعض الزّيت من إحدى الخوابي. وكم كانت دهشتها عظيمةً حينما فتحت إحدى الخوابي فوجدت في داخلها رجلاً تظهر عليه إمارات الشّراسة، وقد حمل خنجرًا بين أسنانه. فأسرعت وغطّت فوهة الخابية لكيّ لا يتمكّن الرّجل من الخروج. ثم راحت تدقّ على كلّ خابيةٍ دقًا خفيفًا فتسمعُ همسًا رقيقًا، حتّى وصلت إلى الخابية الأخيرة ففتحتها فوجدت فيها زيتًا.
"مرجانة تنقذ علي بابا من اللّصوص" عندما أدركت مرجانة أن الزّيت قد اشتدّ غليانه، استأذنت ودخلت إلى المطبخ ثم أحضرت وعاءً ملأته زيتًا مغليًا. وذهبت إلى الفناء، ففتحت الخوابي وصبّت فيها الزّيت المغلي. وكانت كلّما صبّت في خابيةٍ زيتًا سمعت الرّجل يصرخُ من الألم، ثم يخبو صوته ويختفي حتّى قضت على جميع اللّصوص حرقًا بالزّيت. عادت مرجانة إلى قاعة الإستقبال، وراحت ترقص وقد أمسكت بيديها الإثنتين خنجرًا حادًا وراحت تتمايل كأنّها تُحيّي الضّيوف. وفجأةً، انقضَّت على رئيس اللّصوص وطعنته طعنةً قاتلةً، فارتمى على الأرض لا حراك به. دُهش علي بابا، وصَرَخ في مرجانة: "لماذا قتلتِ ضيفي يا جارية السّوء؟" فأجابت مرجانة: "أنا لم أقتل ضيفك، وإنّما قتلت زعيم اللّصوص". ثمّ قصّت على الحاضرين ما فعلَت وأخبرتهم أنّها قتلت أيضًا رجاله التّسعة والثلاثين، وهم مُختبئون في خوابي الزّيت. إبتهج الحاضرون بذكاء مرجانة وحُسن تصرّفها... وكان الإبتهاج أعظم وأكبر عندما زوّج علي بابا الجارية الذّكية الشّجاعة من ابنه الكبير، عرفانًا منه بفضلها وحُسنِ تصرّفها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصباح علاء الدين 56
كان مصطفى خياطاً ماهراً وكان يعيش في إحدى مدن الشرق البعيدة. كان يفتح دكانه باكراً، وينصرف إلى عمله بجد ونشاط لكي يربح بعض النقود القليلة ليعيل بها زوجته وابنه الصغير علاء الدين، وقد عاش فقيرا.
مات مصطفى الخياط وترك ابنه في رعاية والدته، فاعتنت بتربيته وتعليمه. ولكنه كان كسولاً، وكان يغافلها ويهرب من البيت ليلعب مع الأولاد في الأزقة .
وفي يوم من الأيام، زار المدينة رجل حسن الهيئة، له لحية طويلة تدل على أنه رجل غريب. وتجول في الأزقة حتى وصل إلى منزل مصطفى الخياط وشاهد بقربه أطفالاً يلعبون. تأملهم، ثم تقدم نحو علاء الدين وسأله: ما اسمك يا ولدي ؟
فأجابه : اسمي علاء الدين.
- وما اسم والدك يا ولدي؟
- اسمه مصطفى الخياط ، وقد توفي منذ زمن قريب.
فأقبل الرجل الغريب على علاء الدين وضمه إلى صدره وقبله بحرارة وقال: رحم الله والدك يا بني، فقد كان صديقي الحميم .
ثم أخذه إلى السوق واشترى له ثيابا جديدة وعادا معا إلى المنزل.
خافت أم علاء الدين لما رأت ابنها بين يدي الرجل الغريب ، ولكنه طمأنها وأخبرها أنه صديق زوجها مصطفى الخياط ، وأنه كان قد سافر إلى بلاد بعيدة منذ زمن بعيد ، وقدم الآن ليقدم لها العزاء بوفاة زوجها. ورجاها أن تسمح له بأن يأخذ علاء الدين ليعيش في رعايته فترة من الزمن يغمره فيها بحنان الأب وينسيه مرارة اليتم ، وقال لها: إن كل ما أقوم به نحو هذا الطفل ما هو إلا جزء يسير مما يفرضه عليّ واجب الوفاء نحو صديقي العزيز الراحل.
ترددت والدة علاء الدين أول الأمر، ولكن الرجل ألح عليها، فاضطرت أن تشكره وسمحت لعلاء الدين بمرافقته ، ورجته ألا يطول غياب ابنها عنها . قبل الرجل علاء الدين بحنان وأخذه وسارا معا في الطريق الطويل .
لم يكن الرجل الغريب صديقا لوالد علاء الدين، ولم يكن يعرفه ، بل كان ساحراً ينظر في كتب السحر والتنجيم . قرأ مرة أنه يوجد في إحدى مدن الهند البعيدة كنز عظيم في داخله مصباح عجيب ، من استطاع الحصول عليه فتحت أمامه كنوز الأرض. كما قرأ أن هذا الكنز لا يستطيع الوصول إليه إلا ولد اسمه علاء الدين، والده خياط ، وهو يسكن في إحدى مدن الشرق البعيدة .
اهتم الساحر للأمر، وأعد عدته للسفر نحو الشرق للبحث عن علاء الدين. ووصل بعد مشقة وعناء إلى بلد مصطفى الخياط، وفي أحد الأزقة لفته علاء الدين من بين صبية يلعبون، إذ وجد في وجهه العلامة التي قرأها في كتب السحر.
ولما سأله الساحر عن اسمه واسم أبيه، تأكد أنه هو الطفل المطلوب، فاحتال على والدته وأوهمها بأنه صديق زوجها، وأخذه ليحقق بغيته.
سار علاء الدين برفقة الساحر الشرير أياما طويلة حتى تورمت رجلاه ، وكاد يموت جوعاً وعطشاً ، وتوسل إلى الساحر أن يتلطف به ويدعه يرتاح أثناء الطريق. لكن الساحر المتلهف إلى الحصول على المصباح كان قاسي القلب ولم يرحم الطفل المسكين.
وصل الساحر إلى بلده البعيد، فأخذ علاء الدين إلى بيته وبدأ يعلمه بعض الفنون السحرية التي تساعده في الحصول على المصباح العجيب.
ولما أصبح علاء الدين شاباً قوياً، أخذه الساحر في أحد الأيام إلى غابة كثيفة خارج البلدة، وأمره أن يجمع له الحطب ويوقد فيه النار.
فعل علاء الدين ما أمره به الساحر. ولما ارتفعت ألسنة النار، وقف الساحر يتمتم أمامها بكلمات غامضة غريبة. فأظلمت السماء وحدث دويّ عظيم يكاد يصم الآذان ، وانشقت الأرض عن قبو كبير في نهايته دهليز مظلم طويل .
خاف الساحر واقترب من علاء الدين وأعطاه خاتما سحريا وقال له: إنزل إلى هذا القبو وسر في الدهليز حتى تصل إلى نهايته، وهناك تجد على أحد الرفوف مصباحاً قديماً، فجئني به.
أخذ علاء الدين يرتجف من الخوف، وبدت عليه علائم التردد، ولكن الساحر نهره وهدده بالعقاب الشديد وقال له: إن الخاتم سوف يحميك من الأرواح الشريرة التي قد تصادفها في الدهليز .
نزل علاء الدين إلى القبو وسار في الدهليز الطويل وبحث عن المصباح حتى وجده وعاد به مسرعا ، ومد يده للساحر ليساعده على الصعود إلى سطح الأرض ..
وفض الساحر أن يمد يده لإخراج علاء الدين وقال له: أعطني المصباح أولاً حتى أساعدك في الخروج .
خاف علاء الدين من تصرف الساحر ، ورجاه أن يساعده في الخروج من القبو أولا ، وأصر الساحر أن يأخذ المصباح أولا .
لما تأكد الساحر أن علاء الدين لن يسلمه المصباح إلا إذا أخرجه من القبو تمتم بكلماته السحرية، وإذا بعلاء الدين يسقط في قعر القبو ثم يقفل عليه الباب وتعود الأرض كما كانت.
بات علاء الدين في ظلام رهيب وهو لا يدري ماذا يفعل. وكان يسمع وقع أقدام الساحر وهو يبتعد شيئا فشيئا، فيزداد خوفه ويتأكد أنه لن يخرج من هذا القبو ، فحزن كثيرا وأخذ يفكر في مصيره.
تناول علاء الدين المصباح وأخذ يعالجه لعله يجد سبيلاً إلى إضاءته، فإذا بالأرض تهتز من تحته ثم تنشق ويظهر عفريت من الجن هائل الخلقة يصيح بصوت كالرعد: أنا خادم حامل هذا المصباح، مرني فأطيع.
استعاد علاء الدين شجاعته، وطلب إلى العفريت أن يخرجه حالا من هذا المكان ويعيده إلى أمه التي طال غيابه عنها.
وبسرعة كالبصر، وجد علاء الدين نفسه بين ذراعي أمه التي يئست من عودته سالما بعد غيابه الطويل، وقد أزعجها أنه لم يكن لديها طعام تقدمه له.
أمسك علاء الدين بالمصباح وضغط عليه فظهر له العفريت فأمره أن يحضر له اثني عشر طبقا ذهبيا مملوءة بشتى أنواع الطعام. وبعد لحظة، كان أمام علاء الدين وأمه مائدة حوت ما لذ وطاب من الطعام. وفي اليوم التالي باع علاء الدين الأطباق الذهبية وعاش مع أمه مرتاح البال.
وذات يوم كان علاء الدين يتنزه أمام قصر السلطان ، فلمح ابنته أمام نافذتها، وكانت باهرة الجمال، فتمنى أن يتزوجها.
ولما عاد إلى بيته، قص على أمه ما رآه، وأخبرها عن رغبته في الزواج من الأميرة الجميلة. فقالت له أمه في حنان: إن من يطلب يد الأميرة ينبغي أن يتقرب من السلطان بهدايا ثمينة لم يسبق أن تقدم له بها أحد من قبل .
أسرع علاء الدين إلى المصباح وضغط عليه، فظهر أمامه عفريت الجن فأمره أن يحضر له من الأحجار الكريمة والجواهر الثمينة ما لم يقدم للسلطان من قبل. وفي لمح البصر كان كل ما طلبه علاء الدين حاضراً بين يديه.
أخذت والدة علاء الدين هذه الهدايا الثمينة وذهبت إلى قصر السلطان وطلبت مقابلته . ولما سمح لها بذلك قدمت هدايا ابنها علاء الدين بين يديه، وقالت له: هذه يا مولاي هدايا ابني علاء الدين. وهو يقدم لكم الولاء والطاعة، ويطلب التقرب من جلالتكم بطلب يد الأميرة للزواج.
فوافق السلطان على الفور.
كان للسلطان وزير ماهر، سبق له أن رأى الأميرة في حديقة القصر، فأعجب بها وأحب الزواج منها. وبات ينتظر الفرصة السانحة لينال موافقة السلطان على ذلك.
ولما علم أن السلطان سيزوج ابنته من علاء الدين ، دبت الغيرة في قلبه، وقال للسلطان بخبث: إن هدايا علاء الدين أقل بكثير من مكانة الأميرة، فيجب أن نطلب منه يا مولاي أكثر من ذلك وأغلى ، صيانة لمقام الأميرة.
أحضر السلطان أم علاء الدين وأخبرها أن هدية علاء الدين لا تليق بمقام الأميرة، وطلب إليها أن تقدم هدية مقدارها أربعون خابية مملوءة بالذهب والأحجار الكريمة يحملها أربعون عبدا لابسون أجمل الثياب وأغلاها، يدخلون القصر في موكب فخم، يتقدمهم علاء الدين .
دهشت أم علاء الدين لضخامة ما طلبه السلطان هدية لبنته ، بينما كان قلب الوزير يكاد يطير فرحا لاعتقاده أن علاء الدين سيعجز عن تقديم هذه الهدية ، وبذلك تظل الأميرة من نصيبه .
أخبرت أم علاء الدين ابنها بطلب السلطان وهي مضطربة، ولكن علاء الدين طمأنها... وبمثل لمح البصر كان كل ما طلبه السلطان جاهزاً، بفضل عفريت الجن خادم المصباح العجيب .
سار الموكب إلى قصر السلطان يتقدمه علاء الدين على جواده الأصيل وسط إعجاب أهل المدينة.
ولما مثل علاء الدين بين يدي السلطان قدم له الهدايا، فوافق فورا على زواجه من الأميرة، وأقيمت الزينات في كل البلاد احتفالا بهذا الحدث السعيد .
أمر علاء الدين خادم المصباح أن يبني له أمام قصر السلطان قصرا يضاهيه فخامةً وجمالاً ، وأن يحضر له أجمل الملابس، وأن يقوم على حراسة القصر حراس أقوياء. فتم له ما أراد.
وعاش علاء الدين مع زوجته الأميرة في سعادة وهناء.
لما عاد الساحر إلى بيته بعد أن أغلق باب القبو على علاء الدين، اعتقد أنه سيموت جوعا وعطشا.
لكنه بينما كان ينظر ذات يوم في كتب السح، علم أن علاء الدين قد نجا من الموت وأنه صار أميراً محترماً بعد أن تزوج بنت السلطان، فكاد الحقد يقضي عليه.
لكن عقل الساحر هداه إلى حيلة ناجحة تحقق له الاستيلاء على المصباح السحري العجيب.
قصد الساحر مدينة السلطان وتظاهر أنه مسكين يشتري الأمتعة والأواني القديمة من المنازل. ولما وصل قصر علاء الدين، صار يدور حوله وينادي بأعلى صوته: من عنده أمتعة قديمة للبيع؟ من عنده ثياب بالية للبيع؟ سمعته الأميرة، فنادت خادمتها وقالت لها: إن عندنا مصباحاً قديماً متروكا في إحدى زوايا المطبخ، لماذا لا نبيعه ونتخلص من منظره الكريه؟ اذهبي بالمصباح القديم وأعطيه للمنادي .
ولم تكن الأميرة تعلم أن هذا المصباح العجيب هو سر سعادتها وسعادة زوجها.
ما كاد الساحر يستولي على المصباح حتى طلب خادمه الجني وأمره أن يزيل قصر علاء الدين من مكانه وينقله إلى أقاصي الأرض وأن يعود علاء الدين إلى حالته الأولى فقيرا بائسا. وقد تم للساحر الشرير ما أراد. .
عاد علاء الدين في المساء إلى قصره فلم يجد له أثراً، فعلم أن الساحر الشرير استولى على المصباح السحري وفعل به ما فعل، فحزن على فراق زوجته الأميرة، وضاقت به الدنيا وحار فيما يفعل!
وكان علاء الدين يوما جالسا مع والدته في بيته الحقير حزينا كئيبا، وتذكر الخاتم السحري الذي أعطاه إياه الساحر الشرير عندما طلب إليه النزول إلى القبو. فرك علاء الدين الخاتم في إصبعه، فظهر له الجني خادم الخاتم، فطلب إليه أن يحضر له المصباح السحري في الحال. في مثل لمح البصر كان المصباح السحري بين يدي علاء الدين، فضغط عليه، فحضر الجني، فأمره أن يحضر له الساحر الشرير ذليلا بين يديه.
نفذ الجني طلب علاء الدين فوراً، وحضر الساحر مطأطئ الرأس ذليلاً، فقال له علاء الدين:
- لن أقابل غدرك وإساءتك لي بمثلها ، وإنما سأعيدك إلى بلادك البعيدة ليتخلص أهل بلدي من شرك .
وفي الحال طار الجني بالساحر إلى بلاده البعيدة .
ثم طلب علاء الدين من الجني خادم المصباح أن يعيد له قصره وزوجته الأميرة .
وفي الحال عاد القصر إلى مكانه فخماً رائعا كما كان، وعاد علاء الدين ليعيش فيه مع زوجته الأميرة في سعادة .
وحفظ علاء الدين المصباح في مكان أمين لا يستطيع أحد أن يهتدي إليه . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سدّ سـبأ العظيم 57
كان في قديم الزّمان، في بلاد اليَمن، ملك عظيم اسمه "يعرب بن قحطان". وقد استطاع هذا الملك، وبقيادته الحكيمة، أن يتغلّب على أعدائه جميعهم ويحكم مدّةً طويلةً من الزمن. وكان له عدد كبير من الإخوة والأبناء اعتمد عليهم في تسيير أمور البلاد الواسعة التي حكمها.
خلف "يعرب" في الملك ابنه "يشجب". وكان ملكًا عادلاً يملك قصرًا جميلاً بُنِيَ فوق ربوةٍ عاليةٍ، وزُيِّن بالصّوَر والنقوش الهندسية، وكان له ولدٌ ذكيّ اسمه "سَـبأ". كان الإبن يشبه أباه في أخلاقه وحبّه للشّعب، ولكنّه كان يكره الحفلات والإجتماعات الصاخبة التي كانت تجري في قصر أبيه الملك. لذلك كان يقضي معظم أوقاته في الحقول والبساتين مع العمّال والفلاّحين، يُشاركهم حياتهم ويتحسّس آلامهم، ويفكّر في حلّ مشاكلهم. جعل ذلك السلوك الملك يخاف على مستقبل ابنه. فالآباء لا يهمّهم شيء في الحياة أكثر من مستقبل أولادهم. لذلك قرّر مفاتحة ابنه في الأمر. فقال له: "يا بُنَيّ، إنّ غيابك عن الإجتماعات التي تُعقَد في القصر، يضيّع عليك فرصة التعلّم واكتساب الخبرة، فتعجز في المستقبل عن إدارة شؤون الدّولة". فأجابه سَبـأ: "أنتَ على حقٍ يا أبي، يجب على الإنسان أن يتعلّم. لكن اكتساب الخبرة يجب أن يكون عمليًا، ومِن الأفضل للحاكم أن يختلط بالشّعب ليتعرّف إلى آلامه وحاجاته فيُعالجها". اقتنع الملك بوجهة نظر ابنه ودعا له بالتّوفيق. وذات يومٍ، خرج سبأ من قصر أبيه، ومشى نحو الحقول مُطرقًا يفكّر في أمرٍ مهمٍ هو: كيف يمكن توفير المياه للبلاد عندما تنحبس الأمطار؟ وقف على قمّة جبلٍ، وأخذ يتأمّل جدولاً صغيرًا ينساب في أعماق الوادي، فحدّث نفسه قائلاً: "إذا كانت قطرات المطر الصغيرة تتجمّع فتشكّل سيولاً جارفةً، أفلا يمكن خزن مياه هذا الجدول في الشّتاء فتتجمّع مياه كثيرة ندخرها ونستعملها حسب الحاجة؟". وأراد أن يجري تجربةً، فنزل إلى الجدول، وأخذ يردم مجراه بالحجارة والتراب، فلاحظ أنّ المياه تتجمّع ثم تجرف الجدار الصغير الذي أنشأه. عندما تعب من تكرار العمل، جلس في ظلّ شجرةٍ قريبةٍ وأخذ يفكّر في ما يجب عليه عمله. وبينما هو على هذه الحال، وقع نظره على يمامةٍ تحلّق في الفضاء وهي تحمل في منقارها قشّةً صغيرةً، ثم تقف على رأس شجرةٍ عاليةٍ، فتضع القشّة بين أغصانها، ثم تطير وتغيب عن النّظر لتعود بعد قليلٍ، وقد أحضرت قشةً أخرى تضعها مع الأولى. وهكذا استمرّت تفعل طوال النهار. فقال في نفسه: "إذا كانت هذه اليمامة الضّعيفة تستطيع بفضل حكمتها وصبرها أن تحقّق هدفها وتبني عشّها، فكيف لا أستطيع أنا بمساعدة الشّعب كلّه أن أبنيَ سدّا عظيمًا يجمع مياه الجداول والأمطار؟" عاد سبأ إلى أبيه، وأخذ يشرح له أفكاره، لكنّ الملك لم يهتم كثيرًا لحديث ابنه لإنشغاله بأمورٍ أخرى، الأمر الذي أزعج سبأ وجعله يفكر في التخلي عن مشروعه. لكنه لما عاد إلى نفسه، تذكّر كفاح اليمامة في بناء عشها، فلم ييأس، بل ذهب إلى المهندس البابلي المشهور " حبيب " وشرح له مشروعه وأفكاره.
كان حبيب مُهندسًا بارعًا وكان يهتم بأيّة فكرةٍ تُطرَح عليه. لذلك خرج مع سَبأ إلى الوادي، ووقف معه عند المكان الذي حاول فيه سبأ بناء سدّه الصغير، فحَسَب عدد العمّال الضّروريين لبناء السّد، وكمية المياه التي يمكن خزنها وكيفية بناء الأنفاق والأقنية لنقل المياه إلى المزارع والحقول. وعندما انتهى من حساباته، هتف بصوتٍ عالٍ: "يا إلهي، كيف لم أتنبّه لهذا الأمر؟" ثم التفت إلى سبأ وقال: "أيّها الأمير، إن أقامة سدٍ في هذا المكان ستكون أعجوبة العصور. وأنّني أطمح أن أظهر مواهبي هنا في "اليمن السّعيد" فأشتهرُ كما اشتهرت في بلادي بابل العظيمة". وحَدَث أن انحبَست الأمطار في تلك السّنة، وحلّ القحط بالبلاد، وبدأت مياه الآبار تجفّ. وبينما كان النّاس يهجرون قراهم مُتّجهين إلى أماكن تجمع المياه الصغيرة في الجبال، كان المهندس البابلي حبيب يضع مع سبأ مخطّطات المشروع العظيم. وعندما دعا الملك "يشجب" كبار قومه إلى الإجتماع في القصر لتدارس الأمر، والبحث عن حلٍّ يحميهم من الكارثة التي حلّت بهم، حضر سبأ والمهندس البابلي ومعهما خرائط مشروعهما، وجلسا بين النّاس يستمعون إلى المناقشات. بَدأت الجلسة، واحتدم النّقاش، ولم يستطع المجتمعون الوصول إلى نتيجةٍ. فبعضهم أشار بالهجرة إلى بلاد ما بين النهرين في العراق حيث تكثر المياه والمراعي، ومنهم مَن اقترح هجرةً قريبةً إلى أماكن تجمع المياه في الجبال بانتظار هطول الأمطار، ومنهم من قدّم اقتراحات غريبة لا تقبلها العقول السّليمة.. ولمّا عَلَت أصوات القوم بالنقاش، وقف المهندس البابلي وقال بصوتٍ هادئٍ: "أيّها القوم، إنّ أفضل حلٍ لمشاكلنا هو نجاحنا بالإحتفاظ بمياه الشّتاء في خزّانٍ كبيرٍ، ثم نَقلِها واستعمالها عندما تدعو الحاجة إليها في فصل الصيف". ولمّا سمع القوم المُجتمعون هذا الكلام، حدث هرج ومرج، وعلت بعض الأصوات: لا مجال للمزاح الآن وإضاعة الوقت! ولكن هدوء حبيب جعل جميع الحضور يصمتون، ثم قال أحدهم: "وكيف نجمع المياه وننقلها". ردّ حبيب: "الجواب عند الأمير سبأ". تطلّع الجميع إلى الأمير سبأ بإكبارٍ، فأخذ الأمير يشرح لهم مشروع السد، مُستعينًا بالمخطّطات التي أعدّها المهندس البابلي حبيب. ودار النقاش مُجددًا، وتضاربت الآراء، ثم انفض الإجتماع بالإتفاق على إقامة "سدّ سبأ" في الوادي الكبير، وهو السّد ذاته الذي يسمّونه أيضًا: "سدّ مأرب". خرج أهالي اليمن كلّهم، رجالاً ونساءً، يعملون في السّد بإشراف سبأ والمهندس حبيب. ولم يمض طويل وقت حتى بدأ السد بالإرتفاع شيئًا فشيئًا. واهتم الملك بتنفيذ المشروع، فصرف كلّ ما لديه من أموالٍ في بناء السّد. وعندما انتهى بناؤه بعد شهورٍ وسنينٍ طويلة من العمل الشّاق، كان آيةً في الجمال وأعجوبةً هندسيةً لا مثيل لها في ذلك الزّمان. وبينما كان اليمنيون يحتفلون بانتهاء البناء، هطلت الأمطار بغزارة وبدأت المياه تتجمّع خلف السد. وعندما أقبل الربيع، بدأت المياه تنساب في الأقنية من السدّ العظيم لتسقي المزروعات، وعمّ الخير جميع الفلاحين، وحافظ اليمن على اسمه "اليمن السّعيد". ومرّت الأيام، ومات الملك يشجب وسبأ والمُهندس حبيب، لكنّ إسم "سـبأ" بَقي على مرّ الأيام، حتّى بعدما تهدّم سدّه العظيم. وهكذا يُخلّد كلّ عملٍ عظيمٍ صاحبه على مرّ الأيّام والعصور. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
58 زرقاء اليمامة
منذ سنوات بعيدة، بعيدة جدّا، كان يسكن أرض اليمامة قبيلتان كبيرتان قويّتان، تقوم بينهما حروب كثيرة. وظهرت في إحجى القبيلتين فتاة صغيرة، كان نظرها قويا، تستطيع أن ترى بعينيها مسافات بعيدة، بعيدة، ولذلك سمّاها الناس زرقاء اليمامة.
فرح أهل القبيلتين بالفتاة، فقد كانت تساعدهم في الحروب. تقف فوق جبل عال وتنظر في اتجاه أرض الأعداء، وترى جيشهم قادما من بعيد، قبل أن يصل بيومين، فتخبر رجال قبيلتها فيحملون السّلاح، وينتظرون في القلاع، وعندما يقترب رجال قبيلة الأعداء، ينقضّون عليهم ويهزمونهم، وفي كل مرّة ينتصر اهل زرقاء اليمامة على المهاجمين.
وفي آخر النهار تجتمع قبيلة زرقاء اليمامة، وتحتفل بالنّصر، ويهتف الأولاد والبنات تحيّة لزرقاء اليمامة الّتي كانت عيناها القويّتان سببا في انتصار قبيلتها. أدرك قائد قبيلة الأعداء أنهم لن يستطيعواهزيمة قبيلة زرقاء اليمامة.. عرف سرّ زرقاء اليمامة التي تراهم من مسافات بعيدة، وتخبر جيشها فيستعدّون. فكّر قائد الأعداء في حيلة ينتصر بها على قبيلة زرقاء اليمامة. أخيرا اهتدى إلى خطّة ماكرة، جمع القائد جنوده وقال لهم:على كلّ رجل أن يقطع شجرة صغيرة أو غصن شجرة كبير يحملة بيده ويمشي ويختبئ خلفه، حتى إذا نظرت زرقاء اليمامة من بعيد، فلا ترى إلا شجرا فتظنّه مثل بقيّة الشجر، والشجر كثير هنا كما ترون.
نفّذ الجنود أمر القائد، وقف الجيش عند مسافة بعيدة من ديار قبيلة زرقاء اليمامة ينتظر أوامر القائد، أرسل القائد رجلا ليصعد على قمّة جبل قريب من قبيلة زرقاء اليمامة ليأتي بالأخبار.
نظرت زرقاء اليمامة إلى الجبل وقالت لقومها:أرى رجلا فوق الجبل، ينظر ناحيتنا باستمرار. أعتقد أنه جاسوس، هو الآن ينحني ويصلح نعله.
بدأ رجال الأعداء يتحرّكون من خلف الجبل في اتجاه قبيلة زرقاء اليمامة، ومع كل منهم شجرة صغيرة يختبئ ورائها، ساروا بسرعة في اللّيل، وعندما طلع النّهار رأت زرقاء اليمامة شجرا يتحرّك، وكأنّه يمشي، فقالت لقومها:أرى شجرا يمشي نحونا. ضحك الناس من زرقاء اليمامة وسخروا منها، فقالت لهم:
لعلّ وراء هذا الشّجر فرسانا!. لم يهتم القوم بما تقول، وقال شيخ القبيلة:ليس هناك شجر يمشي ويتحرّك، عوجوا إلى بيوتكم، وعند الصّباح نرى جميعا كيف يمشي الشّجر.. ها.. ها.. ها…
لكن، عندما جاء الصّباح، وصل جنود الأعداء، وهجموا على قبيلة زرقاء اليمامة، وقتلوا وأسروا منهم عددا كبيرا.
جلس القائد المنتصر، وأرسل يطلب زرقاء اليمامة وسألها:ماذا رأيت؟. فأخبرته بما ذكرته لأهلها:رأيت رجلا واقفا فوق الجبل يصلح نعله، ثمّ رأيت شجرا يتحرك نحونا. دعا القائد الرجل الذي كان على الجبل وسأله:ماذا كنت تفعل فوق الجبل حين انحنيت؟. قال الرجل انقطع نعلي، فانحنيت أصلحه قال القائد:إذن، صدقت يا زرقاء، ولم يصدق يصدق قوك، ولذلك انتصرنا عليكم هذه المرّة.
قال أهل زرقاء اليمامة:ليتنا لم نسخر منها! ليتنا صدّقناها عندما حذّرتنا! ليتنا صدّقناها!. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الله البرّي وعبد الله البحري 59
كان "عبد الله" الصّياد رجلاً فقيرًا جدًا، وكان له عشرة أولادٍ، يسعى كلّ يومٍ للحصول على قوُتهم. ولم يكن يملك غير شبكته التّي يصطاد بها السّمك من البحر ويبيعه، ثم يشتري بثمنه ما يقتات به هو وأولاده العشرة وزوجه الفقيرة. وما زال كذلك حتّى ماتت زوجته، فحزن لموتها أشدّ الحزن، ولكنه علم أنّ الحزن لا ينفع، فأسلم أمره لله، وصبر على قضائه، ورضي بما قسمه له. وذهب في اليوم الثّاني مبكرًا إلى البحر، بعد أن أوصى ابنته "أمينة" بإخوتها. وكانت أمينة بنتًا مؤدّبةً ذكيّةً، فعنيت بإخوتها خير عناية، وقد أصبحت لهم بعد موت أمّها والدةً ثانيةً، تغمرهم بعطفها وحنانها، وتسهر على خدمتهم، وتقوم بكلّ ما يحتاجون إليه. لمّا وصل "عبد الله الصّياد" إلى شاطئ البحر، ألقى شبكته فيه، ثم أخرجها، فلم يجد فيها شيئًا من السّمك. فألقاها في البحر مرّةً ثانيةً ثم أخرجها، فلم يجد فيها سمكةً واحدةً. ثم ألقاها مرّةً ثالثةً وصبر عليها قليلاً؛ ولمّا جَذَبها وجدها ثقيلةً، ففرح بذلك، وظنّ أنّها مملوءةٌ بالسّمك. ولكنّ فرحه لم يطل. فقد وجدها، بعد أن أخرجها من البحر، مملوءةً بالرّمل والحشائش والوحل. فرمى ما فيها ونظّفها وغسلها، ثم ألقاها مرّةً أخرى، وهو يرجو أن تصطاد شيئًا من السّمك. وصبر عليها مدةً طويلةً وجذبها، فرآها ثقيلةً جدًا. ففرح بذلك، وقال في نفسه: "لا شكّ في أن شبكتي قد امتلأت سمكًا هذه المرة". ثمّ جذبها بكلّ قوّته حتّى أخرجها بعد عناءٍ شديدٍ. فرأى فيها جرّةً مملوءةً بالطّين والحصى. حزن عبد الله الصّياد أشدّ الحزن، وتألّم لسوء بخته. وقال في نفسه: "إنّ الفرج يأتي بعد الشّدة، ولا بدّ من الصّبر، فإن الله سبحانه لن يتركني وأولادي بلا قوتٍ في هذا اليوم الذي لم أر له شبيهًا طوال عمري". ثمّ رمى الجرّة، ونظّف شبكته وغسلها، وذهب بها إلى مكانٍ آخرٍ وألقاها في البحر، فلم تصطد شيئًا. وما زال عبد الله يتنقّل من مكانٍ إلى آخر، ويلقي شبكته من غير فائدةٍ حتّى جاء وقت المساء، ولم يصطد سمكةً واحدةً. فرجع أدراجه إلى البيت، وهو متألّم حزين لما لقيه في ذلك اليوم المنحوس! وما زال عبد الله الصّياد سائرًا في طريقه وهو متألّم كئيب، يُفكّر في أولاده العشرة الذّين تركهم في البيت من الصّباح بلا طعام، حتّى وصل إلى دكّان خبّازٍ غنيٍّ معروفٍ، اسمه "عبد الله الخباز"، فرأى الناس مُزدحمين على دكّانه لشراء الخبز، وهو مشغول بالبيع. كان عبد الله الصّياد جائعًا ولم يذق طعامًا في نهاره. فلمّا رأى الخبز أمامه وهو خارج من الفرن، اشتهته نفسه، وتذكّر أولاده العشرة الجائعين. فتحسّر لفقره وعجزه عن شراء ما يقتاتون به. ولكنه صبر على قضاء الله، وعلم أن رزقه لا بدّ آتيه. كان عبد الله الخبّاز صاحب هذا الفرن رجلاً مُحسنًا كريمًا مُحبًا للخير. فلمّا رأى عبد الله الصّياد واقفًا أمام دكّانه، محزونًا متألّماً، ينظر إلى الخبز بلهفةٍ وحسرةٍ، عرف أنّه فقيرٌ محتاجٌ جائعٌ، وأدرك أنّ نفسه تشتهي الخبز، ويمنعه الخجل والحياء من السّؤال. فناداه برفقٍ وهو يبتسم له: "مرحبا بك أيّها الصّياد، تعال إليّ أيّها الرّفيق العزيز.. هلمّ يا صاحبي، فخُذْ ما تحتاج إليه من الخبز". سكت عبد الله الصّياد وظهرت عليه أمارات الإرتباك والخجل، ولم يجرؤ على طلب شيء من الخبز لأنّه كان على فقره عزيز النّفس، ولم يتعود في حياته المسألة (الشّحاذة). فقال له عبد الله الخبّاز، وقد أدرك ما يجول في نفسه: "لا تخجل يا صاحبي، فلن أطالبك الآن بثمن ما تأخذه من الخبز". تشجّع عبد الله الصّياد قليلاً، وقال له: "الحقّ يا سيّدي أننّي خجل منك، فليس معي نقود أشتري بها ما أحتاج إليه من الخبز في هذا اليوم. فإذا شئت أعطيتك شبكتي، لتكون رهنًا عندك مقابل ما آخذه من الخبز لأطفالي العشرة الصّغار، الذين تركتهم في الصباح بلا طعامٍ، حتى يُيَسِّرُ ليَ الله، فأعطيك ثمن ما أخذته من الخبز". فزاد عطف الخبّاز وتأثّره، فقال له مترفّقا مبتسمًا: "ومن أين تحصل على المال إذا أخذتُ منك شبكتك التي تصطادُ بها؟ كلا، لا تقلق بالك يا صاحبي بشيءٍ من ذلك، وتعال فخذ ما تشاء من الخبز، ثم أحضر لي بثمنه سمكًا ممّا تصطاد متّى يَسرّ الله لك". ولمّا رأى الخبّاز تردّد الصّياد وارتباكه وحياءه أعطاه ما يكفيه هو وأولاده العشرة من الخبز، وقال له: "خُذ هذه النّقود يا صاحبي، فاشتر بها لأولادك العشرة شيئًا من اللّحم والفاكهة والحلوى. فشكره عبد الله الصّياد على كرمه ومروءته، وأخذ منه ما أعطاه له. وانصرف وهو فرحان، واشترى لأولاده أطيب المآكل. وعاد إلى بيته، وقد تبدّل يأسه أملاً وحزنه سرورًا. في اليوم التّالي، ذهب عبد الله الصّياد إلى البحر، وظلّ يلقي شبكته، ثم يخرجها، فلا يجد فيها شيئًا من السّمك. وما زال كذلك حتّى خيّم الليل، فارتدّ راجعًا إلى بيته. ولما اقترب من دكان عبد الله الخبّاز، أسرع في سيره حتّى لا يراه. ولكنّ الخباز رآه وهو يسرع في خطاه، فأدرك أن خجله وحياءه يمنعانه من طلب ما يحتاجُ إليه من الخبز والمال في تلك اللّيلة، فناداه: "تعال ي