ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
| الجرادة | المعركة والغزال | الصهيل الأخضر |
| العرس | السوط والجرح | الحزن والغضب |
| أم السعد في رحلة الحرب | الرصاص لا ينتظر | لكنه لم يعد |
| واحة كبيرة تضج بالغناء | الطريق إلى الاوراس | الرجل الذي فقد حذاءه |
أولا : الصهيل الأخضر
يـروى أن صـالحـة لم ترزق إلا بـولـد واحـد إلى يــوم أن غـادر زوجها البيت في ليلـة خريفيـة ولم يعـد . ما حدث في تلك الليلـة كان أمرا غريبا لم تفهمه ، وظلت تفكر فيه طوال الوقت دون أن تعيه أو تفهمه . في المساء عاد من الحقل واجما على غير عادته ،اغتسل وغير ثيابه ، ثم قعد على الحصيرة يعصر يديه ، جاءته بطعام العشاء فانحنى عليـه وبـدأ يأكـل في صمت ، بعـد أن انتهى من عشائـه أحضرت له الشاي فشربـه ساخنا في جرعات كبيرة ، كل ذلك ولم يرفع إليها عينيه أو يفتح فمه بكلمة واحدة ، هم ثقيل يجثم على صدره ، هذا ما يبدو وهي لابد أن تعرفه عاجلا أو آجلا . لقد عرفته طوال حياتهما معا تحت سقف واحد كرجل مرح الطبع ، يميل إلى الفكاهة وقلبه حنون ، كل ما يشغله إلى جانب عمله أن يدخل السرور على نفسها ، كان يتفنن في سرد الطرائف التي تضحكها ، وهو أول من يضحك بنشوة حتى تدمع عيناه . إذن ما الذي جد عليه وقلبه إلى مخلوق عابس يغرق في الصمت ، انتظرت أن يقول شيئا من تلقاه نفسه إلى أن ضاقت بالانتظار ، فهمت بأن تسأله عما يكدر صفوه ، ولكنه كان قد نهض ومشى إلى الخارج ، لحقت به ، وعند الباب توقف وخاطبها بصوت مضطرب ردي بالك من صالح يا صالحة .... فأجابته : ” لا تخف عليه ... لو تدري أين يذهب في هذا الليل الذي تتخلله رياح باردة لها صدى موحش كيف يوصيها بابنها وهي التي ترى فيه صورة القمر عندما يكون بدرا ، ترى فيه وجه الربيع عند تفتح الزهور ، هو حلمها الوردي الذي يقف على أعتاب اليوم الجديد ، من شغفها به تود لو أنها تقدر أن تخفيه تحت جفنيها حتى لا يتعرض لأي مكروه . لم تعرف ما الذي يشغله ويضغط على أعصابه بلا هوادة فلتسأله على الأقل عن وجهته في ليلة كئيبة كهذه الليلة .. ولكن السؤال ظل ملتصقا بشفتيها ، فقد خطا الرجل إلى الأمام بسرعة واختفى في الظلام ينحدر الممر الضيق الموازي لساحل البحر متعرجا عند الهضبة الرملية مخلفا وراءه القرى الصغيرة المتناثرة على رقعة من الأراضي الخضراء والمزروعات التي تسقى بمياه الآبار ، وغابات من أشجار الزيتون تخفي ما وراءها ، تبدو البيوت ساكنة عند حلول الليل ، إلا من نقيق الضفادع في أحواض المياه والسواني التي لم تجف بعد . مشى بن بركة باتجاه ذلك الممر لا يسمع في الهدوء الذي يلفه إلا صوت أنفاسه أو صوت تدحرج الأحجار التي يتعثر فيها . وكانت الرياح تصفر بين الأشجار ، وكان قد قطع شوطا كبيرا من رحلته عندما انطلق من مكان ما نعيق بومة ، وعلى اثر ذلك نبحت الكلاب بشدة كما لو أن النعيق أيقظها من سباتها وأثار هياجها ، لتنبح الكلاب خيالات الليل كما تشاء ، فهو قد بدا يشم رائحة أعشاب البحر ، ومعنى هذا أنه لم يعد بعيدا عن هدفه ، ومهما كان الأمر فهو لم يتخل عن حذره ، الظلام الحالك يخفيه عن العيون ولكن ذلك ليس مما يبعث الطمأنينة في نفسه إلا بقدر ضئيل فالجنود الطليان والأحباش المنبثين في المنطقة كالخفافيش لا يعجزهم إذا ما سمعوا صوت تنفسه أو رأوا خياله أن يزيحوا الظلام من حوله عبر كشافات الضوء كما يزيح المرء ستارة خفيفة بيده أخفى بن بركة سلاحه تحت عباءته ، ومضى في طريقه وهو يصارع التعب والنعاس ، أطل البحر ، ها هو يسمع هدير أمواجه دون أن يراها ، فلا أثر لضوء القمر . ففي المساء شرعت السحب الخريفية تتراكم فوق البحر ، ثم تسبح ببطيء في اتجاه الشرق ، حث بن بركة خطاه دون أن يلتفت وراءه ، ولم يبق إلا مسافة قصيرة ويصل إلى الصخرة الحمراء ، هذه الصخرة التي تلطخت بدم فلاح عجوز أعدمه الطليان بجوارها دون أن يقترف أي ذنب ، كل الحكاية أنه ممر ممتطيا حماره قرب سارية رفع فوقها العلم الايطالي فلم يهتم العجوز بأن يترجل من فوق دابته ويقف تحية للعلم . هذه الليلة سوف ينتقمون لذلك الفلاح البريء . لقد ضرب موعدا لجماعة من المجاهدين في ذلك الموقع . سوف يتسللون إلى مخزن الذخيرة في المعسكر وينسفونه وفكر بن بركة أنه قد سبق الآخرين بوقت طويل ، فهو قد تعجل عن قصد بخروجه من منزله ، إذ أنه لم يتعود من قبل أن يخفي شيئا عن زوجته ، ولكن هذا السر لا يخصه وحده ، ثم هو يخشى فيما لو أطال مكوثه في البيت أن تلح زوجته في السؤال فيبوح لها بكل شيء رغم أنفه . وفي هذه الحالة فمن المحتمل أن تنوح زوجته وتشد شعرها أو تولول حتى يسمعها كل أهل القرية ، وليس غريبا بعد ذلك أن يهرعوا نحو منزله بسرعة الريح ويعطلونه عن مهمته . تقدم بن بركة في طريقه ، وكان يسمع ضجة تلاطم الأمواج على الشاطئ ، يقلب أفكاره المضطربة في رأسه ، يفكر في ابنه وزوجته ، في حياته التي لا تساوي في زمن الحرب أكثر من رصاصة ، ثم تأتي خطة الهجوم فيناقشها في نفسه بكل تفاصيلها الخطة محكمة ليس فيها أي خلل والأمل في النجاح كبير ، إلا إذا جرى القدر بغير ذلك وهو ما لا يملك أي واحد منهم أن يتحكم فيه ومشى كالشبح في الظلام لا يدري شيئا عما يدور حوله . فلم ينتبه إلى الأضواء التي لمعت وراء ظهره ، للحظة رأى ظله على الصخور لكنه لم يتوقف إلى أن رأى بقعة من الضوء على الأرض ، فجمد في مكانه وحبس أنفاسه ، قوس ظهره وأراد أن يتجنبها غير أنها تحركت نحوه بسرعة ، عند ذلك عرف كل شيء ، أيقن أن هناك من يراقبه ، فأخذ يجري بكل قواه ، كان قريبا من البحر فاتجه نحوه ، ولكنه قبل أن يقفز في الماء انهال عليه وابل من الرصاص . انكب بن بركة على وجهه فوق الصخور ، وظل ينزف إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة . بعد يومين وصل خبر مقتله إلى زوجته . جاءها في غبشة الفجر رجل ملثم لم يذكر لها حتى اسمه ، ألقى عليها الخبر الحزين في كلمات قليلة ، ترك لها البندقية ومبلغا صغيرا من النقود هي كل ما عثر عليه في جيب زوجها ثم انصرف مسرعا ، وبقيت صالحة ملتصقة بحافة الباب هامدة إلا من رعشة خفيفة تهز بدنها النحيف ، كان للخبر طعم الحنظل ، وهى لا تقوى على إبتلاعه أو هضمه ببساطة ، ومع ذلك فهي لم تدرف دمعة واحدة ، وردت المعزين على أعقابهم وأغلقت بابها في وجوههم ، فقد تذكرت ما كان يقوله إمام الجامع من " أن أولئك الذين يقتلون في سبيل الله هم أحياء عند ربهم يرزقون " إذن فزوجها مازال حيا حتى إذا غاب عن البيت إلى الأبد ، انه على الأقل لم يمت في فراشه كرجل جبان في وقت يريد فيه العدو أن يطوي هذه الأرض كمن يطوي بساطا ويحمله على ظهره ، لهذا الهدف جند كل قواته ، فإذا قعد الرجال عن الحرب والمقاومة وبخلوا بدمائهم فان البساط لن يلبث أن يطوى بالفعل . لم يعد لديها الآن إلا ابنها الصغير صالح ، كل ما تبقى لها في الدنيا وهو ما تعيش من أجله ، نظرت إليه وهو يلعب قرب حظيرة الدجاج ، يركب قطعة من الخشب ، يتمايل إلى الأمام وإلى الخلف ويصدر أصواتا مكتومة كتلك التي تصدر عن راكب فرس ، نادت عليه وهى تجلس عند عتبة الدار شاردة الذهن . وقالت له عندما اقترب منها : هل تدري يا صالح أن والدك قتله الطليان ؟ فأطرق الطفل ولم يجب بشيء . فأضافت الأم بصوت حزين : عليك يا صالح أن تأخد بثأره عندما تكبر ، قد تسمع صوته يدعو لك وأنت تمر من نفس الطريق . في هذه اللحظة تبللت عيناها بالدموع . انصرف صالح إلى اللعب بقية النهار ، يركب خشبته ويتمايل أو يضعها بين ساقيه ويجرها على التراب ، وفي الليل بعد أن تعشى رقد في فراشه ، ولكنه بقي يتقلب على جنبه وظهره مفتوح العينين ، فكر كيف أن والده لن يعود إلى البيت مرة أخرى ، الطليان قتلوه وهو لا يفهم كيف ولماذا حدث ذلك ، قتلوه قبل أن يأتيه بالفرس ، كان يوصيه بأن يشتري له واحدة كلما رآه يخرج إلى السوق ، كانت كل أحلامه تذهب وتجيء على هيئة فرس يمتطيه ويطير بها فلا تكاد قوائمها تلمس الأرض من سرعة العدو ، لقد غدا حلمه بعد مقتل أبيه بعيدا ونائيا كتلك النجمة التي يراها في السماء من شباك الحجرة الضيق ، سوف يعتمد على نفسه في تحقيق أمنيته ، أمه تنتظر أن يكبر ، وهي تعده لكي يكون محاربا قويا صلبا لا يخشى الصعاب ، لكي يثأر لأبيه ، فأي مهمة عليه أن يحققها ويسعى إليها قبل الأخرى .. ؟ أغفى عينيه على ضوء نجمة وصوت فرس يعدو وجه أمه الذي كان يشحب من الانفعال وهي تحدثه عن الثأر من الطليان . مرت السنوات بسرعة كما لو أنها أوراق جافة تساقطت من شجرة الريح بشدة . وكان صالح فرحا بمرورها ، يود لو أنها تجسدت في شيء ما لكي يدفعها بيديه كما يدفع المرء عربة ذات عجلات ، كان يدرك أن صغر سنه يحول بينه وبين النهوض بالمهمة التي يستعجلها . كان يفكر أنه عندما يكبر سوف يضرب عصفورين بحجر واحد يقتني فرسا ويثأر لأبيه من الطليان المجرمين ، فالمحارب يحتاج إلى فرس ، فليس من المعقول أن يطارد جنود العدو الذين يركبون عربات آلية وخيولا وهو يجري على قدميه . أخذ صالح يقيس طوله بظله الذي يتحرك بجانبه في الشمس ، أو يقف عند الباب ويشد جسمه فيرى أن رأسه يكاد يبلغ حافته ، في كل يوم كان يتوقع أن تدعوه أمه إليها قائلة بأنه لم يعد طفلا ، وانه بلغ السن التي يستطيع فيها أن يؤدي رسالته الحميمة تجاه أبيه ووطنه الجريح الذي لابد أنه يئن ويتوجع دون صوت . كان يتجول في الحقول أو يتسلق نخلة عالية حتى رأسها ثم يقفز إلى الأرض ، ويمشي من جديد متمهلا تحت وطأة عبئ من الظنون المزعجة ، فقد سيطر على تفكيره وهو يودع عامه السادس عشر بأن أمه قد أقلعت عن فكرة الثأر أو أنها رمت بها جانبا تحت تأثير عاطفة الأمومة ولكونها لم تنجب غيره ، فهو وحيدها ، لهذا ربما قررت أن تحتفظ به قربها في منأى عن المخاطر وأهوال الحرب . كما أنها لم تعد تحدثه منذ فترة من الوقت عن جرائم الطليان البشعة التي يقترفونها ضد الأهالي المسالمين خاصة من النساء والأطفال عقب كل هزيمة تلحق بهم على أيدي المجاهدين والثوار ، فهم يجتاحون القرى الآمنة تعميهم شهوة الانتقام فيقتلون كل من يصادفهم في طريقهم ، يقتحمون البيوت ويحطمون كل ما يعثرون عليه ، ويضرمون النار في المزروعات والأشجار ويصادرون الحيوانات من أصحابها . هذه الخواطر لم تكن تفارق رأسه حتى عندما تكلفه أمه بعمل ما ، كأن يجمع أعواد الحطب وأوراق الأشجار الجافة التي تشعلها أمه تحت قدر الطعام أو عندما يخرج للبحث عن دجاجة لم تعد إلى الحظيرة عند غروب الشمس ، حتى عندما يدخل الجامع للصلاة يظل قلبه يخفق بتلك اللحظة الحاسمة في حياته ، أي اللحظة التي يركب فيها فرسا في معركة ضد الطليان ، لم يكن يتأخر عن مساعدة أمه في كل ما تطلبه منه ، إلا أنه أصبح في الفترة الأخيرة مشتت الذهن كئيبا . عند عودته من الجامع في أحد الأيام نظرت إليه أمه بطرف عينها وابتسمت ، جاءته بطعام الغداء وجلست قبالته تنظر إلى وجهه الذي نبت فيه زغب أصفر ، عندما انتهى من الغداء قالت له : لقد أصبحت رجلا يا صالح وأنت تعرف أن الطليان .... فرفع صالح رأسه وحدق في وجه أمه ... لكم طال انتظاره لهذا اليوم .. وقال مقاطعا أمه : أعرف يا أمي .. لم أنس قط ما فعله الطليان بأبي سأذهب هذه الساعة إذا شئت .. فدعكت الأم يديها وقالت : إذا كانت هذه رغبتك يا صالح .. ؟ ومن غير تردد أجاب صالح : أذهب اليوم في العشية .. ما رأيك .. ؟ انضم صالح إلى المجاهدين ، وقد رافقته أمه حتى رأى الطريق عند مشارف القرية وهي توصيه بأن يكون مطيعا للأوامر ، لا يضمر إلا الخير لأولئك الرجال الذين هجروا حقولهم وأسرهم في سبيل الوطن ، وأن يتقدم الصفوف عند نشوب القتال ، فإذا كان الموت قدرا لا مفر منه عاجلا أو آجلا فانه من العار على الإنسان أن يهابه أو يهرب من وجهه خاصة لواحد مثله .. يحارب طلبا لثأر أبيه ودفاعا عن شرف وحرية وطنه . هز صالح رأسه ومضى في طريقه ، في معسكر المجاهدين ، كان عليه أن ينتظر دوره في الحصول على بندقية لقلة السلاح وصعوبة توفيره ، ولكنه لم يشعر بالضجر لحظة واحدة فقد أخذ يتدرب على استعمال البندقية ، وعندما أجاد استعمالها لم يركن إلى البطالة بينما هناك مهمات كثيرة يمكنه أن يقوم بها . تطوع في البدء بحمل الرسائل إلى أسر المجاهدين في القرى البعيدة ، فإذا نشب القتال وجه كل اهتمامه إلى العناية بالجرحى والسهر على راحتهم ، كما كان يشرف على نظافة الموقع وجلب الماء من البئر ، وتقديم العلف إلى الخيول التي شغف بركوبها وهو ما زال طفلا ، كما كان يهتم بنظافتها من العرق والغبار . كان كلما نظر إلى الفرسان وهم يمتطون خيولهم شعر بحلمه الطفولي يتحرك في أعماقه غضا وملحا ، فيتساءل في نفسه : " متى يا ترى يحصل على فرس وبندقية ، الوقت يمر بطيئا برغم من كل الأعمال التي تشغله في المعسكر ، كم مرة اقترب من أحد الفرسان يسأله بأدب أن يتخلى له عن حصانه لساعة واحدة أو حتى بضع دقائق فينظر له الفارس من فوق حصانه ويجيبه ضاحكا : ساعة واحدة أو بضع دقائق .. أنت ولد نشط ليس هذا بكثير عليك ، عندما أعود أعطيك الحصان .. ثم يلتفت إليه مضيفا : هذا إذا عدت حيا ... فيهتف صالح من أعماق روحه : إن شاء الله تعود سالما يا عم ... جمع صالح وعودا كثيرة قد تكون بعدد الحصى في المعسكر من غير أن يتحقق أي واحد منها ، فكان يغتم لذلك وينظر إلى حظه على أنه حظ من تراب ، هذا ما تقوله أمه على أولئك الذين يسوء حظهم في الحياة ، لكنه مصمم على أن يحصل على فرس بأي ثمن . انقضت الأسابيع الأخيرة من فصل الشتاء ، اعتدل الجو ثم أخذت الحرارة في الارتفاع تدريجيا ، نضجت محاصيل القمح والشعير وبدأ الفلاحون ينتظرون موسم الحصاد ، فقد آن لهم أن يجنوا ثمار جهودهم طوال العام . لقد فرغت مخازن الغلال ويجب أن تمتلئ وإلا فما فائدة أن يكدحوا ويعرقوا وأن تتشقق أقدامهم وتتسلخ أيديهم ، فلابد من أن يتوفر الخبز في أيديهم ذلك أن الجوع قاس لا يرحم . في ليلة حارة من ليالي موسم الحصاد عرض قائد المجاهدين على رفاقه القيام بمهمة تطوعية تحتاج كي تتم بنجاح قدرا عاليا من الحذر والحيطة ، فأول شروطها تجنب الاشتباك مع العدو إلا في حالة الضرورة القصوى . ذكر لهم بأن المحصول الذي زرعوه في الشتاء قد نضج وحان حصاده ، ومن سوء الحظ أن تلك الأرض المزروعة قد وقعت في أيدي الطليان ، مع ذلك فانه ينبغي عدم التفريط في حبة واحدة من المحصول ، يجب حرمان العدو من الانتفاع به دون حرقه لأن ذلك يؤثر في تموين المجاهدين للعام القادم . أدار عينيه في الرجال الملتفين حوله ثم قال : من منكم يرى نفسه أهلا لهذه المهمة ، نحن في حاجة إلى عشرة رجال .... رفع صالح يده عاليا ، وقال في نفسه بأنه سوف يشترك في جني المحصول ولكنه لن يعود دون فرس . عادت المجموعة محملة بأكياس الشعير والقمح من غير أن يفطن العدو إلى ذلك ، أما صالح فلم يعد ، فهو لم يستطع أن يقاوم حلمه القديم في الحصول على فرس يركبها في المعارك ، ويتجول بها في القرى والواحات القريبة ، ويسابق بها من يريد السباق . لقد كبر معه حلمه كالجذر الذي ينبثق من التربة صغيرا وطريا ثم يشتد عوده ويخضر ، الحلم يكبر في نفسه كل يوم دون أن تأتي الفرصة لتحقيقه أو تجسيده كما يريد . حانت الفرصة أخيرا ، وهو لن يفرط فيها بأي حال من الأحوال ، الاصطبل في معسكر الطليان يزدحم بالخيول ، وهو يعرف أن أغلب هذه الخيول أخذها الطليان من أصحابها مجانا ، بالتهديد ، أو بطريقة اللص الذي يشرع سلاحه في وجه صاحب البيت ويستولي على أملاكه ، إذن فلا لوم عليه ، إذ هو استرد واحدا من هذه الخيول . توجه نحو المعسكر وتجنب المرور بالبوابة التي يتجول أمامها الحراس وأسلحتهم على أكتافهم ، من بعيد رأى أضواء حمراء تلمع كالجمر الذي يتوهج في الريح ، لف حول المعسكر بحذر ، تقدم نحو السياج من الجهة المعتمة التي يصل إليها ضوء القمر واهنا ، كان القمر يقف على رأس نخلة طويلة ، أو هكذا ظهر لصالح في تلك اللحظة ، وجد صالح أنه من المستحيل عليه أن يقفز فوق السياج لعلوه ، وقف حائرا برهة ثم تذكر منجله ، سوف يحفر بالمنجل تحت السياج ، وبدأ الحفر على الفور ، أدركه التعب بعد ما يقرب من ساعة وهو يعمل دون توقف ، دس جسده النحيل في النفق ، فوجد أنه يتسع له ، فتسلل إلى الداخل زاحفا على بطنه ، شعر بألم احتكاك صدره بالأرض الخشنة ، نهض وهو يلهث وفكر بأن كل شيء يمكن احتماله إذا وفق في مسعاه . نظر حوله وشعر بالخوف لأول مرة ، فهو بلا سلاح ، ومنجله لا يفيد في معركة يتطاير فيها الرصاص ، لكنه لن يعود أدراجه دون فرس بأي حال ، والمهم أن يفتش عن موقع الاصطبل في هذا المعسكر المظلم الذي يبدو من الاتساع كما لو أن سياجه يلف حول ربع الصحراء ، أخذ يتجول في المكان متقدما بصورة تلقائية نحو الأضواء الحمراء التي جذبت انتباهه من البداية ، فهناك تظهر عدة أبنية من الخشب تناثرت على مساحة كبيرة دون نظام ، غير أنه لا يعرف في أي منها تبيت الخيول ، جلس ليرتاح تحت شجرة نخيل ، فهو لم يعد يقوى على الحركة ، وتشوش ذهنه ، سوف يرتاح قليلا ، ولكنه لن يستسلم للنعاس ، بالرغم من تعبه الذي يثقل على ساقيه كطوق من الحديد ، غالب النعاس فترة من الوقت ثم غفى ، في أحلامه رأى وجه أمه وهي تودعه عند طرف القرية ، رأى طائرا كبيرا يسبح في الفضاء ثم يهوي ، ورأى نفسه يركب حصانا خشبيا ، أشجار تتحرك وتسير ، وشعر بحشرة كبيرة تقرصه في عنقه ، وارتفع فجأة صهيل فرس ، الصهيل ليس حلما ، فتح عينيه وهب واقفا ، الصوت الذي يهز الصمت يناديه ويلح عليه في أن يسرع ، انتابته قشعريرة حادة عندما أصبح قريبا من هدفه ، الاصطبل أكبر مما تخيل بكثير ، يحتل مساحة كبيرة من الأرض وله عدة أبواب ، كان أحدهما مفتوحا ، التقط أنفاسه وتوجه نحو الباب المفتوح وأطل منه بهدوء فرأى عددا من الخيول تقف في صفين متقابلين ، وفي الركن وقعت عيناه على فرس شهباء كانت ترفس الأرض بقوائمها ، تقدم منها على رؤوس أصابعه ، سحب حزام الكتان الذي يلف به وسطه وربطه حول عنق الفرس ثم جرها إلى الخارج وبقفزة واحدة اعتلى ظهرها ، حاول أن يوجهها إلى الطريق التي جاء منها ولكن الفرس أخذت تلف به في حلقة ضيقة ، وتخبط بحوافرها في غيظ ، ومن حين لآخر تطلق صهيلا قصيرا مبحوحا كصرخة استغاثة ، جهد صالح لكي يحتفظ بتوازنه على ظهرها ، لو أن الفرس تهدأ قليلا ، لكنها لم تهدأ لحظة ، كانت تميل به في نصف دورة ، وتقفز رافعة رجليها الأماميتين في الهواء ، تشبث صالح بعنقها في محاولة يائسة للبقاء على ظهرها ، ضج المعسكر بالحركة فجأة ، صياح وأصوات أقدام تركض ، لم يفكر صالح في الهرب والنجاة بنفسه ، ظل يصارع الفرس الجموح إلى أن شعر برصاصة تخترق ظهره وبأخرى تنزلق على جبينه كالسكين ، انحنى على عنق الفرس ثم همدت حركته . وقد وجد الجنود الطليان الذين اقتربوا منه في ضوء المشاعل صعوبة كبيرة في فك قبضته عن عنق الفرس ، فقد انغرست أظافره في لحمها الطري حتى أن دمها سال في خيوط رقيقة مختلطا بعرقها الحاد الرائحة . فتحت صالحة الباب على اثر طرقات خفيفة تردد في سمعها وهي بين النوم واليقظة ، فوجدت رجلا ملثما يقف عند عتبته ، لعله هو نفس الرجل جاءها من قبل بخبر مقتل زوجها ، وقبل أن يفتح فمه بشيء كانت قد فهمت ما يريد قوله ... صالح أيضا .. رجته أن ينتظرها بضع دقائق ، غابت قليلا في الداخل ثم عادت وهي تحمل صرة صغيرة في يدها ... سوف أذهب معك ... تذهبين معي ... ؟ نعم .. هل تدري أنه لم يبق إلا أنا في هذا البيت .... كنت أنتظر عودة ابني أما الآن فمن أنتظر ؟
استدار الرجل ومشى بخطوات خفيفة فلحقت به صالحة مسرعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيا / المعركة والغزال
بدأ عبدالله كشبح أبيض وهو يركض بجواده عائدا من زيارة لقريته ، وحيدا إلا من ظله في ذلك الخلاء الموحش الذي ينبسط من حوله في مدى لا نهائي ، كان يحتضن غزالا صغيرا بيده اليسرى ، الرياح المغبرة تهاجمه من كل جانب والحصى يطقطق تحت حوافز الحصان ، لم يكن يعرف كم صار الوقت وهو يتوغل في الصحراء ، لكنه قدره من خلال الشحوب الطفيف الذي اعترى الشمس وطول ظله الذي بدا يميل إلى الوراء بأنه العصر .. حرارة الجو فترت قليلا . ولو كان هناك جامع على مسافة قريبة لتمكن من أن يسمع صوت الآذان.. لقد حان إذن وقت الصلاة . خفف من سرعة الحصان ، ولكنه وقع في حيرة بين أن يؤدي الصلاة في حينها أو يواصل طريقه ، سوف يذوب عرقا بمجرد أن يقف عشر دقائق أو أقل في هذا الجو القاسي ، لكنه تعود منذ أن كان في الثانية عشر من عمره على أن يؤدي الصلاة في أوقاتها من غير تهاون ـ فلا شيء يؤخره عن ذلك ، هذه الليلة التي لم تخطر له على بال قطعها على الفور بأن ترحل ووضع الغزال على الأرض ، تيمم ثم صلى ، نهض واقفا ومسح العرق الذي سال من جبينه وبلل عينيه بكم قميصه ، حمل غزاله من فوق الأرض ، ومن جديد بدأ شوطا آخر في رحلته المرهقة . كان عبدالله قد برح به الشوق لرؤية أسرته ، خاصة ابنه الصغير الذي جاء على رأس خمس بنات ، لقد مضى عليه ما يقرب من ستة أشهر دون أن يراه ويلاعبه ، انه في الواقع يدين بالجميل للرجل الذي سمح له بإجازة قصيرة .. بالرغم من توقعه لهجوم محتمل من قبل القوات الايطالية ، لكم تذرع بالصبر طوال هذه المدة ، لكنه غلب على أمره في نهاية المطاف ، حتى أنه عندما قرر السفر وتوجه إلى خيمة القائد لهذا الغرض مشى إليها مطرقا في خطوات بطيئة ، فربما قدر على أن يكبح نفسه في اللحظة الأخيرة ، ثم دخل على قائد المجاهدين وطلب إجازة ليومين أو ثلاثة . فرفع إليه الرجل عينيه المرهقتين وقال : تزور أسرتك في هذه الظروف العصيبة ... خفض عبدالله رأسه وقال : الله غالب ... ابتسم الشيخ لهذه الإجابة الطريفة التي يتعانق فيها اليأس والأمل وهز رأسه موافقا... لا تتأخر يا عبدالله ... هو لن يتأخر بالطبع ، ولكن فرحته التي غمرته بحصوله على إذن بزيارة أسرته لم تلبث أن فترت ، كيف يتسنى له أن يلقي ابنه الذي يعود من أجله بيدين فارغتين ، وأي هدية يمكن أن يقدمها له فيسر بها ، تلك الليلة لم يعرف طعم النوم ، وبقي يتقلب على العشب وينظر إلى السماء التي تزينها نجوم صغيرة تتألق على الارتفاع كبير ، وفي الصباح نهض دون أن يتوصل إلى نتيجة ، الهدية هي ما يشغل باله .. خرج يتجول قرب المعسكر ، كأن شارد اللب مغتما ، فمضى هائما على وجهه كأنه يلاحق طيفا يهرب منه كلما هم أن يمسك به ... كان قد ابتعد عن المعسكر بمسافة كبيرة .. عندما أفاق من شروده على صوت مطاردة عنيفة ، فقد سمع عواء ذئب ، تلفت حوله وهو يشد على بندقيته ، رأى غزالا وليدا وذئبا يتقدم نحوه .. فقد توقف الغزال عن الجري لاهثا ... لقد فقد كل أمل في النجاة ، فوقف صاغرا مرتعشا مستسلما لمصيره اليائس ، أما الذئب فقد بدا مزهوا بقوته يمشي الخطوات المتبقية نحو فريسته في خيلاء ، يمني نفسه بوليمة من اللحم الغض السهل الهضم ، ربما لأنه اطمأن إلى الفوز بالغنيمة .. لهذا فقد تمهل قبل أن يلقي بنفسه على الغزال ويمزقه بضربة واحدة من مخالبه الحادة. صوب عبدالله بندقيته بسرعة نحو الذئب وأطلق عليه رصاصة أصابته في رأسه ، تجمد الذئب في مكانه ولم يتحرك كأنه يفكر فيما أصابه ، ثم أنطرح على جنبه وهو يعوى من الألم وخمدت أنفاسه في دقائق قليلة . جرى عبدالله نحو الغزال الصغير الذي ظل واقفا في مكانه لا يجرؤ على أن ينظر إلى الذئب الذي أصبح جثة هامدة ، كان غزالا صغيرا ، جلده أحمر وله قوائم رفيعة ، وفي عينيه خوف .. غير قادر على أن يصدق بأنه نجا من الموت .. حمله عبدالله بين ذراعيه وهرول به إلى المعسكر ، كان يجري مغتبطا فقد عثر على هدية لابنه من حيث لا يدري .. انعطف عبدالله بحصانه سالكا الطريق الصخرية التي يحفظ كل شبر فيها ، تلك التي تنحدر نحو قريته مباشرة ، لقد قطع ما يساوي ثلاثة أرباع المسافة وفكر بأنه سوف يبلغ قريته قبل حلول الظلام ... بأي شغف وحنان سوف يحتضن ابنه ويضم إلى صدره بقية أفراد أسرته ، لولا هذا الواجب العظيم الذي يؤديه نحو وطنه ودينه لما فارقهم يوما واحدا ، لكنه ذهب يحارب من أجلهم ، أليس الوطن هو الطفل والزوجة والزرع الأخضر والشرف والبيت والكرامة ، فما الذي يبقى من هذا كله لو أنه نكص على عقبيه وركن إلى الدعة قرب نيران المواقد في الشتاء ، أو النوم في ظلال الأشجار صيفا هربا من القيظ ، لو أنه فضل ذلك على مقارعة العدو والوقوف في وجهه عند تلك الحدود الواهية التي تفصل بين الرصاصة الطائشة ، أو الرصاصة التي تصوب إلى الرأس في دقة وبين الحياة .. فأي حياة يعيشها.. لقد آل على نفسه أن يتمسك بسلاحه ولا يهجره إلى أن يتم طرد آخر رومي إلى البحر.. كان لا يسمع إلا صوت قوائم حصانه تدق على الأرض الصلبة وهو يتطلع إلى الطريق ، مر بصف من أشجار النخيل ، ثم لاحت أمامه بضع أشجار قصيرة شعثاء ، وتلونت السماء عند الأفق بالشفق الأحمر ، شعر بحلقه يجف ، فانحنى على المطرية ورفعها إلى فمه حينذاك وقعت عيناه على مشهد غريب ، فخلف صخرة كبيرة قرفص عدد من الرجال لا يزيدون عن عشرة ، تضيء الشمس ظهورهم ، استغرب عبدالله لوجودهم هناك وكأنهم رف من الطيور البيضاء تجمعت بالصدفة ، لا يوجد في تلك البقعة نبتة خضراء ولا ظل ولابد أن جلود بطونهم وصدورهم قد تقشرت من الحرارة .. قرر في نفسه عدم الاستجابة لفضوله ، لكز حصانه بقدميه ومشى في طريقه ... تراجعت الصحراء وراء ظهره ، بدأ الطريق ينحدر في أرض معشبة ، وعلى الجانبين انتشرت النباتات البرية وسمع حفيف أجنحة الطيور التي رآها تعبر السماء لأول مرة منذ أن غادر المعسكر ، معنى هذا أنه أصبح على أبواب قريته ، سوف يصل إليها عند حلول المغرب أو بعده بقليل ، فجأة تعكر الهدوء من حوله بأصوات الانفجاريات ، ووضح له الأمر ، فالرجال الذين رآهم خلف الصخرة كانوا يتأهبون لخوض معركة من تلك المعارك الصغيرة التي تتسم بروح المغامرة وبطابع النخوة ، فكلما تقابل عدد من الثوار مع العدو نشب القتال وتطاير الرصاص ، الطليان يحاولون البرهنة على وجودهم في كل مكان ، أو أنهم يمسكون بزمام الأمور حتى في الصحراء ، أما الثوار فان روحهم الوطنية تهيب بهم أن يقاتلوا عدوهم أينما وجد ، حتى إذا لم يتوفر لهم حد أدنى من القوة في مواجهة الطليان الذين يتحركون في جلبة كبيرة بخيولهم ومدافعهم وعرباتهم المجنزرة وبعدد ضخم من الجنود الطليان والمرتزقة من الأحباش وهؤلاء الذين يجندونهم في صفوفهم قسرا من أهالي البلاد ، وكثيرا ما تصدى عدد من الثوار أو المجاهدين يعدون على الأصابع لفرقة من الجيش الايطالي ، فلم يكن هناك من خيار إلا خيار المقاومة والتضحية . لوي عبدالله عنان حصانه ، وعاد أدراجه صاعدا المنحدر لكي ينضم إلى مجموعة الصخرة ، فقد صمم على خوض هذه المعركة مهما كلفه الأمر .. حتى إذا كان قدره أن يموت فيها ويحرم من رؤية أسرته إلى الأبد. لم يدر عبدالله كم طال زمن المعركة ، فقد عاد الهدوء كأنه لم يحدث شيء ، وعندما خرج من مخبئه كان يشعر بدوار في رأسه ، تفقد رفاقه في الظلمة الشاحبة التي سادت المكان بعد غروب الشمس ، هؤلاء الرجال الذين حارب معهم دون أن يسألهم حتى عن أسمائهم قتلوا جميعا ، رأى أحدهم يؤقد على ظهره متوسدا عمامته التي تبللت بالدم كما لو أن النوم غلبه ، بحث عن الغزال فلم يعثر له على أثر في البداية ، فأخد يفتش عنه بين الصخور كالمجنون إلى أن وجده ممزقا بشظايا قنبلة غير بعيد عن الحصان .. قتل الغزال الذي جاء به هدية لابنه ... عض على لسانه من الغضب .. ركب حصانه وعندما انحدر نحو قريته في الظلام كان يفكر بشرود كيف أن الغزال قتل بينما أفلت الحصان ، كيف كان هو الوحيد الذي نجا من الموت من بين رفاقه في هذه المعركة التي بدأت وكأنها جرت في الحلم . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثالثا / الجرادة
تعود الصادق أن يسوق أغنامه إلى المرعى كل صباح فلا يعطله شيء عن ذلك ، لا تقلبات الطقس ، ولا انتشار الجنود الطليان في المنطقة بكثرة ، هؤلاء الجنود المتوحشون الذين لازمتهم كل الصفات السيئة والبدائية من أول يوم للغزو ، فهم لا يتورعون عن قتل أو نهب ما يقع عليه بصرهم ، لا فرق عندهم بين إنسان وحيوان ، فهم لا يترددون في سرقة قصعة من الخشب أو عقدا من الخرز في رقبة امرأة . يسمع الصادق بهذه القصص الغريبة فيشعر بالخوف يداهمه كموجة من البرد تسري تحت جلده ، لكن مخاوفه المبهمة لا تدوم طويلا ، فهو لا ينسى ما تقوله له أمه دائما من أن الإنسان لا يجب أن يخاف إلا من الله ولا يخشى أحدا غيره ، وقد وجد الصادق في الغناء والنفخ في مزمار من الخشب صنعه بنفسه لذة كبيرة وتسلية من خلالها يتجدد نشاطه ويتبدد ملله وهواجسه ، فكان يغني بصوته النحيف تارة ، وينفخ في المزمار تارة أخرى . في أحد الأيام قعد الصادق على طرف صخرة ، ضم قدميه الحافتين تحت قميصه ، وشرع يعد أعوام عمره على رؤوس أصابعه ، كرر العملية أكثر من مرة ، ولكنه كان بصل إلى نفس النتيجة فيأسف لذلك ، أن عمره من يوم ولادته لا يزيد عن عشرة أعوام ، وهي تأبى أن تزيد ولو عاما واحدا ، لقد ولد قبل أن يبحر الطليان بسفنهم الضخمة إلى شواطئ طرابلس بوقت طويل ، ومع ذلك فان أمه تصر على أنه مازال في طور الطفولة ، ورغم هذا فانه يعرف أشياء كثيرة يضيق بها رأسه الصغير ، كان يحدث بها نفسه في وحدته حتى لا ينساها ، فهو يعرف فعلا أن الطليان ضربوا مدينة طرابلس بمدافع بواخرهم الحربية ثم نزلوا على الشاطئ في يوم 23 أكتوبر 1911 م . وبعد ذلك بدأوا يستعرضون قواتهم في شوارع المدينة الخالية من الناس تتقدمهم فرقة موسيقية ، غير أن الهجوم الذي قام به المجاهدون ضدهم في الهاني قلب أفراحهم إلى أحزان ودموع ، لقد فوجئوا بالهجوم كأنه وقع عليهم من السماء . كان الصادق يتمنى أن يكبر بسرعة ، أن يرى نفسه أطول قامة وقادر على القيام بالعمل الذي يقوم به الرجال ، كأن يسافر لبى مكان بعيد لوحده ، أو يرعى أغنامه في مكان آخر وراء الهضبة حيث ينبت العشب بغزارة ، أو يلتحق بالمجاهدين . لولا الدوى الذي هز الأرض من تحته لمضى يسرد على نفسه كل ما يعرفه من أخبار المعارك التي يرويها أولئك الذين يمرون بالقرية ، أو يتخيل نفسه رجلا يحمل السلاح ويقوم بمغامرات تروع الطليان وتملأ قلب أمه بالفخر . ما هذا الدوى الذي يسمعه لأول مرة في حياته.. ؟ طرح صادق السؤال على نفسه وهو يمد بصره نحو الطريق المؤدية إلى القرية فلا يرى أحدا. بدأ الصوت لأول وهلة كهدير مياه الوادي الذي يعبر القرية في الشتاء ، ثم صار أقرب إلى قرقعة معصرة الزيتون . نهض بسرعة وأجال عينيه فيما حوله ، ولكنه لم ينتبه إلى خرافه التي تفرقت مذعورة هاربة في كل اتجاه إلا بعد حين ، بعد أن أفاق من ذهوله وطرد مخاوفه ، في السماء كان الدوى ، فتح الصادق فمه لغرابة ما رآه ، فقد ظهر في الأفق طائر هائل الحجم له هيئة جرادة لم تقع عيناه على ما يشبهها من قبل . ليس هذا خيالا فما يراه حقيقة لا جدال فيها ، فها هو الطائر يفرد جناحيه ويجتاز السماء فوق رأسه على ارتفاع شاهق ، ظل يحدق في الطائر دون أن يرف له جفن إلى أن اختفى وراء أشجار النخيل ، إذا عاد إلى أمه وأخبرها بما شاهده فهي بالتأكيد لن تصدقه ، قد تهزأ به ، سوف تقول بلا ريب من أنه أغفى ورأى طائره العجيب هذا في أحلامه . هز رأسه وهو مازال مأخوذا بما رأى ، وفكر في نفسه بأنه قد عثر على شيء طريف يحدث به أمه قبل النوم ، ثم تنبه إلى أغنامه التي شتتها الدوى فانطلق يجري وراءها ، وعندما جمعها في قطيع واحد من جديد عدها وهو يلهث ، واكتشف أنه فقد أحد خرافه . حزن لضياع الخروف، وعرف أنه لا أمل له في العثور عليه، فالظلام يهبط، وبدأ الجو يميل إلى البرودة، ساق أغنامه وعاد بها إلى الزريبة. كانت أمه تنظر عودته قلقة، قالت عندما رأته يهش أغنامه نحو الزريبة: تأخرت يا صادق.. فأجابها وهو يغلق أبواب الزريبة: اسكتي يا أمي فقد رأيت جرادة أكبر من جمل... جرادة أكبر من جمل ؟ نعم يا أمي .. جلس الصادق في ركن الكوخ على فراش من القش، أحضرت الأم الطعام الذي يحتوي على قطعتين من الخبز الجاف وقليل من الزيتون وجرة صغيرة من اللبن الرائب، وعلى العشاء قالت: ما رأيته يا صادق وليس جرادة. فتساءل الصادق بسذاجة : ما هي الطيارة يا أمي ؟ فلم تجد الأم ما تضيفه سوى أن الطيارة آلة حربية ، لها محرك وجناحان يستعملها الطليان للرمي على المجاهدين من الجو . تذكر الصادق كل هذه الأشياء الصغيرة في حياته وهو يلملم حاجياته ويضعها في صرة. كان الحزن يملأ نفسه لموت أمه ، لقد رحلت عن الدنيا في يوم غائم ، كان يحبها أكثر من أي شيء آخر في الدنيا ، لقد أصبح وحيدا كطائر دمرت العاصفة عشه ، ها هو في الثامنة عشر قد كبر كما كان يتمنى ، وصار في إمكانه أن يفعل ما يريد ، لو بقيت أمه حية بضع سنوات أخرى لأدخل السرور على قلبها وعاش يلبي طلباتها ، ودع أمه ، ولم يبق إلا أن يودع أحلام صباه ، عندما ينظر إلى الوراء يتذكر أشياء كثيرة وقعت ومرت بينما هو يجري وراء أغنامه ، استشهد والده في إحدى المعارك الكبيرة ضد الطليان ، عدد كبير من شبان القرية ذهبوا إلى الحرب ، فلم يقدر لهم أن يعودوا إليها مرة ثانية حتى في زيارة ، أسر كثيرة تفرق شملها ، القرية نفسها نزحت من سكانها كأنها خابية كبيرة مليئة بالجراد الحي قلبت على فمها ، المقاومة ضد الغاصبين لم تنته ، بل هي تستعر كالنار التي تنفخ فيها رياح قوية . وهو أيضا سوف يذهب لينفخ في هذه الحرب حتى آخر نفس من أنفاسه، أو إلى أن يرحل العدو بعيدا عن هذه الأرض. باع الصادق خرافه ، حمل صرته ثم غادر القرية . رحب به قائد المجاهدين عند فتحة خيمته الكبيرة ، أجلسه بجانبه ثم سأله : هل معك سلاح يا صادق بندقية أو ... ؟ فأجاب الصادق بسرعة : لا يا عم .. ولكن معا ثمن بندقية . أخرج صرة نقوده من جيب قميصه ومدها إلى الشيخ . ما هذه.. ؟ ثمن الخراف . احتفظ بها معك إلى وقت آخر. وفي غضون ثلاثة أسابيع تحصل الصادق على مدفع رشاش " موزر " شعر بسعادة عند استلامه للمدفع ، سعادة لم يعرفها في حياته من قبل ، فمسه وقلبه بين يديه كأنه لعبة بالرغم من ثقله ، وصار فيما بعد لا يطيق فراقه ، فهو يتدرب عليه في النهار ، فإذا انتهى من ذلك أخده معه لكي ينظفه ويلمعه ، كان لا يطيق أن يرى ذرة واحدة من الغبار تلتصق به ، فإذا جاء الليل فانه لا ينام حتى يطمئن إلى وجوده بجانبه . كان مدربه أحد الضباط الأتراك ، وهو واحد من الضباط الأتراك القليلين الذين فضلوا أو اختاروا البقاء برفقة المجاهدين ، والقتال ضد الطليان على العودة إلى بلادهم ، غير عابئين بالمرسوم الذي أصدره سلطانهم من " الأستانة " بعودة العسكريين الأتراك إلى بلادهم . لم يكن هذا الضابط شابا ، فوجهه مغضن ، وشعره القصير يغلب عليه اللون الأبيض ، كان قليل الكلام وصارما ، ويبدو على الدوام وكأنه مشى طويلا في غبار المعارك ، إذا تكلم فان حديثه لا يخرج عن سرد ذكريات حياته العسكرية ، ودراسته في المدرسة الحربية ، وحفل التخرج ، ومجيئه إلى ليبيا ، وقتاله المرير ضد الطليان الذين يسميهم بالعدو المشترك ، وفي أثناء حديثه تشتعل عيناه حنينا إلى الماضي كما لو أنه يود أن يعيش تلك الحياة بكل تفاصيلها من جديد . ومن البداية شعر الصادق بمودة عميقة نحو مدربه ، فقد وجد فيه المعلم الذي يحتاجه ، والرجل الذي يحنو عليه وكأنه والده ، إذا تغيب عن المعسكر افتقده وبحث عنه ، يدعوه إليه ويفتح أمامه أبواب الدنيا ، هذه الدنيا التي حرم الصادق من أن يعرف عنها شيئا ، فهو لم يفتح كتابا في حياته ، ولم يذهب إلى أي مدرسة ، ذلك أن قريته كانت كبقية القرى الأخرى خالية من دور التعليم ، كان الضابط يحدثه عن تاريخ الشعوب التي تكافح ضد الاستعمار ، وعن بطولات رائعة لأناس عاديين ، عن تعاسة الحياة في ظل الحكم الأجنبي . وقاله له ذات يوم بعد أن سرح بعينيه بعيدا : الوطن هو أغلى شيء في حياة الإنسان ، له قلب رحب كقلب الأم ، يجذبك إليه ، إذا ابتعدت عنه فما أسرع ما تعود إليه ، أما إذا جاء من يريد أن يأخذ وطنك منك فضع روحك في يدك وحاربه ، دع التفكير في أي شيء آخر ، حاربه بعصي أو مدفع ، المهم عدم ترك عدوك ينعم بالهدوء للحظة واحدة . جلس الصادق في ظل شجرة في يوم قائظ مستسلما للخمول من أثر الحرارة ، كانت هناك سحب بيضاء تسبح في الأفق ، والرياح تهب ملتهبة محملة بالغبار ، كان الضابط التركي قد رحل عن المعسكر في مهمة عاجلة ، ووجد الصادق نفسه يفكر في الكلام الذي قاله له ذلك الضابط الغريب عن الوطن والحرية ، عن أولئك الذين يضطهدون الإنسان في الأرض ويقتلونه باسم الحضارة والرقي ، غرق الصادق في هذه الأفكار ، أحس بثقل في رأسه فانطرح على العشب ونام ، في نومه رأى وجه والده الذي رحل في يوم ماطر عن القرية ولم يعد ، الوادي ورماد الأشجار التي أحرقها الطليان ، الجرادة الضخمة التي حلقت فوق رأسه ذات يوم ، خروفه الذي ضاع منه ، وسمع صوت أمه وهي توصيه بأن لا يذهب بعيدا . ثم جاء الهدير ، ولكنه ليس هدير مياه متدفقة تجري في الوادي ، كان أقوى . يكاد أن يصم أذنيه ، وخيل إليه أن كل ما حوله يتجاوب مع الصوت ، يصفر ويطقطق ، الشجرة التي يرقد تحتها ترتجف لشدته ، فتح عينيه ونهض جالسا ، تعرف على الصوت بسرعة ، فقد سمعه من قبل عندما كان يرعى الأغنام في طفولته ، بحث بعينيه في كل اتجاه فلم يعثر على شيء في البداية ، ثم رأى الطائرة نفسها التي ارتبطت في ذهنه بمنظر جرادة هائلة الحجم ، كانت تحلق على ارتفاع منخفض ، حمل الصادق مدفعه الرشاش وانتصب واقفا ، بسرعة اقتربت الطائرة من المعسكر وقصفته فدوت الانفجاريات كالرعد ، ثم قامت بنصف دورة واتجهت نحوه ، هذه المرة لم يفتح فمه في ذهول ، بل شد على مدفعه بثبات وأطلق نيرانه بغزارة في اتجاه الطائرة فأصابها في أحد جناحيها ، فرح لأصابته الهدف ، لكنه أحس في اللحظة التالية كما لو أن يدا خفية ضربته بسكين حادة في بطنه وأنه لم يعد يقوى على الوقوف ، ترنح وسقط على الأرض ، تقلب على جنبه وخيل إليه أنه سمع ضجة أصوات ضعيفة ، وجوه غائمة الملامح تطل عليه ، متماوجة كما لو أنه يراها منعكسة في بركة ماء ، وسمع صوت الضابط ينادي عليه من مكان مجهول ، ثم بدا الظلام يلفه وثقلت أنفاسه . وكان آخر ما رآه هو وجه الضابط التركي الذي انحنى عليه ورفعه بين ذراعيه، ثم أغمض عينيه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابعا / الحزن والغضب
غادر عبدالقادر العيادة مختنق العينين متعثرا ، تلمسه سياط غيظه ويأسه ، يمشي فلا يكاد يميز موقع قدميه في الظلمة الشاحبة التي تحيطه وتنبسط في طريقه . لقد أغلق الطبيب أبواب الامل في وجهه وهو الذي كان يتشبت به كما يتشبت الغريق بقشة في عرض البحر ، حطم الطبيب هذا الامل حين رفض ، برغم كل توسلاته ، أن يفحص زوجته التي باتت تهذي من الحمى التي ألمت بها أخيرا ، أشاح بوجهه ثم طرده الى الخارج بلا رحمة ، ولم يرحه كل هذا ، فقد دفعه من الدرج بعنف حتى كاد أن يقلبه على وجهه وهو يصيح : هذه عيادة خاصة بالطليان ألا تفهم ؟ أين أذهب .... لا توجد عيادة أخرى في القرية .. فتهجم الطبيب الايطالي وصرخ : ليس هذا من شأني ... وطرده متأففا كأنه ذبابة حطت على وجهه ، انتابه غضب جنوني شعر به يسري في عروقه كالنار ، ما الذي في وسعه أن يفعله تجاه ما لحقه من اضطهاد ومهانة ، لا شيء ، فحتى العيادة لا تخلو من الجنود المسلحين المتأهبين لاطلاق النار عند أول اشارة . حمل زوجته بين ذراعيه ووضعها على ظهر الحمار . في الطريق الى الخيمة كان يصغي الى صوت الريح ويدير في رأسه بعض الافكار ، جاهدا في البحث عن حل ، عن باب يطرقه فلا يكون هو الباب الذي يؤذي الى الضياع ، أو الى مزيد من اليأس والأسى . هل معنى ما حدث في العيادة نهاية الرجاء في أن تشفى زوجته ، وتعود اليه كما كانت من قبل قوية ومتوردة الخدين ، وهي التي تعودت أن تستقبله بابتسامة كبيرة طالما شجعته على المضي في درب حياته على الرغم مما يكتنفها من أشواك وآلام لا تحتمل .... تفرش أيامه بابتساماتها فيجد فيها شيئا من العزاء يشد من أزره . كان عبدالقادر يعمل في قطع الأحجار كواحد من أهالي القرى الذين جندهم الطليان قسرا في شق الطرق عبر الجبال الوعرة ، أو في أعمال الرصف بينما شمس الصحراء تشوي ظهورهم . كل هذا العذاب ينزل بهم في مقابل وجبة من الطعام لا تشبع فأرا ، كانوا يعملون بالسخرة في ذلك الجو القاسي . وكلما تقدموا بضع كيلوا مترات في الرصف أو الحفر هزتهم رهبة الموت ، فقد كانوا يعملون أن النهاية المحزنة قد تجيء في أية لحظة ، فلا يكاد يمر يوم واحد دون أن يسقط أحدهم ميتا تحت وطأة الاجهاد والجوع . يتذكر عبدالقادر يوم أن قام الطليان بهجوم مباغت على القرية وأخذوه أسيرا ، ثم وجد نفسه يمشي في قافلة الريح ، قافلة من الأجساد التي تجرحت بضربات السوط ، العيون نصف مفتوحة والأيدي مقيدة بالحبال ، والأرجل الحافية تتحرك في اعياء ، ولا أحد يعرف الى أين تقوده سياط الاعداء .. انقضى عامان على ذلك اليوم وهو منكب على عمله في شق الطريق ، قواه تخور والحجارة الثقيلة تأكل من لحمه ، ولكنه كان يتجلد .. لقد حاول الكثيرون من زملائه الهرب ، بالرغم من علمهم بنزع العقاب الذي ينتظرهم عند اكتشاف أمرهم والقبض عليهم ، فهو أقسى من أن يتحمله انسان في هذا الكون ، أما هو فلم يفكر في ذلك قط ، لم تخطر له فكرة الهرب على بال ، بل وطد العزم من البداية على كسب ثقة رئيس الموقع والحراس في نفس الوقت ، فهو لا يؤيد أن يموت بالمجان ، أو ينفق عمره في عمل مجهد بلا مقابل ، فمن خلال خدماته الاضافية وطاعته للأوامر تمكن من الوصول الى هدفه ، وحاز على ثقة الجميع ، وأصبح يتحرك بحرية ويغادر موقع عمله عند اللزوم ، يذهب الى حيث يشاء ، ثم منح بطاقة تخوله مغادرة القرية الى أي مكان آخر بشرط أن يعود في الوقت الذي يحددونه له . نجح عبدالقادر في خداع الطليان ، ولم يعد يشعر بأنه يهدر قواه بلا غاية ، فقد وظف هذه الامتيازات التي حصل عليها في الاتصال بالمجاهدين وتزويدهم بالمعلومات السرية عن تحركات العدو وخططه الخفية . في مطلع الخريف عجزت زوجته عن مقاومة المرض فلزمت الفراش ، وعرف عبدالقادر عندئذ أنها كانت تكبح آلامها وتخفي عنه مرضها حتى لا تزيد في متاعبه ، جرب معها وصفات الطب الشعبي من غير جدوى ، فقد أخذ المرض يشتد عليها وصارت تلتقط أنفاسها بصعوبة ، وفي الليل ينعكس ضوء الشمعة على وجهها الشاحب النحيل الذي يبلله العرق ، أي عذاب تقاسيه وهي تحترق بنار خفية بلا لهب ولا دخان .. ما عاد عبدالقادر يطيق رؤية زوجته وهي تموت دون أن يحرك ساكنا . في أحد الايام تقدم من رئيس العمال الذي كان يلعب بسوطه في ضجر . وقف أمامه دون كلمة . فسأله الرجل متعجبا : ماذا تريد يا عبدالقادر ؟ زوجتي مريضة يا سيدي .. فضرب الرئيس على يده بالسوط وقال : ولكني لست طبيبا كما ترى ... أرجو أن تسمح لي بأن أصحبها الى عيادة القرية .. هذا يكلفك عملا اضافيا ضعف الوقت الذي تقضيه في العيادة .. أقبل بهذا ... اذن فالأفضل ألا تتأخر ... عندما استدار في طريقه الى خيمته حدجه رئيس العمال بنظرة متفحصة فلاحظ أنه أصبح نحيلا كالعصا ، يمشي مترنحا كأنه يعاني من دوار في رأسه ، يوم أن ساقوه الى هذا الموقع مع عدد آخر من الرجال كان قوي البنية ، وفي عينيه ذكاء لا يخفى ، يتدكر أن عبدالقادر كان جم النشاط وها هو الآن من الضعف بحيث لا يقوى على حمل نفسه وجر قدميه جرا ... أوصل عبدالقادر زوجته الى الخيمة وأرقدها على الحصيرة البالية المفروشة على التراب .. شعر بها بين ذراعيه أخف من الريشة ، كيف لا تكون بهذه الخفة ولم يتبق منها شيء الا عظامها الضامرة ، سهر بجانبها طوال الليل وهي تتقلب على جمر الحمى ، وعند شروق الشمس أغلقت عينيها الى الأبد . في غبشة الفجر ركب حماره قاصدا معسكر المجاهدين ، فلا أمل له الا هناك ، لقد تسلخت يداه في قطع الاحجار ، وعند وفاة زوجته شعر بأن قلبه قد تسلخ أيضا . احتفى المجاهدون بظهوره بينهم من جديد بعد غياب طويل ، وهم الذين غلب عليهم الظن بأنه لقي حتفه من جراء عمله المضني وسوء التغذية ، أو لافتضاح أمره لدى السلطات الايطالية .. اقترب منه شيخ طاعن في السن وبسط له يده : كيف حالك يا ابني ؟ وسأله رجل آخر : ما هي الأخبار .. أين كنت ؟ ولاحظ رجل ثالث كان يضع على رأسه عمامة كبيرة : في عينيك دموع .. ما الأمر ؟ ما أغرب أن يبكي رجل مثل عبدالقادر عرف بصبره وقوة ارادته وقدرته الخارقة على تحمل المصائب والمشاق ، ها هو يجهش كالطفل ، وتجري على وجهه حبات كبيرة من الدموع . ما الذي حدث يا عبدالقادر ؟ في البداية لاذ بالصمت ثم جفف دموعه وقال : أريد بندقية محشوة .. من بعيد لاحت الأضواء التي تنير تلك المنطقة التي يسكنها الطليان ... البيوت يلفها الهدوء .. الا من صوت موسيقي خافت كان يتماوج في الريح ، ترحل عبدالقادر من فوق حماره وربطه في شجرة قريبة ، وفي غاية الحذر تقدم نحو منزل منعزل وطرقه برؤوس أصابعه . فتح الباب وأطل من ورائه وجه الطبيب الايطالي . نفخ عبدالقادر غضبه في الوجه المضرج بحمرة قاتمة وقال : زوجتي ماتت أيها الطبيب .. وصوب بندقيته الى صدره أنت أيضا يجب أن تموت .. ما هذا الجنون ؟ على اثر انطلاق الرصاصات التي اخترقت صدر الطبيب الذي انقلب على وجهه عند عتبة بيته تعالى صراخ صفارات الانذار ، فطوق الجنود المكان ، حاول عبدالقادر أن ينجو بنفسه ، انطلق يجري تحت مطر من الرصاص .. ولكنه لم يبتعد كثيرا ، فقد سقط مضرجا بدمائه قرب الشجرة التي ربط فيها حماره . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خامسا / السوط والجرح
فتح ابراهيم عينيه على سقف الخيمة البالية التي تموج بالغبار كلما هبت الريح ، منذ عدة شهور جيءبه الى هذا المكان قسرا في قافلة من أهل قريته وحشود أخرى من الناس كالجراد أكثر من أن يعدوا ، اقتلعوا من ديارهم كالجذور ورحلوا من سهولهم وقراهم بالقوة . كان الجو معتما عابقا بروائح غامضة , ومن طرف الخيمة رأى ضوء الشمس يغشى ساحة معسكر الاعتقال والندى يتساقط ، لم يجد في نفسه الرغبة في أن ينهض أو يوقظ زوجته التي تنام بقربه على فراش من التبن ، من يوم أن حل بمعسكر الأمراض هذا اعترته كآبة باردة أفقدته شهيته لكل شيء وبات ينظر الى الحياة نظرته الى الموت ، هل بقي له من شيء يعيش لأجله ، اذا رفع رأسه عن الحجر الذي يتوسده فما الذي يفعله أو ينشغل به غير العناية بجرحه الذي يؤلمه في ساقه ، أو أن يضع يديه على ركبتيه ويصغي صامتا الى السباب والشتائم القاسية التي يصبها على الرؤوس مدير المعسكر أو واحد من أعوانه الكثيرين ، الشتائم تتطاير في الهواء باللغة العربية أو بلغة ايطالية مهشمة .. لكن ماذا يعني أن يبرأ جرح ساقه اذا كانت حياته برمتها قد تحولت الى جرح كبير ، اذا كان نزيف آدميته وكرامته لا يتوقف لحظة واحدة بالنهار والليل .. كان محاربا عنيدا في صفوف الثوار والمجاهدين أما الأن فلم يبق له الا أن ينش الذباب الأزرق عن وجهه ، فمنذ ما يقرب من نصف عام وهو يعيش في هذه الخيمة الضيقة الكريهة في زحام من الخيم التي تجاوره من اليمين والشمال ملتصقة الواحدة بالاخرى حتى أنه يسمع تردد أنفاس قاطنيها أثناء نومهم في الليل . لماذا لا يهرب ؟ طرح السؤال على نفسه ، وسهر الليل يديره في رأسه الى أن غلبه النوم قرب الفجر ، اذا وفق في الهرب فسوف يعود الى بندقيته يحتضنها بشوق ويواصل قتاله ضد العدو ، أما اذا حدث العكس وقتل في أثناء هروبه فسوف يموت راضيا بقدره ، فحياته هذه التي يقضيها في ضجة السباب والاهانات لا تليق حتى بالحيوانات ، سوف يوقظ زوجته لكي يخبرها بما اعتزمه ، رفع رأسه عن الحجر فشعر بدوار خفيف ، ولكن الدوار اشتد عليه عندما لم يجد زوجته في فراشها ، انتظر أن تعود ولكنها لم تعد ، وبمرور الوقت استبدت به وساوس مجنونة ، زوجته صغيرة في السن وجميلة ، بل هي خارقة الجمال ، تعلق بها قلبه عندما كانت صبية تلعب مع الاطفال في ساحة القرية ، وعاش فرحة عمره يوم أن تزوجها ، جهد في أن يطرد الفكرة التي نبتت في رأسه كالشوكة . هل يمكن أن يكون أحد الضباط أو الحراس في المعسكر قد رغب فيها .. أي مصيبة تحل به اذا حدث هذا .. هناك الآلاف من الفتيات والنساء في المعسكر ، وبالأمس فقط رأى احداهن تجلد في الساحة عارية الظهر ، وظلت المرأة تبكي وتصيح حتى أغمي عليها ، أن يركل أحد العسس رجلا في ظهره أو يلطم طفلا على وجهه فان هذا من الأمور العادية التي تجري كل يوم وساعة دون أن تلفت النظر ، أما جلد امرأة عارية في الشمس فهو وحشية ومهانة فوق ما يتصوره العقل وشيء لا يحتمل . هل يعيش طويلا لكي يرى جرائم أخرى من هذا النوع الذي يقشعر له بدنه ، يتعذب لعجزه ولعدم قدرته حتى على أن يرفع اصبعه احتجاجا .. لا غرابة في أن يأتي الدور على زوجته . نهض جالسا في فراشه ثم زحف الى خارج الخيمة وتكوم عند طرفها ، جال بعينيه في ساحة المعسكر الذي بدا يضج بالحركة ، مئات الخيم المهلهلة تتراص في صفوف طويلة ، الحراس يتجولون هنا وهناك وفي أيديهم سياط طويلة .. امرأة تجري في اثر ابنها ، يقترب الطفل من أحد الحراس باكيا فيرده هذا عنه بضربة من سوطه ، معزة هزيلة تطلق صياحا عاليا ، ومر بقربه عجوز هزيل يهذي ، ربما جن عندما جيء به الى هذا المعسكر ، التفت نحو المشنقة المنصوبة بين الخيام حتى تتاح رؤيتها للجميع . وفي الجهة الاخرى من الساحة نظر الى عدد كبير من الرجال الذين هزلت أجسادهم ، وجوههم ذابلة مصفرة يرتدون الخرق ويعملون في شق حفر كبيرة في الارض ثم يردمونها في نفس الوقت .. يجهدون أنفسهم عبثا في عمل لا قائدة منه ، ولكنهم يساقون اليه مرغمين كالمحكوميم بالأشغال الشاقة غير أن عملهم أسوأ .. فهم لا يجنون الا الغبار وفي آخر النهار يرجعون الى خيامهم مكدودين لكي يناموا .. هذا بالتحديد ما يريده الطليان ، فبهذه الطريقة لن يفكر أحد في التمرد أو الثورة أو الهرب ، بل ان قواهم تخور الى درجة أن أي مخلوق منهم لا يستطيع أن يرفع يده ليمسح التراب عن وجهه . وفكر ابراهيم في نفسه .. " سوف يكون هذا مصيري عندما تبرأ ساقي .. " مر على مقربة منه عدد من النسوة يحملن قرب الماء فوق رؤوسهن ، فوقف على ركبتيه وأشار بيده .. أنت يا أخت .. التفتت اليه المرأة التي تمشي في المؤخرة .. ألم تقابلك وردة في طريقك .. ؟ فأجابته المرأة .. وردة من ؟ أنا لا أعرفها .. هي طويلة بيضاء وفي ذقنها وشم أخضر .. لا .. لم أرها .. راح يسأل نفس السؤال ويكرره على مسامع كل انسان يمر بجانب خيمته ، فلم يحظ باجابة تريحه من قلقه أو تخفف من خواجسه البائسة ، انقضى النهار وخيم الليل دون أن تعود زوجته أو تعرف عنها شيئا ، لم يشعر بالجوع بالرغم من خواء معدته ، حتى حبات التمر الجافة التي هربها معه في كيس ظلت في مكانها من غير أن يقربها ... وتطوعت احدى النسوة فسقته جرعة ماء . انسحبت الحياة من المعسكر ، وانقطع الأطفال عن البكاء وهم الذين لا عمل لهم الا البكاء والصراخ من ألم الجوع ومن المرض الغامض الذي تفشى بينهم فلا يمر يوم من غير أن يشهد فيه جنازة طفل ، يلف في خرقه ويدفن في الرمال .. لم يدخل ابراهيم الى خيمته حتى عندما ضربه أحد الحراس بسوطه وأمره بأن يذهب الى النوم فورا ، وبقي منكمشا على نفسه وقد هاجت الرياح ، ولكن نفس الحارس عاد مرة أخرى يدعوه لمقابلة ضابط المعسكر .. فنهض وتبعه من غير تردد ، يعرج ويمشي بصعوبة ، وبدأت ظنونه تكبر في كل خطوة .. لا ريب في أنه يجر ساقه الجريحة في أثر مأساته التي لا قرار لها . في الخيمة الفاخرة التي ينيرها ضوء مصباح استقبله الضابط بحفاوة ، قدم له كرسيا وطلب منه أن يجلس عليه . اذن فهذا الكلب هو الذي سطا على زوجته .. تكلم الضابط باللغة العربية على غير عادته وقال : سوف نضمك يا ابراهيم الى الحراس في المعسكر ونعطيك راتبا كبيرا .. رفع ابراهيم رأسه وحدق في الضابط السمين .. أين زوجتي ؟ فأجابه الضابط : لا تقلق هي في ضيافتنا .. ثم سأله : ما رأيك فيما عرضته عليك ؟ لا أريد شيئا غير زوجتي .. قطب الضابط حاجبيه ، نهض من فوق كرسيه وقال بلهجة صارمة : لا تعد الى هذا الموضوع مرة أخرى .. سوف أتزوج هذه المرأة بطريقتكم ، هل يرضيك هذا .. أما أنت فأختر أي امرأة أخرى من نساء المعسكر .. أيقن ابراهيم من أنه من أنه لا فائدة ترجى من التمادي في عناده ، ففي وسع هذا الخنزير الأحمر الوجه الذي لا يفيق من السكر أن يأمر برميه في حفرة ودفنه حيا ، ارتخى في كرسيه ورسم على شفتيه ابتسامة باهتى ثم قال : كما تشاء يا سيدي الضابط ولكن هذا الجرح في ساقي .. نهض الضابط واقفا وقال : لا .. لا تخف .. غدا أرسلك الى الطبيب في المدينة .. في غضون أربعة أسابيع برأ جرح ساقه ، ولكن جرح كرامته ورجولته التي سحقت بلا رحمة ظل ينتفخ وينزف ، صار يحمل سوطا في يده ويجوب المعسكر وينظر الناس الى زيه الجديد متعجبين ، لكنه لم يحقد على أحد من أولئك الذين سخروا منه ، ولم يضرب أحدا ، بل كرس نفوذه لدى ضابط المعسكر في بسط حمايته على كثيرين من أولئك الذين يلجق بهم أذى الحراس الآخرين بلا سبب معروف ، لم تغب زوجته عن باله لحظة ، وظل يفتش عنها كالمحموم بلا جدوى ، لم يعثر لها على أثر حتى في منزل الضابط خارج المعسكر الذي كان يذهب لتنظيفه . وفي ذات يوم استدعاه الضابط الى خيمته بصورة عاجلة وعندما دخل عليه مد له ورقة مفتوحة . اقرأ هذه الورقة يا ابراهيم .. لكنه لا يعرف القراءة والكتابة وظل يقلب الورقة في يده حائرا .. استدعى الضابط مدير المعسكر ، وكان هذا رجلا قصيرا مدور الجسم وله عينا ثعلب وحركاته .. اقرأ هذه الورقة بسرعة .. أنصت ابراهيم بانتباه في البداية الى صوت الرجل الذي بدأ يقرأ بصعوبة متعثرا في بعض الكلمات ، كان صوته قويا في البداية ثم بدأ يخفت ويتلاشى ، ولكنه فهم مغزى الورقة ، فهي ورقة تملك الضابط لزوجته هو ، عقد زواجه من وردة التي اغتصبها منه عنوة ، غامت عيناه وانقلبت سحنته فصارت كالتراب ، كتم غضبه الجنوني ، ولكنه تسلل في الليل الى خيمة الضابط قبل أن ينصرف وقتله بضربة عصا على رأسه . جيء بابراهيم في الفجر الى ساحة المعسكر يجرجر أطواقه الحديدية ويكاد لا يقوى على رفع رأسه ، كان قد عذب الى ذلك الحد الفاصل بين الموت والحياة .. آثار الكي بالنار تظهر على وجهه وفي فتحات قميصه الممزق ، وقف في ظل المشنقة وهو لا يقوى على أن يرفع يده ويطرد الذباب الذي تراكم فوقه ، أنصت هادئا الى قرار المحكمة التي تألفت لمحاكمته باعدامه شنقا ، كانت طقوسها قد اقتصرت على تلاوة اعترافه بالعربية والايطالية الذي كان ملخصه أنه قتل الضابط بدافع السرقة ، لم يصدق أحد كلمة واحدة مما جاء في نص الاعتراف المطول ، وسرت بين الناس الذين حشدوا في الساحة ضجة مكتومة ، لم ينتبه ابراهيم الى ما كان يجري حوله ولا حاول حتى أن ينظر الى وجوه الضباط الذين قدموا من أجل محاكمته ، لم يعبأ بقرار الموت ، فقد كان ما يشغله في تلك اللحظة تلك الصدفة العجيبة التي قادته الى معسكر الاعتقال ، فكر فيها أكثر من أي شيء آخر ، كان قد جرح في احدى المعارك وفقد حصانه الذي قتل ، عند ذلك أعفي من القتال ومن القيام بأي مهمات أخرى الى أن يشفى تماما ويسترد صحته ، ثم عرض عليه أحد رفاقه أن يحمله على ظهر حصانه الى قريته فهو لن يجد أفضل من زوجته تحنو عليه وتداوي جراحه . عاد الى قريته وفي اليوم التالي طوق الطليان القرية ورحلوا كل سكانها الى هذا الموقع في طرف الصحراء . تقدم منه رجلان حبشيان وفكا قيوده ليأخذاه الى خشبة المشنقة ، تحرر من قيوده ، وبدا أنه تحرر من كل ما يشده الى الحياة ، لم يعد يشعر بأي ألم ، ونفض عنه الحبشيين كما لو كانا حشرتين مؤذيتين ، ومشى نحو المشنقة في ثبات وقد أفلح في أن يرفع رأسه وصعد فوق الكرسي الذي وضع في الوسط تحت عقدة الحبل ، وقبل أن يلحق به الحبشيان لوضع الحبل في رقبته ، لاحظ محمود أنه يواجه حشدا غريبا من الأشباح ، فلم يدرك بوضوح الا في تلك اللحظة كيف أن كل واحد من سكان معسكر الاعتقال جاء وهو يحمل مشنقته على ظهره حتى الأطفال .. هؤلاء الناس هم الذين يستحقون الشفقة ، كان الصوت الوحيد الذي سمعه عندما أطبق الحبل على عنقه هو طقطقة خشب المشنقة .
انفض الزحام من حوله ، لم يبك أحد ، حتى النساء حبسن دموعهن ، فقد كان ابراهيم جليلا في موته وأكثر كبرياء وشجاعة من أن يودع بالدموع .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سادسا / العرس
موعد العرس يقترب ، وهو الذي كان يراه عامر من قبل أبعد من تلك النجمة الصغيرة التي ينظر اليها في ليالي الصيف من شباك عنبر النوم الذي ينام فيه برفقة عدد من زملائه التلاميذ في المدرسة الحربية . كان يعد الايام على أطراف أصابعه شاردا وهو يرقد في سريره قبل أن يغمض عينيه على أحلام مستقبله المشرق ، مستقبله وحباته الجديدة التي بدأت ملامحها ترتسم في طريقه بوضوح ، لم يبق هناك ما يعده ، فصوت البوق يرن في الفناء فيتجاذب صداه في عنبر النوم ، في أذنيه .. يلح عليه في أن يرفع عنه الغطاء وينهض . انه يوم التخرج الذي طال انتظاره له ، ها هي شمسه تبزغ في الأفق كما لو أن صوت البوق أيقظها هي أيضا فنهضت مسرعة ومتألقة الوجه . في هذا اليوم ستحقق حلم والده الذي كان يعمل ويعيش ويكافح الفقر بكل ثقله وهمومه في انتظار أن يراه ضابطا يرفل في بزة موشاة بخيوط الفضة ، يريدي حذاء طويلا من الجلد ، يمشي بنجمتين على كتفيه تلمعان في الضوء . لم ينس عامر أن والده هو الذي اقترح عليه عند انتهائه من دراسته الابتدائية أن يقدم أوراقه الى المدرسة الحربية ، مزينا له هذا الاقتراح بقوله : " ان الوطن يحتاجه في هذا الموقع أكثر مما يحتاجه في أي موقع آخر " وشرح له رأيه بأن الأتراك لن يمكثوا في البلاد اللا الابد ، فهم سوف يبارحونها طال الزمن أم قصر ، انهم غرباء عن هذه الارض بالرغم من كل شيء ، وقد حان الوقت لأن يكون لهذا الوطن جيش من أبنائه يتولى الدفاع عنه ضد عدوان وشراهة الدول الأوربية الى الاستعمار والتوسع على حساب الشعوب الضعيفة ، ألم يحتل الفرنسيون الجزائر بالمدافع ، ألم يشعلوا الحرائق تحت أقدام أبنائها ، ومن الجزائر تسللوا الى تونس ، الانجليز يمرحون في مصر ، أما الطليان البلداء فهم يمدون أبصارهم من وراء البحار نحو هذه البلاد ولعابهم يسيل طمعا فيها ، هم الأن يجوبون طرقات المدينة بقبعاتهم السوداء بلا سلاح ، وقد يظهرون في يوم آخر وفي أيديهم السلاح . نهض عامر بخفة وحيوية وغادر سريره . مد عامر خطاه نحو منزله في المدينة القديمة ، كان يمشي في الظل غارقا في ذكريات المدرسة الحربية التي تخرج منها ، ثم تهب عليه فرحة عرسه القادم كهذه النسمات الباردة التي تهب من البحر فيشعر برطوبتها المنعشة على وجهه ، ويفيق من ذلك على صدى الخبر الذي قلب حياته رأسا على عقب ودفعه الى السير في طريق آخر مجهول ، وقد يقلب مستقبله من جذوره ، ويحيله الى ركام ، حتى احتفال التخرج اقتصر على تحية العلم وأداء القسم بعد أن سرت شائعات غامضة تأكدت بسرعة ووضحت عن ابحار الأسطول الايطالي نحو الشواطيء الليبية . تأكد صدق الخبر فتغير طريقه تبعا له ، أما أمه فيبدو أنها لم تسمع بشيء ، أو أن الخبر مر من فوق رأسها كالريشة فلم تلتفت اليه ، فقبل أسبوع من تخرجه ذهبت لتخطب له زينب ، تلك الفتاة التي كان يلعب معها في طفولته ، فهي جميلة كالوردة وديعة كالحمامة وتضحك في حبور ، عندما كانا صغيرين لم يكن يطيق بعده عنها ساعة من نهار ، وبعد أن كبرا تغير كل شيء ، حجبت زينب في البيت فلم تعد تغادره الا بصحبة أمها ، وذهب هو الى المدرسة الحربية ، وصار يحتال لرؤيتها كلما حل بالحي في اجازة ونادر ما كان يوفق في ذلك ... أما الأن فانه مضطر الى أن يفارق حلمه في الزواج من زينب الى أجل لا يعلمه الا الله فان الاستعداد لملاقاة العدو وحربه أهم من أي شيء آخر . انعطف نحو الشارع ، ومشى بخطوات بطيئة متلفتا حوله ، ونظر الى الشباك الذي تطل منه زينب على الشمس والناس في الحي بعد حجبها ، فوجده مغلقا ، شعر بالأسف والأسى لأنه لم يتمكن من وداعها قبل سفره ، دفع باب البيت ودخل . وجد أخته الصغيرة تلعب في الفناء فسألها عن أمه ولكنها لم تجبه ، يبدو أنها لم تعجب ببدلته الجديدة ، ولكنه عندما رفع رأسه رأى أمه واقفة بعتبة المطبخ تتأمله بفرح ودهشة ، مبهورة ببدلته العسكرية الأنيقة بينما هو ينتصب في رشاقة كالسيف الذي يتدلى من نظاقه . تذكرت عودته المفاجئة فقالت : أخبرني أبوك بأنك لن تعود قبل يوم الجمعة .. ثم أضافت : اخلع ثيابك ريثما أجهز لك الطعام . فأجاب عامر : لا يا أمي ، ليس عندي وقت لأي شيء ، فقد جئت لأودعك . فقالت مندهشة : تودعني .. جئت لأراك قبل أن أسافر الى سواني بن آدم . تسافر .. نعم يا أمي حتى تنجلي الأمور .. أي أمور يا عامر ؟ الطليان قد يهجمون على المدينة في أي وقت لهذا فقد تقرر اخلاءها من العسكريين في الوقت الحاضر . لاذت الأم بالصمت ، لاحت في عينيها نظرات شاردة وحزينة ثم التفتت الى ابنها وقالت : والعرس ؟ فابتسم عامر وقال : نؤجله حتى أعود . سافر عامر مع فوجه من الضباط الشبان الى سواني بن آدم ، طوال الطريق ظلت صورة زينب قريبة منه ، لا تفارق خياله لحظة ، ابتساماتها ولون عينيها الزيتيتين ورنين ضحكاتها المرحة ، سوف تسمع بخبر سفره فتحزن من أجله ثم تمد يدها الصغيرة الى طرف خيط الأمل الذي يمسك هو بطرفه الأخر ، لن يخيب أملها بأي حال . ففي يوم من الأيام يعود الى الحي مرفوع الرأس ثابت الخطى ، يمشي في ظل راية النصر الخضراء وسوف تستقبله عند رأس الشارع ... لن تنتظر بالتأكيد حتى يمر قرب نافذتها .. سوف يلقاها بشوق ولهفة العريس ورجل لم يتأخر عن القيام بواجبه تجاه وطنه في محنته . أفاق عامر من خواطره على صوت ضابط الفوج الذي لكزه بعصاه في جنبه .. ما الذي يشغل بالك يا عامر ؟ وقف في استعداد وخبط الأرض بقدمه .. لا شيء سيدي القائد . فأمره القائد بصرامة : اذن انتبه لنفسك ولا تسرح .. بدأ الاستعداد للمعركة التي كان عامر يترقب موعدها متلهفا خافق القلب ، فهي سوف تكون معركته التي يخوض غمارها بشجاعة وبسالة ، ما أن ينقشع غبارها حتى يكون في الحي .. سوف يحكي لزينب عن أخبارها ويفيض في سرد تفاصيلها .. في مغرب يوم 26 من أكتوبر 1911 م صدر الأمر بالمسير نحو الهاني ، ركب عامر على ظهر جواده الأحمر وعلق بندقيته في كتفه ثم أنضم الى صف طويل مهيب من الخيالة والمشاة لا يعرف المرء أوله من آخره ، لقد هرع الناس من كل مكان ، من القرى والمدن النائية للمشاركة في المعركة ، كانوا يتحدثون ويضحكون بصوت عال عندما اهتز الموكب وبدأ زحفه البطيء ، هؤلاء الرجال لا يرهبون الموت بالتأكيد وهم يذهبون الى المعركة كما يذهب أناس آخرون الى عرس أو حفل ، كانت أعمارهم متفاوتة ، فهناك الشيخ الذي امتلأ جبينه بالغضون وضعفت قواه فهو يحمل في يده عصا تساعده على السير . كما تجد بينهم الشاب القوي الخفيف الحركة والكثير النشاط الذي حضر من قريته سعيدا بأنه يضحي بزهرة عمره من أجل وطنه . بدأ الموكب سيره على الطريق المغبرة وقد بدأ ضوء الشمس يشحب والظلام يهبط ، كان هناك جلبة كبيرة وغبار وأحاديث بين الناس عن كل شيء ، هذا يسأل وآخر يجيب ، لغط يرتفع في مكان آخر ، ضابط تركي بجواده من أول الصفوف الى آخرها يدعو الناس بصوت حازم أن يتراصوا ويحافظوا على النظام . عندما جن الليل هدأت الضجة قليلا ، فقد بدأ الاعياء يتسرب الى النفوس ، وتحولت الضجة بمرور الوقت الى ما يشبه الهدير الذي تذوب فيه كل الاصوات . وقع الاقدام على الارض .. وجلبة الخيول .. والنداءات والتعليمات التي يصدرها الضابط والثرثرة التي ظلت على ما هي عليه في بداية التحرك كما لو أن الناس يريدون أن يفرغوا كل ما لديهم من كلام قبل المعركة ، فكانوا يتناقشون ويتبادلون الآراء في كل ما يعن لهم ، بدأ عامر يشعر بالتعب والنعاس يثقل جفنيه ، فقد تعود على النوم مبكرا ، أما في هذه الليلة فلا مفر من أن يبقى على ظهر جواده يقظا مفتوح العينين . كان يهز رأسه كأنه ينفض عنه النوم ، وينظر الى ما حوله ، على جانبي الطريق انتشرت البساتين وأشجار النخيل ، نباح الكلاب يتماوج في الريح ، كان القمر قد ظهر في السماء مرسلا أشعته الفضية في وهن ، رياح الخريف تهب في موجات ضعيفة ، الموكب يتقدم ببطء ، أما بقية الطريق فقد قطعه عامر كأنه في حلم ، انقضى الليل ، وأطل الفجر في ضوء شمس مصفرة هزيلة ، صاح ديك بصوت هال كأنه يصدر الأمر ببدء المعركة من موقعه المجهول ، صاح مرة أخرى ، ولكن في المرة الثانية لم يسمعه أحد فقد صدر الامر بالهجوم فعلا ، دامت المعركة ما يقرب من ست ساعات متواصلة .. ورأى عامر كيف أن المتطوعين من رجال القبائل الذين لم يتعلموا شيئا من فنون القتال من قبل كانوا يندفعون في اتجاه مواقع الطليان كأن الرصاص الذي يطلق عليهم مجرد أحجار لا تضر ، أو ربما رغبوا في أن يبرهنوا للعدو أن المواجهة شيء وقصفهم للمدينة من البحر وهم يشربون القهوة شيء آخر . سقط كثيرون في أثناء الهجوم ، لكن الحماس لم يفتر ، وظل الطليان محتمين بأكياس الرمل وتحصيناتهم القوية يطلقون النار كالعميان في كل اتجاه من مدافعهم الرشاشة ومن البحر ، فقد أسهم أسطولهم الحربي في قصف القوات الوطنية من مواقعه البعيدة . كان عامر يتقدم الصفوف ويطلق النار بغزارة عندما انفجرت قنبلة بقربه فأصيب الحصان ووقع على الارض ، نهض عامر واقفا مذهولا ..ز نظر الى حصانه الذي كان يتمرغ على التراب ، ويختلج ، أراد أن يقترب منه ولكنه ما ان خطا نحوه حتى أصيب برصاصة في صدره وسقط بجواره . عندما انتهت المعركة عثر عليه أحد زملائه في المدرسة الحربية بين القتلى فانحنى عليه وفتش جيوبه بدقة فما وجد معه شيئا غير ورقة مطوية بعناية ، رسالة لم تتم كانت موجهة الى أمه ، ومما جاء في تلك الرسالة قوله : وصلت الى موقع التجمع عند سواني بن آدم مع زملائي منذ خمسة أسابيع ، الجو هنا بدأ يميل الى الاعتدال ، وبالأمس ظهرت غيوم رمادية في السماء مبشرة بقدوم الخريف ، لكم أحزنتنا أخبار القصف الوحشي للمدينة بالرغم من اخلائها من القوات العسكرية ، دمعت عيوننا وأقسمنا على الثأر ، أجل سنثأر لكل أولئك الأبرياء من الأطفال والنساء الذين دفنوا تحت ركام بيوتهم ، وسوف يعض الطليان على ألسنتهم من الندم . حنيني اليكم يكبر في كل ساعة ، وكم من مرة نهضت من نومي في الليل ، أفتح عيني على صوتك يناديني في الظلام فأحاول النهوض ، وعندما أفيق تماما أكتشف أنه مجرد حلم ، ولكنه يعبر عن حقيقة وهي رغبتي في العودة الى البيت بأسرع ما يمكن ، أرد الغطاء على وجهي شاعرا بتأنيب الضمير ، أنساءل بصمت فيما اذا كان من الجائز لواحد مثلي أن يدير رأسه نحو صوت آخر غير صوت الوطن في هذا الوقت . وداعا يا أمي ، كنت أود أن أكتب لك رسالة طويلة أحدثك فيها عن كل شيء بالتفصيل ، ولكن الأوامر بالاستعداد للرحيل نحو قصر الهاني تتعالى في الخارج ، سوف أكتب لك مرة أخرى في وقت قريب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سابعا / لكنه لم يعد
بعد سنوات طويلة من المقاومة العنيدة وصمود الأهالي في وجه القوات الغازية ، تمكن الطليان من احتلال البلاد ، وبسط نفوذهم على كل شبر من ترابها ، وفي أعقاب البيان المدوي الذي أصدره الحاكم الايطالي بهذا الشأن تألفت محاكم خاصة ، هي الاولى من نوعها في التاريخ ، فقد جيء اليها بأولئك الذين رفعوا السلاح في وجه الاحتلال لمحاكمتهم وانزال العقاب الصارم بهم . كان المبروك أحد هؤلاء الذين تقررت محاكمتهم ، وهو رجل قروي طويل القامة كالنخلة ، يحلق رأسه بالموسى ، شاحب الوجه ، يعلق في رقبته حجابا لكي يحفظه من الشرور الخفية كما تدعي أمه ، أحضر الى قاعة المحكمة فدخلها هادئا متزن الخطى كأنه يدلف الى سقيفة منزله عند عودته من السوق ، من غير أن ترهبه تلك المظاهر الاحتفالية الصاخبة ، كمل لم يأبه بالحرس المدججين بالسلاح الموزعين في جنبات القاعة كتماثيل من الشمع ، وقف في قفص الاتهام مرفوع الرأس ، وجال بعينيه الصغيرتين في المكان يتفرج في هدوء ، وكاد أن يضحك لهيئة القاضي العسكري العجوز الذي كان يجلس في أبهة متوسطا المنصة ، يزين صدره بشارات زرقاء وحمراء وصفراء تلمع في الضوء كريش الطاووس ، كان متجهما ومتعبا وبين أصابعه لفافة تبغ غليطة منطفئة .. أوحى له منظره بنوع العقوبة التي تنتظره ، مع ذلك فهو لا يشعر بالندم على ما فعله ، لقد مر زمن طويل على تلك الحادثة التي قتل فيها أحد الضباط الطليان ، لكنه ما زال يتذكر كل شيء ، حتى أدق التفاصيل ، فهي تهب عليه غضة ونضرة كما لو أن شمس ذلك اليوم عادت لتشرق في زاوية هذه القاعة التي تضيئها مصابيح كبيرة . في ذلك اليوم نشطت الريح في قريته ، ومنذ الصباح عبرت شوارعها وهزت أبواب بيوتها محملة بأخبار الهدنة بين المجاهدين والحكومة الايطالية التي كان من أبرز شروطها وقف اطلاق النار على أن يخلي الطليان مواقعهم في المدن والقرى الداخلية ، وأن يدخل المجاهدون والقوات الوطنية مدينة طرابلس التي يوجد بها مقر الحاكم العسكري الايطالي . نزلت هذه الاخبار على أهالي قرية المبروك كالمطر عقب عدة سنوات من الجفاف والقحط ، وعندما مرت بالقوات الايطالية تغير وقعها فقد تساقطت على رؤوسهم كالأحجار الثقيلة ، تغير كل شيء فجأة ، وانقلب الغزاة على أعقابهم هاربين منسحبين في عجلة وفوضى . يومها قال المبروك في نفسه : حانت ساعة القصاص من المحتلين الذيم أمسكوا بزمام قريته زمنا طويلا فأحالوها الى ما يشبه خرابة كبيرة تسكنها العناكب الضخمة ، ولا يرتفع فيها صوت الا أصوات البوم .. هي ساعة القصاص كما تبدت في نفوس أهل القرية أيضا الذين نظروا الى الطليان الفارين من خلال عيون موتاهم لحظة وقوفهم في ظلال المشانق ، وبعيون أولئك الذين تشردوا في الصحراء بلا ماء ولا طعام وانتظروا عودتهم بلا جدوى ، بعيون أطفالهم الذين تقلبوا طويلا في فراش الحمى من غير أن يرق لهم قلب الطبيب الايطالي في القرية فيعطيهم حبة دواء .. وهم لا ينسون أبدا الرصاص الأعمى الذي يطلقه الحراس على كل شيء يتحرك في شوارع القرية عند هبوط الظلام . خرج الاهالي يطاردون الجنود الذين كانوا يفرون كحشد هائل من الجرذان ، يضربونهم على أقفيتهم بالعصى ويرمونهم بالحجارة . كان المبروك قد خبأ بندقيته العتيقة عن عيون الطليان في بئر مهجورة ، فقد كان يعرف أن الطليان عند اجتياحهم للمدن أو القرى كانوا يصادرون كل نوع من السلاح ، أو ما يعتبرونه سلاحا ، فلا يتركون شيئا حتى أمواس الحلاقة والمناجل .. توجه الى البئر المهجورة وحفر فيها بيديه حتى عثر على بندقيته ، أخرجها ونظفها من الغبار والصدأ .. ثم انحدر من قريته على ظهر جواده ، بدأ الجواد يخب به وقد تملكه الحماس الى أن ظهر أمامه عند منحدر الوادي رتلا من الجنود على رأسهم ضابط برتبة كبيرة ، ضخم الجثة يمتطي فرسا رمادية كان جلدها يلمع في الشمس ، تأملهم بعينيه الحادثين وهم في القاع يسرعون في عاصفة من الغبار .. كان الضابط المكتنز يولي ظهره للقرية ، وبين حين وآخر يلكز فرسه المتعبة بسوطه الرفيع ، هو نفس السوط الذي كان يلسع به كل من يقابله في طريقه من سكان القرية أثناء تجواله في دروبها ، ويضحك للألم الذي يعتصر قلب ضحيته .. صوب بندقيته نحو الضابط وهو يفكر : سوف أشنق نفسي بحزامي اذا أصبه في رأسه . انبطح على الأرض ، أغلق عينه اليمنى وأطلق النار ، ورأى الضابط يتمايل فوق ظهر فرسه ، ثم هوى كطائر ضخم ألصق جناحيه الى جنبه ... أطلق مرة أخرى فجرح جنديا ، وعندما نفذ الرصاص الذي كان في حوزته قفل راجعا الى قريته كما يعود المرء من نزهة أمتعته صافي الذهن ... شاعرا بأن عبئا ثقيلا لا يدري ما هو قد انزاح عن كتفيه . عض رئيس المحكمة العجوز على غليونه المنطفيء وقال : اذن فأنت تعترف بهذه البساطة بأنك قتلت ضابطا وجرحت عددا من جنودنا في ساقية الحمراء .. ؟ فأجاب المبروك بهدوء : نعم .. أعترف .. فصاح الضابط حانقا : لماذا فعلت ذلك بحق المسيح .. ؟ كاد المبروك أن يقهقه لغرابة السؤال وهذا المسيح الذي لا يعرف من يكون ، ولكنه حبس ضحكته وقال بوقار : كأنك لا تعرف ما هو الوطن أيها الضابط ، أليس لك وطن تحبه كما تحب أمك ، كنت أحارب من أجل وطني .. صمت المبروك برهة وتنهد ، ثم أضاف : أما الآن فقد تغير الموقف ، تغير لصالحكم مع الأسف فلم يبق الا أن أعيش في سلام ، وان كان هو السلام الذي أرجو ألا يدوم طويلا .. انحنى رئيس المحكمة على الملف الذي وضع أمامه ، تصفحه بسرعة ثم أغلقه ، رفع رأسه ونظر الى المبروك قائلا : يمكنك أن تنصرف الى بيتك أيها الرجل .. قل لأهل قريتك بأن مملكة ايطاليا العظيمة لا تحب سفك الدماء لهذا عفت عنك وهي تسامحك على كل ما ارتكبت من جرائم . نهض رئيس المحكمة ومشى نحو الباب بحدائه الطويل . كان يشعر بالخذلان لأن المتهم لم يستعطفه بكلمة واحدة ، ولا أنكر ما نسب اليه من تهم عقوبتها الاعدام ، عند الباب انحنى على قائد الحرس وهمس في أذنه بشيء ما .. غادر المبروك بدوره قاعة المحكمة وهو يتحسس رأسه ، انه لا يصدق بطريقة ما انه أفلت حقا من حبل المشنقة ، من البداية أدرك أن الضابط به مس من الجنون ، وكان مستعدا أن يقسم على ذلك ، ولكن هل يصل به ا؟لأمر الى حد أن يصدر حكما بالعفو عنه .. مشى على قدميه حتى وصل الى ساقية الحمراء وهناك توقف متلفتا حوله ، وجهد في أن يتذكر اسم اليوم الذي أطلق فيه الرصاص على قوات الجيش الايطالي المنسحبة من قريته ، ولكنه أخفق في ذلك ، أو ربما لأن الوقت لم يتسع له ، فمن مكان قريب في الظلام أطلقت رصاصة أصابته في رأسه .. كان هذا هو الحكم السري الذي صدر بحقه وهو لا يدري . لم ير الرصاصة ، ولكنه رأى الضابط الايطالي في ساقية الحمراء وهو يهوي من فوق فرسه .. ثم أغمض عينيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثامنا / الرصاص لا ينتظر
ارتمى حامد في ظل شجرة كثيفة الأوراق بعد أن هده السير السير لمسافة طويلة على قدميه في حذاء مهتري ، كان متعبا ومسربلا بأحزانه ، العرق يغسله وينحدر من ظهره في حبات كبيرة .. أغمض عينيه وتنفس بعمق ، كان الهدوء من حوله عميقا فلا أثر لأي كائن بشري ، لم يقطعه الا رف من الطيور ظهرت في الافق تحلق على ارتفاع كبير وهي تصوصيء الى أن اختفت . كان حامد يبحث في أعماقه عن شيء لا يعرف ما هو طوال رحلته في طريق عودته الى قريته . فكر كيف أنه نجا من الأسر ليقع فيما هو أسوأ منه ، ود لو أنه يستطيع أن يتخلص من احساساته بأنه قد خذل قائده بطريقة ما ، بالرغم من أن عمر المختار قد أمر رجاله بالتفرق والابتعاد عند وقوعه من فوق حصانه ، حين أدرك بأن كل الطرق قد سدت في وجهه باحكام ، وأن الطوق الذي ضرب من حوله تنعدم كل حيلة في اختراقه . ظل حائرا بين أن يترك موقعه وينسحب ، وبين أن يبقى ليخوض معركة يائسة ، نظر الى حصانه الذي كان ملق على الارض ينزف منه الدم بغزارة ، يرفس بقدميه ويختلج ، أين يذهب من دون حصان ، جاءته فكرة رأى فيها خلاصة من حيرته ، فتشبت بها ، اذا لم يكن هناك مفر من الانسحاب فلن يكون ذلك قبل أن يطلق آخر رصاصة معه ، ليس في وسعه أن يقترب من عمر المختار لكي يخبره برأيه هذا ولكنه لن يفرط فيه بأي حال ، وهو ما يعاهده عليه بالرغم من المسافة التي تفصل بينهما ، وهو بنفسه من يشهد على موقفه هذا ، هو وضميره . عندما فرغت بندقيته من الرصاص ، نهض واقفا وعلق بندقيته على كتفه ، نظر في كل الاتجاهات محاولا أن يحدد خط سيره باتجاه قريته ، ومضى من غير أن يلتفت وراءه . لم يشعر بتأنيب الضمير طوال الطريق ، فهو قد انسحب بشرف وليس بطريقة الجبان الذي لا يهمه شيء ساعة الخطر الا النجاة بجلده . كان مطمئنا الى أن أحدا لم يلحق به أو يعبأ بمطاردته هو أو غيره من الذين كانوا برفقة عمر المختار في معركته الاخيرة ، على الاقل ليس قبل أن يفيق العدو من ذهوله ويتأمل بعين الرضى والفرح هذه المعجزة التي طال انتظارهم لها . فعندما سقط عمر المختار من فوق جواده تزاحم حوله الضباط والجنود الطليان كالذباب وهم لا يصدقون ما حدث ، لقد أعيتهم ملاحقته وطالت حتى كادوا أن ييأسوا من القبض عليه أو قتله . كان يظهر لهم في الوقت الذي لا يتوقعون فيه ظهوره ، يضرب بشدة ثم يختفي ولا يترك أي أثر وراءه كأنه في اللحظة التالية يتلاشى في الهواء . على مر السنوات ، في ضوء البنادق ، والقنابل وسحب الغبار والخطط التي تخفق وبرك الدماء التي تروي الارض والجنود الطليان الذين يهربون ساعة المواجهة غدا عمر المختار أسطورة ، الرجل البسيط الذي شاخ وهو يحارب أعداء وطنه ، ولكنه ظل يحلق فوق الهزيمة التي لا تجيء ، فوق الشراك التي تنصب له ، فوق نيران المدافع ، يمرق من الكمائن كما يمرق الخيط من الابرة ، وكلما توقع الأعداء نهايته خرج عليهم كطائر النار يخرج من الرماد ، يهزأ بهم ، ويعاود هجوماته على قواتهم في وضح النهار . أي ذكريات حميمة تركها وراءه ، شعر حامد برطوبة الظل فارتخى في جلسته ونظر حوله ، شمس سبتمبر تتوهج بضوء باهر حار ، والسماء صافية شديدة الزرقة .. قريته قريبة ، سوف يعود اليها ليرى أسرته ، وهذا كل شيء . دس يده في مخلاته وسحب قطعة من خبز الشعير متيبسة كالعظام ، ودس يده مرة أخرى في المخلاة باحثا عن تبغه ، ولكنه أخرج بدلا من ذلك رصاصتين شعر بهما باردتين وصلبتين في كفه ، أغمض يده على الرصاصتين .. قطب حاجبيه وهو يفكر في وعده الذي قطعه على نفسه بأنه لن يغادر أرض المعركة الا اذا نفذ الرصاص الذي معه ، قام واقفا وهو يعض على قطعة الخبز الجافة ، وضع الرصاصتين في مخزن البندقية وجر قدميه باعياء في الطريق التي قدم منها . اقترب حامد من الموقع الذي أسر فيه عمر المختار ، كان تعبا يريد أن يفرغ من المهمة التي عاد من أجلها بأسرع ما يمكن ، لكنه لن يطلق رصاصتيه في الهواء بالرغم من ذلك ، فجأة سمع ضجة غير عادية فجمد في مكانه وأرهف أذنيه ، انه يعرف بالتجربة عبر سنوات الكفاح المريرة أن عيون الطليان وقواتهم تنتشر في كل مكان على امتداد الجبل الاخضر ، تحت الاشجار ، وفي عمق الوديان ، خلف الصخور وفي الادغال ، وهو ما كان يجري بطريقة منظمة في اطار الخطة المرسومة لحصار عمر المختار ورفاقه وعزلهم عن الاهالي فيما يشبه الشبكة التي لها ثقوب ضيقة ، لقد أخليت مدن الجبل وقراها من سكانها طبقا لذلك رحلوا بقوة السلاح الى معسكرات الابادة في أطراف الصحراء .. وحشروا هناك في خيم بالية ليلاقوا مصيرهم التعس مرضا وجوعا ، وضرب بالسياط وشتائم لها قسوة السياط على الجلد العاري . أصغى بحذر وتوتر ، ثم ما لبث أن تبين مصدر الضجة ، فقد رأى عددا من الجنود الطليان والأحباش مقرفصين عند فتحة خيمة نصبت في ظل شجرة ضخمة ، كانوا يضحكون بمرح وبصوت عال وأحدهم يسترسل في الحديث وهو الذي كان يثير ضحكهم بكلامه ، حنق لذلك وشعر بدمه يشتعل في رأسه ، من الخيمة خرج ضابط برأس عارية ، حدق في الافق ثم عاد الى الداخل . شرع حامد يزحف على بطنه وقد أحس بحرارة الارض تكويه في جلده وساقيه كأنه يزحف على الجمر ، وعندما رفع رأسه رأى ماسورة مدفع تمتد نحوه والمدفع مغطى بالعشب . صوب بندقيته وفكر : " ليس معي الا رصاصتين ولكنهما تكفيان لايقاف هؤلاء الجنود عن الضحك " صوب حامد نحو الجندي الأحمر الشعر الذي كان منهمكا في الكلام ملوحا بيديه في الهواء يتحدث بانفعال وبصوت طفولي كأنه يحاول في أثناء ذلك أن يتحرر من مخاوف غامضة ما زالت تستبد به وتحبط من طلاقة حديثه . كان هذا الرومي الخائف يروي لزملائه واقعة سقوط عمر المختار عن ظهر جواده وأسره الذي تم بأعجوبة ... وكان آخر ما قاله حين صوب اليه حامد بندقيته : " توقعنا أن ينهض هذا الرجل العجوز وينفض الغبار عن ثيابه ثم يختفي في الأدغال فلا نعثر له على أثر كما كان يحدث من قبل ، غير أننا في هذه المرة تقدمنا منه في دائرة كبيرة وأسلحتنا مشرعة في وجهه ومن ورائنا قوات المدفعية والعربات المصفحة تحمى ظهورنا وتسد الطريق في نفس الوقت أمام أي محاولة للتدخل من طرف جماعته لانقاذه ... لم نترك له الفرصة لكي يلتقط أنفاسه ، أما هو فقد بقي في مكانه هادئا ، يدير عينيه الحزينتين فيما حوله ، خيل الي ساعتها أننا لم نكن في نظره الا مجرد صفوف متراصة من الحشرات يستعرضها ساهما فلا تهز شعرة واحدة في رأسه " ثم أضاف : " الواقع أنني لم أره من قبل . وعندما نظرت اليه من فوق أكتاف الجنود بدا لي بملابسه البيضاء ولحيته البيضاء أيضا كالقطن كملاك هبط من السماء وعلى كتفه بندقية " . لم يتمكن الجندي من أن يتم كلامه فقد ضغط حامد على الزناد فخرجت من البندقية رصاصة مصحوبة بصفير مبحوح كصفير أنفاس رجل يلهث ، انطلقت كما لو أنها طائر دقيق الحجم ألصق جناحيه إلى جنبه ، وبخفة نقرت رأس الجندي الأحمر الشعر من الخلف فنفر منه الدم . صمت الجندي وان ظل فمه مفتوحا، وظلت آخر كلماته تجول في حلقه تأبى أن تخرج، ولم يدرك رفاقه ما حدث إلا عندما انكب على وجهه في التراب . صوب حامد من جديد وقد انتشى بإصابته للهدف ، لم يبق إلا أن يطلق رصاصته الثانية وفاء بوعده ثم يعود إلى قريته التي طال غيابه عنها ، ولكنه لم يتمكن لسوء الحظ من أن يطلق رصاصته الأخيرة ، فقد اكتشف الجنود الطليان والأحباش موقعه ووجهوا إليه نيران أسلحتهم ثم تقدموا منه بحذر وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم . وعندما رفع حامد رأسه بإعياء ونظر إلى الوجوه السمراء والبيضاء التي انحنت فوقه لم يستطع أن يميز هذه من تلك ، فقد تعكرت عيناه ، وشعر بنفسه يهوي في قعر بئر لا قرار له ، ثم تلاشت الوجوه السمراء والبيضاء ... ولم يعد حامد يشعر بشيء . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تاسعا / أم السعد في رحلة الحرب
كلما ظهرت أم السعد في طرقات القرية طوقتها العيون حتى عيون الأطفال في إعجاب وانبهار ، وتشير إليها الأصابع التي تبيقى مرفوعة في الهواء حتى تختفي ، والواقع أن الفتاة التي لم تتجاوز السادسة عشر من العمر كانت ذات جمال خارق ، شعرها الغزير الفاحم ينزل حتى خصرها ، تفوح منه على الوام رائحة زيت الزيتون الذي تذهنه به ، إلا أن أم السعد لا تبدو أبدا راغبة في ترك شعرها متهدلا يتطاير في الريح إذا سقط الرداء عن رأسها ، فكانت تضفره في جدائل غليظة . لم يكن لأهل القرية غير حديث واحد مشوق يجري كالماء تتربع فيه أم السعد على الدوام ، فهم لا يكفون عن الثرثرة مأخوذين بسحرها وحشمتها على السواء ، وهي بالإضافة إلى ذلك كان لها صوت أرق من النسيم ، فإذا فتحت فمها ونطقت بشيء بدت وكأنها توشوش في أذن غزال شارد . أما هي فلم تكن تبالي بما يروى عنها ، ولا تجد في نفسها شيئا يميزها عن بقية بنات البلدة ، وفي ذات يوم حطمت مرآتها الصغيرة حتى لا تعطلها عن اللحاق بوالدها ومساعدته في أعماله الزراعية ، كان أبوها رجلا فقيرا يعول أسرة كبيرة ، وهي تعمل معه لكي تكسب رزقها بعرق جبينها . كانت بيوت البلدة قد بنيت من غير نظام .. فالأرض ملك الجميع ، ولم يكن هناك نزاع أو خلاف حول حرية أن يبني كل واحد من السكان بيته في المكان الذي يعجبه ، أو ينتقل إلى مكان آخر في أي وقت ، فكان يمكن للزائر الغريب أن يمر بصف من البيوت الصغيرة قرب منحدر الوادي ، فإذا نظر وراءه رأى عدة بيوت أخرى تنهض منعزلة فوق الهضبة ، وإذا تقدم إلى الأمام فسوف يعترض طريقه منزلان قديمان متلاصقان يسند أحدهما الأخر ، وعند دخوله إلى الساحة فان أول شيء تقع عليه عيناه هو الجامع ، فإذا تجاوزه وأفلت من الغبار الذي يثيره الأطفال وهم يلعبون في صخب ، فانه يجد نفسه قبالة منزل منعزل لابد أن يستوقفه أو يثير شيئا من الدهشة ، فهو عبارة عن بناء مستطيل له حدبة واطئ السقف ، ولعل الناس لهذا السبب يشبهونه بجمل يبرك على الأرض ، وراء باب هذا المنزل تعيش أم السعد مع أسرتها ، وهي لا تدري شيئا عن الخرافات التي يحكيها الناس في حيوية من حولها ، فقد بلغ إعجابهم بجمالها وحبها لعمل الخير إلى القول بأن الكلاب تكف عن النباح وتهز ذيولها في مرح عند مرورها .. أما الطيور فتبقى في مكانها عند اقترابها ، فلا تطير مروعة كما تفعل إذا مر بها إنسان أخر ، إذا تأخر هطول المطر في موسم الحرث قالوا لابد أن أم السعد متوعكة أو أن هناك ما أغضبها ، فإذا حبلت السماء بالسحب ونزل المطر تراهنوا على أنه قد زال عنها ما كان يكدر صفوها ، أو أنها كانت مريضة ثم استردت عافيتها . وبينما كان الناس مستغرقين في نسج خرافات جديدة ، تقدم عبدالرزاق العامل في مطحنة البلدة طالبا يدها من والدها ، رحب به الرجل الذي أقعده المرض فهجر حقله وتحول إلى صناعة حبال ونعال الليف .. بهت الناس عند سماعهم بخبر الخطبة ، فهم يعرفون عبدالرزاق جيدا ، فهو شاب فقير لا يملك إلا ثيابه وأجر يومه ، كانوا يتوقعون أن يكون الخطيب حاكم البلدة أو أحد أتباعه على أقل تقدير . دعاه الأب إلى الجلوس ثم قال : إذن فأنت تريد الزواج من أم السعد ؟ نعم يا عم .. أمهلني يوما واحدا حتى أخد رأيها فهي صاحبة الشأن في هذا الأمر. كما تشاء يا عم . وفي غضون أسبوع احتفلت البلدة بعرس أم السعد ، تصاعدت الزغاريد من المنزل الواقع قرب الجامع ثم توزعت في البيوت الأخرى ، وحومت فوق الرياح وانتشرت على الروابي ، لم يتخلف أحد عن حضور العرس الذي تواصل في صخب لمدة سبعة أيام ، وبدا أن عرس أم السعد هو عرس لأهل البلدة جميعا . وبعد العرس رجع الناس إلى بيوتهم فرحين ، ومتعبين ، ولاح أن حكاية أم السعد التي ظلت لزمن حكاية تروى من غير راو قد وصلت إلى نهايتها ، فها هي تعيش حياتها كأي امرأة أخرى منكبة على خدمة زوجها ، قلما تغادر البيت ، فإذا تصادف أن رأوها تمشي في طرقات القرية المغبرة تفحصوها بفضول واهتمام ، فيلاحظون أنه لا شيء تغير فيها ، فما زالت عيناها تلتمع في براءة ، وما زالت الكلاب والطيور تفرح لرؤيتها ، أما حماسها لأعمال الخير ومساعدة المحتاجين من أهل البلدة بأي شيء فلم يفتر أو ينقطع .. كل من يراها يقول بأنها قد زادت جمالا بعد الزواج. وفي نهاية العام أنجبت توأمين ، فسعد أهل البلدة بالخير ، وقد وهبت أم السعد ما تختزنه من حنان وعواطف دافئة لطفليها فلا تفارقهما لحظة ، وقد بدا زوجها أكثر الناس سعادة ، فقد تضاعف أجره ، وشرع في بناء منزل جديد . ولكن سعادته لم تدم طويلا فقد وقع مريضا بمرض غامض ، وقال الناس بسذاجة لقد أصابته عين ، ولكن الرجل ضحك بالرغم من مرضه فهو لا يؤمن بالخرافات ، وظل يصارع مرضه في صمت إلى أن فارق الحياة . لا شيء يدوم لا فرح ولا حزن.. وكان هذا فحسب ما تناقله سكان البلدة في هذه المرة ، لا شيء يدوم إلى ما لا نهاية في هذه الدنيا المتقلبة ، كان حزنهم على وفاة الرجل لا يقل عن حزن أم السعد نفسها ، وقد خالط حزنهم الإشفاق والحيرة ، كيف تواجه أم السعد الحياة بمفردها ، ومن أين تنفق على طفليها ، ولكن أم السعد لم تركع في مواجهة ظروفها الصعبة ، تلقت مصيبتها بكثير من الصبر وقوة الإرادة ، ونهضت بحملها الثقيل من غير تبرم أو تكاسل ، وبعد عدة شهور بدأ الخطاب يطرقون أبوابها فكانت تردهم واحدا في اثر الآخر . لماذا يا أم السعد ؟ فتجيب على السؤال الذي لا يتغير قائلة برقة وهي تطرق برأسها : أبنائي أحق بي .. وعلى الفور عادت إلى حقل والدها المهجور .فكانت تنهض في الفجر ، تعد طعام الإفطار لطفليها ، وتكنس فناء المنزل وتفتح النافذة المطلة على الساحة ، وتتفقد دجاجاتها التي تغلق عليها قفص الجريد في الليل ، عندما تفرغ من شؤون البيت تذهب إلى الحقل ، فتنكب على العمل بلا راحة إلى آخر النهار ، فإذا مالت الشمس إلى الغروب عادت إلى البيت ، قد هدها التعب ، وتجرحت يداها الصغيرتان ، وعرف الناس بعد وقت قصير أنها جادة كل الجد فيما اعتزمته ، فها هي تجهد نفسها في العمل طوال اليوم ومن غير حاجة إلى مساعدة أحد ، وبعد هذا فان سيرتها في البلدة ظلت أنقى من الماء ، لقد أصبحت هي المثل الذي يضرب به الناس للوفاء والطيبة والاستقامة والنشاط الذي لا يتطرق إليه الفتور . وعندما كبر ولداها وصارا قادرين على فهم ما يجري حولهما أرسلت بهما إلى الكتاب ، وبعد أن تعلما القراءة والكتابة وأتما حفظ القرآن انضما إليها في الحقل ، وبدأت عندئذ تعرف طعم الراحة بعد سنوات طويلة من الشقاء والعمل المجهد ، آن لها أن تهدأ قليلا ، وأن تجني ثمرة جهودها المضنية . كان أهل البلدة يتبارون في رواية أخبار الحرب والثورة ضد الطليان ، فالمقاومة الشعبية لم تهدأ لحظة واحدة من يوم أن وضع الطليان أقدامهم على شواطئ مدينة طرابلس ، لقد جاءوا في نزهة على حد تعبيرهم ، فإذا بالنزهة تتحول في غضون أسابيع قليلة إلى حرب مروعة تبدت فيها بربرية العدو القادم من وراء البحار على حقيقتها مغرقة في دمويتها ووحشيتها ، إذا نزلت بهم ضربة حاسمة من قبل القوات الوطنية ومن الثوار المتطوعين انقلبوا إلى البيوت الآمنة يحطمون أبوابها ويجتاحونها كالإعصار ، يقتلون النساء في المطابخ ، ويطلقون النار على الأطفال في أسرتهم ، وتستيقظ فيهم روح اللصوصية فينهبون كل ما يقع تحت بصرهم حتى الأشياء الرخيصة التي لا قيمة لها ولا نفع فيها . يهلل أهل البلدة لأخبار النصر ويحتفلون بها ، وينتظرون بفارغ الصبر أن يجيء خبر عودة الطليان إلى سفنهم الراسية في عرض البحر ، لقد تعطل ذلك الخبر أكثر مما يجب ، ثم فوجئوا بما لم يخطر لهم على بال ، زوبعة من الإشاعات المؤسية اجتاحتهم في بيوتهم وحقولهم كان يروج لها أولئك الذين يعودون من السوق أو الذين يفدون من سفر ، هؤلاء الناس يدخلون البلدة بوجوه مصفرة ، ويتحدثون واجمين عن أن مدافع الطليان قد تطول بلدتهم النائية هذه في أي وقت . وفيما كانت أم السعد عائدة من الحقل في مساء أحد الأيام ، تمشي في اتجاه منزلها استوقفتها إحدى النسوة وروت لها بإيجاز ما يدور على ألسنة القوم من أن الطليان أصبحوا يعسكرون على بعد ذراع ، ومن المحتمل أن يهاجموا البلدة في غضون أسابيع قليلة . لم تندهش أم السعد للخبر الذي سمعته، فهي لم تكن بعيدة عما يجري وما يقال، لم تشعر بالخوف، وعندما وصلت إلى منزلها وجدت ولديها قد عادا من السوق ينتظرانها عند الباب. هل سمعت بالخبر يا أمي ؟ فهزت رأسها بالإيجاب . دنا علي من أمه وهو الذي كان أطول من أخيه وتبدو عليه ملامح رجولة مبكرة وقال: بعد إذنك يا أمي ، سوف أتطوع للقتال ضد الطليان .. فقال محمد بسرعة : وأنا أيضا... لا أنت تبقى بجانب أمك .. لن أبقى .. ابتسمت أم السعد لهذه الخصومة التي تنشب لأول مرة في بيتها ، لم تقل أي شيء في البداية ، وبعد العشاء تجدد الخصام بين ولديها ، وتطور إلى تحد سافر حول أي منهما يكون محظوظا أكثر من الثاني فينال دعوات أمه الصالحة وهي تمنحه شرف الاشتراك في الدفاع عن البلدة ضد الغزاة . ولكن أم السعد لم تخيب أمل أي منهما عندما قالت: هذه الخصومة لا معنى لها، الصحيح أن نذهب نحن الثلاثة إلى الحرب. في اليوم التالي عندما سرى الخبر في البلدة وقع الناس في بلبلة وحيرة ، كان من رأى البعض أن الحرب لا يقدر عليها غير الرجال الأشداء وحدهم ، وأنه يتوجب على أم السعد أن تلزم بيتها ، فهي امرأة لم تخلق للقتال وإنما لتربية الأطفال ، وظن البعض الآخر أن الأمر كله مجرد دعابة بريئة لن تعيش طويلا ، بالرغم من هذا فقد عاد الحديث عن أم السعد يحتل المرتبة الأولى في كلام الناس ، خاصة أنه يبرز هذه المرة في خضم الأحداث المرتبطة بمصير البلدة ومستقبل سكانها ، صارت أم السعد حكاية باهرة تتصاعد في دخان الأفران ، تجوب الطرقات ، وتصل لاهثة إلى الزوار الذين يحلون بالبلدة بين حين وآخر . وبمرور الوقت لم يعد هناك أحد يجهل مغزى هذه الحكاية . فالطليان يقتربون ، ومعنى هذا أن البلدة ينبغي لها أن تنهض على قدميها ، وانه ينبغي على أهلها الذين يفتقرون إلى السلاح أن يتخلوا عن هذه الحجة الواهية ، أن يحاربوا بالفؤوس والمناجل والأحجار وسكاكين المطابخ وبالعصي أيضا . أخيرا جاء اليوم الذي ضربته أم السعد لنفسها كحد فاصل في حياتها بين السلام والحرب ، وهي التي كانت تقول دائما من أنه من العار أن ينتظر المرء عدوه حتى يطرق عليه بابه ، وجدت أنه ليس من اللائق أن تترك قرار الحرب لعبة في يد الأقدار ، فأعلنت بدقة عن ساعة الرحيل ، وفي صباح أحد أيام الجمعة اندفع أهل البلدة إلى الساحة لرؤية أم السعد المتوجهة إلى خنادق القتال ، ولم يلبث الموكب الصغير أن ظهر عند عتبة البيت الذي يشبه جملا برك على الأرض ، بدا المشهد مثيرا إلى حد كبير ، فها هي أم السعد تمتطي ظهر حمار رمادي ملفوفة الرأس بطرحة زرقاء داكنة ، تعلق في كتفها بندقية عثمانية قايضتها بعقد الفضة الذي اشتراه لها زوجها ضمن شروط المهر . وهمس أحد شهود الموكب قائلا : إنها أجمل مما هي عندما كانت صبية يافعة.. بدأ الموكب يشق طريقه في الزحام وضجة المتفرجين... أم السعد على ظهر الحمار تسير في المقدمة ، وعلى يمينها يمشي ابنها على الذي لاحظ الناس لأول مرة أن الشعر قد نبت في وجهه ، أما محمد فقد كان يتبعهما من الخلف ، يسير في خيلاء متباهيا بنفسه ، يتفحص وجوه الناس من حوله ، ثم يسرح بصره في البيوت المشرعة الأبواب . كان الموكب يبتعد ولكنه يكبر شيئا فشيئا ، وعند المنعطف لاحت أم السعد وهي تسير على رأس جيش كبير من أهل البلدة ، جيش مسلح بالعصي والفؤوس .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاشرا / الرجل الذي فقد حذاءه
نظر الشيخ عمر إلى الجبل الذي بدا مخضرا وكأنه خلع عنه ثوبه القديم الذي يحتفظ به على ظهره طوال العام، فلا يغيره إلا في الربيع. كانت الشمس قد طفت في وداعة عند كتفه العريض ملمعة ببريق كبريق الفضة ، ينهمر منها الضوء الذي يترقرق في السفح ، هناك حيث يمتد بساط من الإعشاب القصيرة الغضة ، تزينه الزهور البرية بألوانها الزاهية متمايلة في الريح برقة ، تلوح من بعيد كبقع ملونة من الضوء تتماوج في الهواء . كان يوما من أيام الربيع المشرقة . قرفص الشيخ وغرف الماء من الإناء الفخاري، غسل وجهه فشعر ببرودة الماء على جلده وانتعش بها. يجب عليه أن يتم وضوءه بسرعة ويصلي ، فلديه اليوم أعمال كثيرة في الحقل ، سوف يذهب إلى السوق أولا ، فهو في حاجة إلى أن يسوق ما تراكم لديه من خضرة قبل أن تذبل فيبوء بخسارة لا تعوض ، مرة أخرى تجول بعينيه نحو بساط العشب عند سفح الجبل ، لو كانت الحياة في القرية كما عهدها من قبل آمنة وهادئة لأرسل ابنه بقطيع الأغنام إلى ذلك المرعى الخصيب ، ولكن الأحوال تغيرت ، منذ أن شرع الطليان في الزحف باتجاه الجبل ، وهاهم يتقدمون على الطريق الوعرة في ضجة عظيمة . خبر تقدمهم أدى إلى أن تغلق البيوت أبوابها في انتظار أن ينقشع غبار هذه الحملة . من يدري قد ينعطف هذا الجيش في اتجاه آخر، أو أن يرتد على أعقابه كما حدث من قبل. فمنذ ثلاث سنوات جاء الطليان وضربوا حصارا حول القرية ، ولكن المجاهدين تمكنوا بهجوم خاطف جريء من فك الحصار وطرد العدو ، هرب الجنود فقذفهم الأطفال بالحجارة ، وجرت وراءهم الكلاب وهي تنبح في شراسة إلى أن تواروا عن الأنظار . أراحته ذكريات النصر التي ظل أهل القرية يرددونها فيما بينهم ، كل واحد يسردها على الآخر بطريقته ، فرغ الشيخ من صلاة الصبح ، وبقي جالسا في مكانه يتلو دعواته الصامتة بأن يحمي الله القرية من الشرور التي تحدق بها ، وان يلهم رجالها مزيدا من العزم والشجاعة في مواجهة العدو ، مسح وجهه بكفيه ، وكان يهم بالنهوض عندما ظهر في الأفق رف من الطيور ، شدت انتباهه وهي تحوم حول نفسها صارخة ، وكأن شيء ما قد كدر صفوها ، ولكن ما هو ؟ .. نفض ثيابه من الغبار ومشى في اتجاه منزله ، ولكنه لم يتقدم إلا خطوات قليلة ، ثم توقف ، وهو ينصت إلى أصوات الطبول التي تعالت فجأة ، بدأت لأول وهلة ضعيفة وكأن الرياح تصدها ، لطالما دوت هذه الأصوات في أذنيه حتى غدا يسمعها في أحلامه ، وصار يشتاق إليها في صمتها ، أليست هي اللغة الحميمة التي يتخاطب بها المجاهدون في كل موقع ، فيسمعونها على الرغم من المسافات الشاسعة التي تفصل أحدهم عن الآخر .. الرسالة التي تبلغ في حينها ... النداء الذي توجهه الأم إلى ابنها فيسمعه ويلبيه أينما كان، فإذا لم يسمعه بأذنيه، حدثه به قلبه، أطل على سقيفة منزله ونادي على زوجته بصوت رتيب: يا أم الخير... كانت أم الخير ساعتها متربعة في الحوش على حصيرة بالية منصته في شرود إلى صوت حبات مسبحتها وهي تنزل بين أصابعها ، نهضت معتمدة على يديها وتقدمت متمهلة نحو الباب . هل سمعت قرع الطبول يا أم الخير ؟ ايه ... لا أدري إلى متى يدوم هذا الحال .. ؟ لن يدوم إلى الأبد يا أم الخير... كل ما هو آت قريب... فسيأتي يوم يرحل فيه الطليان كما جاءوا .. ثم أضاف وهو يبتسم كالحالم : لا يبقى في الوادي غير حجارة ... خطا نحو الزريبة بخفة، ثم عاد وهو يجر حصانه ويمسح على عنقه بحنان. قالت أم الخير وهي تنظر إلى الحصان : الشاي على النار .. فأجابها وكأنه يحدث نفسه : لن أتأخر دقيقة أخرى . هذا ما عرفته عنه من قبل، كلما دقت الطبول هرول نحو حصانه غير عابئ بأي شيء آخر، اقتربت منه وقالت: تذهب من غير أن تذوق شيئا.. هاتي البندقية بسرعة. غابت أم الخير في الداخل برهة ثم عادت ببندقية من طراز قديم كان الشيخ قد ورثها عن أبيه ، أخذها منها وعلقها في كتفه ، وعلى الفور امتطى حصانه الذي صار يتبرك به ، فقد خاض من فوق ظهره الصلب كل معاركه الماضية ضد الطليان ، لم يقع مرة واحدة ، ولم يصب حتى بجرح بسيط ، لقد تعلم الحصان المناورة ، وتعود على أصوات المدافع ودوي الانفجاريات فلم يعد يهابها ، أمسك بالسرج ثم التفت نحو زوجته وقال : لا تدعي أحدا من الأولاد يغادر البيت . أسرع الشيخ بجواده سالكا الطريق التي تلف حول الجبل ، وعندما بلغ المنحدر تمهل ورنا بعينيه إلى بيوت القرية المتناثرة المستسلمة للهدوء في ظل الصباح الرطب ، وفي نفسه كان يتساءل : ما ذنب الصغار لكي يروعوا بضجة المعارك الدامية في يوم بهيج كهذا اليوم ، أن ينكمشوا وراء الجدران عوضا عن اللعب في الحقول ومطاردة الفراشات الملونة ، كان هناك دخان غائم يتصاعد في الجو حملته إليه الريح ، فشم فيه رائحة خبز التنور التي تثير الشهية ، شعر بالجوع يقرصه في معدته ، ولكنه لم يفكر بالعودة إلى بيته ، زم شفتيه وبدأ يهبط المنحدر في تؤدة . هذه المرة لن يتوه عن الطريق كما تاه يوم أن كان يسوق حماره متوجها إلى السوق ، غير أن قرع الطبول حذا به إلى أن يغير طريقه ، كانت الأصوات تتبدد في الريح فتصل إليه خافتة ثم تنقطع ، لم يعرف إلى أين يمضي ، احتوته الصحراء الخالية من أية علامة يمكن أن يهتدي بها فضاع فيها . كان من المتوقع أن يقضي يومه وحيدا في القيظ والفراغ الذي يمتد من حوله بلا نهاية ، فجأة دوى صوت انفجار بقربه فانطلق الحمار يجري كالمجنون ، عندما توقف الحمار من الإعياء وجد نفسه يرقد في قلب معسكر المجاهدين ، فقد وصل بالصدفة ولكنه وصل متأخرا ففاته أن يشارك في المعركة ، وجد المجاهدين يتأهبون للانسحاب ، لم يبق معهم إلا قليل من الطعام ، وقد فرغ الماء من أنياتهم . أفرغ حمولة حماره من الخضر وأسرع يتفقد الجرحى الذين كانوا في حاجة إلى من يضمد جروحهم، ويخفف عنهم آلامهم التي كانوا يحاولون كتمانها قدر ما يستطيعون. أفاق الشيخ من خواطره على صوت نباح كلب كان يقترب منه ، طرد الكلب ، ومن جديد نظر إلى البيوت التي تضم النساء والأطفال وفيضا من الأحلام البريئة ، بعد قليل ترتج الأرض من أثر الدوى فلا يبقى أي أثر للأحلام ، هذه هي الحرب التي أشعلها الطليان ظلما وعدوانا ، ولكنها تحولت إلى ما يشبه النار التي يشعلها المرء ليتدفأ بها فإذا هي تحرق أصابعه . هبط الشيخ المنحدر وهو ينظر حوله وما أن ترك المنحدر وراء ظهره حتى أخذ يعدو بحصانه كأنه يسابق الريح. عندما بلغ معسكر المجاهدين، ترجل من فوق حصانه بخفة وخطا إلى الإمام. السلام عليكم... كان الموقع يغص بالرجال المسلحين الذين جاءوا من كل صوب كأنهم على موعد للصلاة، حقا ما الفرق بين أن يجتمع الناس لأداء فريضة لا ينبغي إهمالها وبين أن يجتمعوا بكل هذا الحماس للدفاع عن أرضهم وكرامتهم. كانوا منهمكين في حفر خندق كبير، وعلى بعد خطوات نصبت خيمة للنساء، وفي ظل نخلة باسقة قرفص صبي نحيل لا يتجاوز السادسة عشر من العمر مستغرقا في تنظيف بندقيته. كان ذلك الصبي أول من انتبه إلى حضور الشيخ ، فقام لتحيته : صباح الخير يا عم الشيخ .. فمد الشيخ يده ومسح بها على رأس الصبي . ليبارك الله يا بني .. ثم توالت كلمات الترحيب من الرجال بمقدم الشيخ الذي رفع من روحهم المعنوية عند ظهوره بينهم ، فقد عرف بشجاعته ورباطة جأشه في أقسى الظروف ، ولكن تلك الأصوات المرحة تبددت بغتة في دوي قنبلة سقطت على بعد لا يزيد عن ثلاثين مترا من الخندق ، فقتلت حصانا تركه صاحبه يرعى العشب في ذلك المكان ، وجرح رجلان بشظاياها ، وتعثرت امرأة في قدر من الحساء كان على النار فقلبته ، تفرق الرجال على الفور ، احتمى بعضهم بالخندق ، وانبطح عدد منهم على الأرض ، أما النسوة ، فقد انحشرن في قعر الخيمة ، الشيخ وحده بقي في مكانه منتصبا على قدميه كأنه رجل من حجر ، لا يشعر أدنى شعور بالخطر الذي يحدق به . ظل واقفا بقامته النحلية بالرغم من الصيحات التي كانت تهيب منه أن يهبط إلى الخندق بسرعة ، والواقع انه نسي ما يحيط به من خطر وهو ينظر إلى أحد البيوت على الجبل أحالته قنبلة أخرى إلى غبار ، عندما رجع إلى وعيه بدا وكأنه أفاق من كابوس ، اندهش لرائحة الهواء المثقلة بدخان البارود . إذن فقد تغير توقيت الهجوم من قبل العدو ، كان المجاهدون قد عرفوا بموعده ، فقد أبلغهم إياه رجل من أهل القرية أسره الطليان ثم جندوه في صفوفهم ، ولكنه بقي مواليا لوطنه يزود المجاهدين بأخبار تحركات العدو سرا . هل كشف أمره في هذه المرة ؟ لم يجد الشيخ أحدا بقربه يوجه له هذا السؤال ، فركب حصانه متقدما الهجوم المضاد ، ولم يعرف الشيخ إلا بعد المعركة بأن المجاهدين قد احتاطوا لمثل هذه الخدعة مسبقا ، فقد قسموا أنفسهم إلى مجموعات صغيرة كحلقات الدائرة تضيق حول الطليان ساعة الهجوم كما تضيق عقدة الحبل عند شده من طرفيه . دامت المعركة ما يقرب من ثلاث ساعات ، لم تكن أطول معركة يخوضها وإنما من أشدها ، فالقصف المدفعي لم يتوقف لحظة لدرجة أن الدخان والغبار حجبا الرؤية ، بالرغم من ذلك فهو لم يصب بأذى ، حمد الله على سلامته ليس لأنه يرهب الموت ، أو أنه كان يخشى أن يكون في عداد الشهداء ، فان أغلى أمانيه أن يهب روحه فداء لوطنه ، بل لأنه كان يتوق إلى خوض معركة التحرير الأخيرة التي ترغم الطليان على العودة إلى البحر الذي قذف بهم ذات يوم إلى شواطئ طرابلس . ما إن سكن غبار المعركة وتلاشى الدوى وانكسر الهجوم الايطالي حتى انسحب الشيخ مع المنسحبين ، مر في طريقه بنساء يداوين الجرحى ، تذكر وهو يصعد الطريق على ظهر جواده أنه فقد حذاءه في أثناء تنقله من مكان إلى آخر ، ابتسم وهو ينظر إلى قدميه الحافيتين ، لقد نجا من الموت في هذا اليوم بأعجوبة ، كان هناك شهداء كثيرون أما هو فلم يصب بسوء .. ولكن أليس من العيب أن يعود إلى قريته من غير نعل... وقد يبلغ سوء الظن بأولئك الذين يتكلمون ولا يحاربون إلى القول بأنه يقتفي أثر أرجل الحصان على التراب ، تحت شجرة غزيرة الأوراق عثر على حذائه مقلوبا على وجهه ، ترجل وسوى وضع الحذاء ثم دس فيه قدميه ، وفي هذه اللحظة انهال عليه وابل من الرصاص ، اعتلى الشيخ بسرعة ظهر جواده الذي انطلق به كالسهم ، لكنه كان قد أصيب بجرح كبير في ساقه ، جرح لم يمح على مر الزمن ، ومنذ ذلك اليوم بدأ يعرج في سيره .تخلى عن حذاءه وهرب، لم يطل به التفكير فقد قرر أن يبحث عن حذاءه مهما كلفه الأمر. لوي عنان الحصان عائدا إلى الوراء وأخذ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحادي عشر / الطريق إلى الاوراس
وصل مشارف جبل غريان ، في نهاية الحمادة الحمراء شمالا ، فوجدهم في انتظاره ، قافلة من الجمال ، وثلاث سيارات شحن ، وثلاثة رجال ، بدأوا في تعبئة الأسلحة في خرج بمجرد أن أبصروه ، في حين أقبل أحد الرجال الثلاثة لاستقباله . قفز من المهرى ، ومشى حافيا على العراء المغطى بأحجار حادة يجر المهرى خلفه ، صافحه الرجل بحرارة وقال بانفعال : بوحجر ، اسمي بوحجر من مكتب طرابلس ، لقد جهزنا كل شيء ، وما عليك إلا أن تتوكل على الله قبل أن ينتصف النهار ، سوف يرافقك رفيقنا بوسعيد . عندما انتهوا من شحن الأكياس الصوفية بالأسلحة حملوها فوق ظهور الجمال ، قدم له بوحجر لجام القافلة وقال بنفس لهجة الحماس : على بركة الله ، لديك المؤن من الدقيق والماء حتى المعلبات فوق ظهر الجمل الأخير ، خد بالك من بوسعيد حتى تسلمه مع القافلة للرفاق في الاوراس . ركب بوسعيد فوق ظهر جمل فأمسك هو بلجام جمله ، فتحركت خلفه القافلة مشى على قدميه ، وبجواره مشى بوحجر يودعه ساعة كاملة ، توقف بوحجر بعدها وشد على كلتا يديه وهو ينظر في عينيه ، ثم عانقه .. توقف يتابعه طويلا بعد ذلك . بعد ثلاثة أيام بدأت الصحراء تأخذ شكلا آخر ، انحسرت الصخور وشرعت القافلة تسير عبر الخلاء المغطى بالحصى ، ولكن تنتظرهم جبال الجعيفرى الوعرة . في اليوم الرابع لحق بهم فارس يمتطى المهرى ، ويعدو باتجاه القافلة . توقف أمود ، وشرع يراقبه لدقائق ، ثم التفت نحو بوسعيد وقال مطمئنا : لقد عرفته، إنه قريبي، ابن خالتي خليفة. وصل الرجل ، ترجل عن الجمل ، ومد يده لبوسعيد أولا ، ثم إلى أمود ، رافقهما حتى انتصف النهار دون أن يبوح بشيء ، ولكن أثناء الغذاء قال بهدوء : لقد عرف الفرنسيس بكل شيء . كيف ؟ قالها أمود مستغربا وهو يرفع رأسه عن عجين الخبز ، عاد خليفة يقول : لقد اعتقلوا الكازوكى ، قيدوه ، ثم ضربوه وهددوه بالقتل إذا لم يصرح عن مكان وجودكم ، كانوا يحملون صورتك أيضا . وهل قال الكازوكى شيئا ؟ لا لقد يأسوا منه ، وأطلقوا سراحه ، فذهب من فوره إلى نقطة البوليس الليبية ، علمت ذلك منهم ، وقد كلفوني بأن اتصل بك وأخبرك ، أما القرار فهو قرارك ، لقد كنت أبحث عنك منذ أيام ، واهتديت إلى آثار القافلة منذ يومين . عاد أمود يعجن الدقيق ، في حين تكلم بوسعيد منزعجا : هذا يعني أنه يجب أن نعود على أعقابنا. لم يعلق أحد، ساد صمت استمر حتى الغذاء. عقب تناول الشاي هبت نسمة باردة ، هب أمود ، وشرع يحمل الجمال أثقالها . قال بتحد : لن نعود . قال بوسعيد منزعجا : أرجو ألا يكون هذا انتحارا . ولكن أمود لم يعلق ، سارع خليفة يحذر بدوره . إنهم يجوبون الصحراء الممتدة من غدامس حتى غات بالسيارات وأحيانا بالطائرات ، هكذا أخبرني الملازم مبروك . تساءل أمود ملتفتا : الطائرات ؟ . هذا أسوأ ، ولكن لن نعود . لاحظ الانفعال الذي طفا على وجه بوسعيد فقال بثقة : كل ما هنالك أنه يجب تغير خط السير ، ولكن كيف عرف الفرنسيس بالأمر بحق الله ؟ أجاب خليفة وهو ينهض ويساعده في وضع الأمتعة فوق ظهور الجمال : لا شيء يخفي هذه الأيام، حتى في الصحراء. رافقهما حتى المساء ، وعندما قرر أن يعود شد أمود على يده وقال : رد بالك من العيال ، وسلامي إلى على الكازوكى . انطلقت القافلة عبر طريق يمر بين جبلين هائلين ، استقرت الشمس في كبد السماء ، وشرعت سياط الحر تنهال ، قال أمود وهو يمسح العرق المتدفق على جبينه بطرف عمامته : تغير خط السير يستدعى أن نقطع الجبال بدل الطريق التي تحاذيها وتؤدى إلى " الخنفوس " لابد أن نصل الصحراء الرملية التي لن يستطيع الفرنسيس اجتيازها بسياراتهم . وهذا يضاعف من الرحلة . عاد بوسعيد يفصح عن تردده : مازلت عند رأيي في أن نعود. لم يعلق أمود ، اكتفى بأن ترجل عن جمله ، وطلب من رفيقه أن يقود القافلة على قدميه أمامه ، قال : يجب أن أعتني بالقافلة من الخلف حتى نجتاز السفح ، وندرك العراء الجمال مثقلة بحمولات السلاح . قبل أن يبلغا القمة بقليل انهار أحد جمال القافلة بثقله ، فسارع أمود يساعده ، ويعدل من وضع الحمل فوق ظهره ، ولكن انزلقت في تلك اللحظة رجل الجمل الأخير ، فعاد يجري نحوه ، وأمسك بالخطام الذي انفلت من ذيل الجمل الذي يسبقه ، ولكن شد الخطام لم ينقذ الجمل من الانهيار في أعماق الهوة السحيقة ، فشرع أمود يتدحرج عبر السفح المغطى بصخور حادة هائلة ، سقط وتدحرج خلف الجمل حتى تشبت بنتوء في سفح الجبل ، زحف على بطنه حتى وصل إلى الطريق ، وقف على قدميه ، وشرع يراقب الجمل الذي هوى بالأمتعة في الأعماق ، وهو يرعى والزبد يغطى فمه فيرتد صدى صوته مضاعفا مفجعا ، أليما . أقبل بوسعيد وقال وهو يرتعد : ماذا حدث ؟ يا ربي إن الدم يغطى وجهك ويديك قال ساهما وهو يتابع ببصره الجمل الصريع، بين الصخور، والأمتعة المتناثرة على السفح: هذا لا شيء ، كدمات بسيطة ، ولكن الحسرة على الجمل ، وعلى الماء الذي ضاع ، الحمد لله أننا لم نضع كل القرب والمؤونة على جمل واحد ، حاذر الآن . يجب قيادة القافلة بمنتهى البطء . وقف أمود طويلا يرقب القرب الممزقة والماء الذي اندلق على سفح الجبل فتمتصه الصحراء العطشى بشراهة ، ثم تابعا سيرهما بالقافلة حتى أدركا العراء ، بعد قال أمود : سوف نضاعف من سيرنا حتى نبلغ بئر " العطشان " لكي نعوض الماء الضائع يجب أن نستغل الليل عند غياب الشمس والحر، إننا مهددون بالعطش إذا لم نفعل ذلك. تابعت القافلة رحلتها في خلاء مغطى بالحصى والحجارة الصغيرة . سأل بوسعيد القاعد فوق ظهر الجمل وهو مبهور بالعراء المتنوع : كم صحراء في الصحراء الكبرى يا عمى أمود ؟ قال أمود وهو يقود القافلة ماشيا على قدميه : في الصحراء الكبرى صحار كثيرة ، طينية ، ورملية ، صخرية وجبلية منخفضة ومرتفعة ، سهول وأودية ، حصى وأحجار كبيرة ومتوسطة .. ولا يحدث أن تتداخل أبدا، تجدها معزولة، كل صحراء مستقلة لوحدها مفصولة عن الأخرى كأنها قطعت بسكين، أنت لا تعرف كم قلبها كبير هذه الصحراء، إنها تمنحك دائما أكثر مما تعدك، وإذا خنتها فباستطاعتها أن تطاردك حيث كنت، لتقتص منك ! صمت بوسعيد ، ثم أخرج من أمتعته كتابا ، وشرع يقرأ حتى قفزت أرنب برية حفلت لها القافلة كلها . توقف أمود وتناول بندقيته القديمة المعلقة في سرج المهرى دون أن يصوب نحو الأرنب الهاربة التي اختفت وهي تنطلق بين الإعشاب البرية بسرعة الريح حتى غابت عن البصر . وفجأة رأى بوسعيد كيف ربط أمود خطام جمله في شجرة برية على الطريق وسط واد صغير ، ثم تسلل عبر الإعشاب البرية التي بدأت تشحب وتغادرها الحياة ، تابعه بنظره حتى غاب عن البصر في الغابة الصحراوية الصغيرة . مر وقت طويل قبل أن يسمع بوسعيد طلقة نارية تحتدم في قلب الخلاء ثم ساد الصمت مرة أخرى . بعد لحظات أقبل أمود وفي يده غزالة ذهبية ساحرة مذبوحة يقطر الدم من رقبتها ، ومن بطنها ، واضح أنه أصابها في البطن ! واصلت القافلة سيرها حتى مالت الشمس إلى الغروب . توقف أمود وترجل من الجمل . شرع يزيح الأمتعة من فوق الجمال التي بدت متعبة ، في حين استلقى بوسعيد تحت شجرة برية يابسة والكتاب في يده . ألقى بالكتاب فغاص في الرمل ، تابع السماء الزرقاء الصافية بعد أن بدأ حر الظهيرة يهدأ ويتراجع . قال أمود وهو يكوم الحطب ، ويشعل النار : سنواصل في المساء، مازالت أمامنا رحلة طويلة حتى نبلغ بئر " العطشان ". انهمك في سلخ الغزالة عند ما سمع بوسعيد يقول : هل تعلم يا عم أمود أنني كدت أشهر في وجهك السلاح منذ يومين عندما أخبرنا قريبك بأمر الفرنسيس ؟ توقف أمود عن سلخ الغزالة لحظات دون أن تفصح ملامحه أي تعبير حتى إنه لم يرفع رأسه عن الغزالة ، مرت لحظات قبل أن يستمر يجرد الغزالة عن الجلد بعناية بلا تعليق ، في حين عاد بوسعيد يقول : ولكني تراجعت في آخر لحظة ، لقد أدركت فجأة أنني سوف لن أستطيع إجبارك على العودة برغم أنني المفوض الوحيد بالأمر في هذه الصحراء . حدجه أمود بنظرة صارمة ، ثم استمر يقطع الغزالة ، ويلقى باللحم فوق الجمر . ولكن بوسعيد استمر : إنني مفوض من مكتب طرابلس، ولدى رسالة في هذا الخصوص إذا لحقك شك ! ساد صمت قبل أن يتكلم أمود بهدوء : أنا لا أقرأ ولا أكتب ، ولا أفهم لغة الرسائل ، ولكن بوحجر قال لي : إنك أمانة في عنقي أنت والسلاح والقافلة حتى أسلمكم إلى الرفاق في الاوراس ، ولن يمنعني أحد من أن أفعل ذلك . احتقن وجه بوسعيد بالدم والانفعال . قال بجدية : ولكن لست جزءا من الأمتعة أو القافلة ، لدى رأى يجب أن أقوله وأنفذه ، وهو : أنه طالما حدثت خيانات فيجب التراجع ودراسة الأمر . أنت لا تفهم ماذا يعنى ما قاله قريبك. إنني مهدد ... أنت لا تستطيع أن تعي ذلك. قريبي قال العكس ، قال : إن الفرنسيس يبحثون عنى أنا ، ولقد استنطقوا الكازوكى بذلك ، أتعرف أن هذا الكازوكى عاجز محطم مشلول ، يمشى على عكازين ؟ شرع يعتني باللحم فوق النار، بدأت رائحة لحم الغزال المشوي تفوح عبر الخلاء. قفز بوسعيد من أمود ، وتسأل بخجل : هل قلت إن الكازوكى مشلول ، يمشي على عكازين ؟ وهل يستطيع الفرنسيس أن يعذبوا إنسانا كهذا ؟ ألقى أمود بقطعة أخرى من اللحم فوق فحم النار ، دس يديه في الرمل الناعم ينظفها من الدم واللحم ، وقال دون أن يلتفت إلى بوسعيد : سبحان الله ! تبدو كأنك قادم من القمر ، الفرنسيس يستطيعون أن يفعلوا أكثر من ذلك ، ما زلت شابا ، وستعلمك الاوراس الكثير . لقد قتل الطليان زوجتي الأولى في الـــ 31 عند اجتياحهم لــ " غات " . بحثوا عني فلم يجدوني ، استنطقوها ، ضربوها ، اغتصبوها ، جرجروها بسياراتهم عبر غات حتى ماتت . لقد لجأت وقتها إلى جبال " أكاكوس " مع رفاقي ، وعندما بلغني أنها ماتت هاجرت إلى " كانو " مع ثلاثة من الرفاق ، أما البقية فقد تناثرت بين تشاد والنيجر ، والسودان . شرع يقلب اللحم فوق الجمر، نهض وأتى بإبريق الشاي، أضاف وهو يصب فيه الماء، ويدسه فوق الجمر بجوار اللحم المشوي: ستعلمك الاوراس . لقد تعذبنا كثيرا في " كانو " وتعذب الرفاق في تشاد والنيجر والسودان ، عدت منذ تسع سنوات ، تزوجت مرة أخرى ، وأنجبت طفلين ، ولكن ثورتكم شغلتنا ، أنت لا تستطيع أن تتصور أن الإنسان الذي تعود على الحروب لا يستطيع أن يعيش دون حرب ! تناول قطعة لحم من فوق الفحم ، ومدها إلى بوسعيد ، تناول قطعة أخرى وشرع يمضغها بهدوء ، ساد سكون طويل تخرقه الجمال، وهي تهرس الإعشاب بفكاكها. عاد أمود يقلب قطع لحم الغزال فوق الجمر ، وقال دون أن يرفع رأسه كأنه يخاطب نفسه : لقد اشتعلت حروب القبائل بعد عودتي ولكنى لم أشترك فيها . وعندما جاء رجالكم منحناهم كل شيء ، جلود عيد الأضحى والتمور .. وحتى النساء ألقت بما تملك من الفضة والزينة في أوانيهم الفخارية التي جاءوا بها لجمع المال والمعونة ، لقد فعلت زوجتي الثانية ذلك أيضا ولكن هل هذا يكفى ؟ همد الجمر فشرع أمود ينفخ في النار تلألأت ، رفع رأسه وأضاف وهو يقاوم الدوار : أوه،طوعت للحرب ، ولكن رجالكم لم يقبلوني بسبب ضعف البصر ، لا أنكر أن بصري بدأ يضعف في السنوات الأخيرة منذ عدت من " كانو " ولكن أعرف أن هذا سبب وجيه لرفض الشيوخ للمشاركة في الحرب غير أنى مازلت أستطيع أن أصيب غزالة طائرة في الفضاء ، وأنا أمتطى المهرى ، أوه ، لم أعد أستطيع أن أصيبها في الموضع الذي أريده ، ولكن أصيبها على كل حال ! آه، أنت تعرف الرجل الذي تعود على الحرب لا يستطيع أن يصوم عنها حتى لو كان عاجزا، أو أعمى ! ليس هناك أسوأ من أن ترى النساء تلقى بزينتها في أواني التبرع للمحاربين ونحن الرجال نتفرج ! ليس لدينا ما نمنحه سوى بنادقنا، ولكن لا تطلبوا منا أن نفارق بنادقنا. أنت لا تعرف هذا الشقاء ، خذونا ببنادقنا إذا شئتم ، ولكن لا نستطيع أن نمنحكم أسلحتنا التي قاتلنا بها ثلاثين عاما . تناول قطعة أخرى من اللحم ، ومدها لبوسعيد ، ثم بدأ يخلط الشاي الأخضر . بعد صمت طويل قال : لذلك سعدت كثيرا عندما أوكلوا إلى مهمة قيادة القافلة إلى الاوراس . يجب أن تعرف الآن لماذا لا أستطيع أن أعود. قبل أن يبلغا بئر " العطشان " ترجل أمود عن المهرى ، تناول منظاره المكبر ، واعتلى ربوة رملية ، وشرع يراقب الخلاء بمنظاره . عاد بعد قليل ، وأشار لــ " بوسعيد " أن يترجل ، قال دون أن يفضح صوته أي توتر : عليك أن تساعدني، يخيل إلى أنني أرى أشباحا تحوم حول بئر العطشان. قفز بوسعيد فوق الرمل الناعم ، رافقه حتى الثلة الرملية ، تناول المنظار ، وشرع يراقب العراء ، قال بعد قليل : معك حق ، مجموعة من الرجال، وثلاث سيارات. قال أمود ، دون أن يخفى قلقه هذه المرة : إذن لقد سبقونا إلى بئر العطشان . عادا إلى القافلة في حين سأل بوسعيد : ماذا ستفعل الآن ؟ لا شيء... سنواصل إلى بئر العوينات سنقطع المسافة في خمسة أيام ، إذا سرنا ليل نهار بلا توقف . ولكن لدينا نصف قربة من الماء فقط . أعرف، ولكن هذا أفضل من أن نموت بالعطش بجوار بئر العطشان في أحسن الفروض، هذا إذا لم نمت برصاصهم ! قال بوسعيد دون أن يخفى توتره،وقد أزعجته فكرة الخمسة أيام بنصف قربة ماء : ربما انتظرنا بعض الوقت، يوم أو... نصف يوم ، ربما انصرفوا . قال أمود بثقة : لن ينصرفوا قبل أن ييأسوا ، لم يمض عليهم وقت طويل وهم يرابطون على البئر ، هذا واضح ، ولن ينصرفوا قبل بضعة أيام ، لأنهم يعرفون أن بئر العطشان هو الملجأ الوحيد في طريقنا ، إذا قررنا أن نسلك الصحراء الرملية . صمت لحظات ثم أضاف : لذا أرى أن نبحث عن الحل الآخر ، ذلك أفضل أن نضيع الوقت في انتظار انصرافهم ، بئر العوينات يقع في قلب الصحراء الرملية ، ولن يطيلوه لا بالسيارات ، ولا بالطائرات . صمت لحظة قبل أن يضيف كأنه يخاطب نفسه: الصحراء أقوى منهم، ونحن أقوى من الصحراء. لم ينتصف النهار، ولكن الشمس بدأت تلتهب، مضت القافلة تتوغل عبر الرمال، تظهر وتختفي عبر الكثبان الرملية. نفد الماء في اليوم الثاني ، برغم احتياطات أمود في الاقتصاد من الشرب . وفي ظهر اليوم الثالث لم يعد بوسعيد يقوى على الثبات فوق الجمل . شحب وجهه، تشققت شفتاه، وانهارت قواه، ولم يعد يرى شيئا فسقط من فوق الجمل. أقبل أمود وأناخ أحد جمال الأمتعة ، ألقى به فوق الجمل ، وشرع يحكم حوله الوثاق على ظهر الجمل ، ثم تناول اللجام ، وقاد القافلة ماشيا على قدميه . مالت الشمس إلى الغروب ، ولكن صهر القبلي استمر يكوى الرمال ويحرق الأجساد ، في المساء قال أمود : اصبر قليلا ، سنبلغ البئر بعد يوم ونصف فقط ، اصبر . ولكن بوسعيد خار نهائيا في اليوم التالي ، قال يتوسل بصوت ضعيف : لم أعد أستطيع ، يجب أن تتركني ، لا أستطيع .. إنني لا أرى شيئا.. دعني في حالي بالله .... أوقف أمود القافلة ، أعانه على الوصول إلى شجرة صغيرة في الوادي ، ألقى تحت ظلها ، ووقف يراقب عينيه الزائغتين اللتين تبحلقان في الفراغ ، انحنى فوقه وسأل : هل تراني ؟ هل تستطيع أن تراني ! ولكن بوسعيد لم يجب ، ظل يئن بصوت مكتوم ، لقد كان عاجزا عن الكلام . تأمله أمود لحظات ، ثم عاد إلى القافلة وهو يترنح في مشيه . أناخ أحد الجمال، وجرده من الأمتعة، وثق رجليه الأماميتين بعناية، ثم سارع يربط اللجام في ذيل الجمل حتى يعجز عن الحركة، أتى بسكين، وشرع يذبح والإناء في يده. بدأ الجمل يرغى بضراوة محاولا أن يحرر رقبته وبدأ الدم ينزف بغزارة فيسرع أمود يتلقفه بالإناء بيده الأخرى . جاء بصحن الدم إلى بوسعيد ، صب له قطرات في فمه اليابس من اللعاب .. شرب بوسعيد من الدم ، ولكنه رفض أن يشرب أكثر بمجرد أن عاد إلى الوعي ، دفع الإناء بحركة يائسة من يده ، يبدو أنها كلفته جهدا خارقا . تناول أمود جرعتين من الإناء ، وعاد نحو الجمل المتخبط في الدم وهو ما يزال يترنح في خطوه . فك رباط رأس الجمل الموثوق إلى الذيل ، فانهارت رقبته الطويلة على الرمال . شرع يدفع جسمه الضخم حتى سقط على جنبه . جلس لحظات يلهت ويلتقط أنفاسه المتلاحقة ، ثم نهض وتناول السكين وشرع يمزق بطنه . جاء بأحشاء الجمل المليئة بالماء ، بقر قطعة من الأحشاء بالسكين وحشا رأس بوسعيد في وسطها وبقر قطعة أخرى من الأحشاء ، شرب منها ، ثم عاد يعتني ببوسعيد . جلس بجواره .. بعد زمن رآه يرفع رأسه فسأله بلهفة : هل تراني الآن ؟ هل تراني ؟ مرت لحظة صمت قبل أن يهز بوسعيد رأسه علامة الموافقة . أدركا بئر العوينات في مساء اليوم التالي ، وهرول أمود إلى الدلو وألقى به في القاع وشد طرف الحبل ، وصل بوسعيد يزحف على يديه وركبتيه ، سمع ضجيج الدلو في الماء .. ماء... ماء حقيقي، هذه المرة ليس دما، وليس سائل أحشاء الجمل. جاء أمود بالدلو ودلق الماء فوق بوسعيد ، ثم فوق رأسه ، وعاد إلى البئر من جديد . عندما بلغا أعتاب أول جبل " الاوراس " شاهدا سيارة بانتظارهما في المكان المحدد . وعندما وصلا خرج منها ثلاثة رجال ، تقدم أحدهم لاستقبال القافلة ، ترجل عن المهرى ، وصافح الرجل الذي عانقه بحرارة صديق قديم . قال الرجل بسعادة : الحمد لله على السلامة ، لقد يئسنا من كل شيء بمجرد أن عرفنا أن الفرنسيس علموا بالأمر ، ولكنك حققت أعجوبة ! تناولوا طعام الغذاء تحت الجبل ، وبعد أن شرعت الشمس تميل نحو الغروب ، نهض أمود وأعلن : يجب أن أبلغ " جانت " قبل صباح الغد . مد له الرجل الذي استقبله بلجام القافلة التي جردت من أثقالها وقال بابتهاج: لن ننسى معروفك ، خد قافلة الجمال معك ، ليس لدينا ما نفعله بها ، لقد أدت مهمتها ، وعليك أن تحتفظ بها كهدية للذكرى . تناول اللجام وربطه في ذيل جمله ومضى بعد أن ودعوه بالعناق الواحد تلو الآخر. بعد قليل انطلقت السيارة متجهة إلى السلسلة الجبلية ، التفت بوسعيد فرأى القافلة تراقص السراب ، بعد أن تلقفها الأفق في الخلاء الابدى . في صيف 1966 كان أمود يستلقى في القيلولة عندما أقبل أحد أولاده ، وأخبره أن ثمة رجل في الخارج يسأل عنه . خرج أمود فإذا به يقف مع بوسعيد وجها لوجه ، تعانقا طويلا . ثم أسرع يذبح خروفا للضيف ، عاد وطلب عدة الشاي ، قال بحماس ، وهو يضع الإناء فوق الجمر : هيا خبرني ، ماذا فعل الله بك طوال هذه السنين ؟ أين تقيم الآن ؟ لا أقيم في أي مكان، أعيش متنقلا بين تونس وطرابلس وباريس. صمت لحظات ثم قال بمرارة : لقد اختلفت مع الجبهة بعد الاستقلال مباشرة ... مفهوم... مفهوم ، ولكن كيف حال بوحجر ؟ قال بوسعيد بنفس المرارة : لقد اختلف معهم أيضا بعد الاستقلال بسنة ، ولجأ إلى باريس ... إنه يقيم هناك منذ سنوات. قال أمود وهو يخلط الشاي : مفهوم، مفهوم، هذا هو الحال دائما ، هذه هي الحياة ... ثم قدم له كوب الشاى بيد مرتعشة ! !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني عشر / واحة كبيرة تضج بالغناء
أتعرف كم عدد قواتنا بالمقارنة مع قواتك ؟ نعم ، أعرف ، عشرات الآلاف ، ورجالي بضع مئات. أتعرف نوع عتادنا ؟ نعم أعرف ، إنه أحدث العتاد . وهل تعتقد أنك تستطيع أن تهزمنا برجالك وعتادك هذا ؟ لا ، كنت أعلم أنى لا أستطيع. لماذا تحاربنا إذن ؟ كنت فقط أؤدي واجبي . من حوار غراسيانى مع عمر المختار قبل تنفيذ حكم الإعدام ............. اندفع جبران المرابط في الخلاء حتى بلغ بئرا في واحة صغيرة تتبعثر فوقها مجموعة من أشجار النخيل . انهمك يسحب الماء من البئر عندما تناهى إلى سمعه عواء الذئاب . ظل يشرب من الدلو مباشرة حتى تقطعت أنفاسه . رمى بالدلو جانبا بعد أن دلق الماء فوق رأسه وصدره ، انهار بجوار البئر وهو يلهث ويلتقط أنفاسه المتلاحقة . كاد يموت من العطش ...... ثلاث أيام وهو يهيم على وجهه في الصحراء السرمدية، بلا ماء بعد أن اتفق مع الجماعة أن يلتقوا في الحدود بعد اجتياز سلسلة الأسلاك الشائكة، لقد قرر أن يمر على النجع ليلقى نظرة أخيرة على الأهل: الأب، إلام، الزوجة، الأطفال الثلاثة. حاول الرفاق إقناعه بأن لا فائدة، ولكنه أصر، قال : " لابد أن ألقى نظرة ولو من بعيد. ربما لن أراهم بعد ذلك أبدا " تناول مخلاته، وانطلق عبر العراء الوحشي. اتفقوا على اللقاء خارج الحدود ، ثم اندفعوا يعانقونه ، في النهاية شيعوه بخيبة الأمل واليأس . بلغ النجع فوجده محاطا بالأسلاك الشائكة ، وجنود غراسيانى يتسكعون حوله وبنادقهم مشرعة فوق مناكبهم . انقبض قلبه ، وهاجمه اليأس ، فتراجع مندفعا في الخلاء ... ميمما صوب الحدود حيث الأسلاك الشائكة ! كانت الأسلاك الشائكة في تلك السنوات قد سارت ونصبت في كل مكان كالمشانق ! تناهى إلى سمعه عواء الذئاب مرة أخرى . جائع،دا، هذه المرة عواء نهم... جائع ، مفترس . إنها ذئاب سهل الجفارة المتوحشة المتعطشة لمهاجمة القطعان والرعاة . تفترس الرجال أيضا عندما يبلغ بها الجوع حد الجنون . ظل يتصنت لعوائها الجماعي العدواني حتى اقشعر بدنه . لقد سلبه العطش قواه، وزاده بالماء خورا وضعفا بعد أن ارتوى من عطش ثلاثة أيام، فما العمل ؟ استمر متكئا بجسده المنهك على حافة البئر وهو يلهث ، يجول ببصره عبر العراء الابدى المغمور بالسراب . العواء يقترب ، وعقله خامل ، خائر معطل عن التفكير . رمق البندقية الملقاة إلى جواره فتذكر المعركة الضاربة غرب الكفرة ... المعركة التي نفد فيها الرصاص في بنادق أغلب الرجال. كانت أسلاك غراسيانى الشائكة قد نصبت في الحدود مع مصر قبلها بشهور فمنعت تسرب الذخيرة ، تلاها سقوط الشيخ الجليل في الأسر . فأصبحوا بالمعركة الضاربة غرب الكفرة في حل من الوعد الذي قطعوه على أنفسهم أمام الشيخ. لقد نفذت الذخيرة . فتدفقوا في الصحراء ينشدون النجاة من المذبحة .. قبل وقوعه في الأسر بشهور قليلة قال لهم : أرجو المعذرة يا جماعة الخير. إذا أراد أحدكم أن يتراجع فله ذلك منذ الآن. إنني لا أجبر أحدا على الاستمرار معي في القتال ولن ألومه أبدا إذا تخلى. والله على ما أقول شهيد. يومها قالوا له : والله يا سيدي عمر لن نتراجع حتى نموت معك، أو ينفد ما معنا من الذخيرة ! هكذا قطعوا العهد على أنفسهم في حضرة الشيخ الجليل. نظر إليهم طويلا وهو يفرك المعروقتين حتى ترقرقت عيناه بالدموع ، ثم تسللت أصابعه تداعب لحيته البيضاء ، بعدها هرعوا نحوه يعانقونه واحدا تلو الآخر ، تبادلوا معه تقبيل الايدى أيضا ، وفى النهاية هبطوا لصلاة جماعية تأكيدا للعهد . وحتى عندما وقع الشيخ في الأسر بعدها بشهور، وتم فيه تنفيذ الحكم استمروا في القتال إلى أن جاءت المعركة الضاربة غرب الكفرة فنفدت الذخيرة ووفوا بالوعد. حاصرهم اليأس فتدفقوا في الصحراء ينشدون النجاة من المذبحة ... تأمل البندقية فخيل إليه أنها جثة هامدة بلا روح، بلا رصاص، لن تدفع عنه حتى الذئاب. انقطع العواء فجأة ، وانكفأت الشمس نحو الغروب ، تناول جرابه وبندقيته ، وتلحف بعباءته ، ونهض متثاقلا يتسلق شجرة نخيل تطل على البئر ، وخزه الشوك فافترش عباءته بين أعراف النخلة ، حبس أنفاسه المتلاحقة وأنصت . لقد كفت الذئاب عن العواء تماما ، من بعيد تراءى شبح جواد يسرع نحو الواحة الصغيرة ، تابعه حتى اقترب ، فأدرك أنه جندي من الجند رمة ، يرتدى بزته العسكرية ، وبندقيته منصوبة فوق منكبه الأيمن ، ترجل عن الجواد ، وركض نحو الدلو يرمى به في قاع البئر وهو يلهث من العطش ، استمر يرقبه وهو يجثو على ركبتيه ، ويحشو رأسه في الدلو ، ويشرب في نهم فتذكر عطشه ، ظل جاثيا على ركبته ، وأنفاسه تتلاحق . وفجأة حاصرته الذئاب، ثلاثة ذئاب، هو نفسه لا يعرف من أين جاءت، كأن الأرض لفظتها، أو سقطت من السماء في ثانية واحدة، ضامرة، نهمة، متحفزة، مكشرة عن أنيابها. بهت الجندي ، وظل يحدق حوله في ذهول .. هاجمه الذئب الامامى أولا فنهش رقبته ... انبثق الدم وانكفأ الجندي على وجهه مصدرا صوتا غامضا ، حشرجة رهيبة يائسة ، ثم اندفع نحوه الذئب الثاني والثالث ، وشرعوا ينهشونه في وحشية .... دس جبران المرابط رأسه بين يديه ولم يفق إلا عندما سمع صهيل الجواد وهو ينطلق عبر الخلاء ، في لحظة خاطفة أبصر الذئاب وهى تمزق جسد الجندي وتشرع في التهامه . فجأة وجد نفسه يقفز من النخلة وينطلق راكضا استمر يعدو حتى أدرك الجواد في واد مكسو بأعشاب برية يابسة ، سايسه حتى قفز فوق ظهره ، ثم انطلق إلى الحدود ... هناك حيث تنتصب الأسلاك الشائكة. تلقفه الشيخ غوما بالأحضان مكبرا مهللا بعد أن أستلم منه لجام الجواد : الحمد لله على سلامتك ، كدنا نيأس من وصولك ... ولكن الرجال تتلاقى، والجبال لا تتلاقى، نرجو أن تكون قد ظفرت برؤية الأهل، هب لاستقباله أيضا بهلول ومسلم، ولكن أحدا غيرهما لم يظهر. عانقهما أيضا ولجأ إلى النخلة المتواضعة التي اتخذوها بيتا لهم بعد أن غطوها بجرد صوفي من النوع الذي يستعمل في الشتاء ، انهار بجوار موقد النار المتوج ببراد الشاي الصيني الأخضر ، تناول وعاء الماء وشرب حتى تدفقت خيوط الماء بين شفتيه ، طفق يلهث وهو يراقب مسلما يروض الجواد ويحاول أن يسوقه إلى البئر حيث تتزاحم جمال وجياد لا يعرف من أين جاءت . تساءل بعد لحظات : أين بقية الجماعة ؟ ابتلع سؤاله الخلاء فلم يتلق جوابا من أحد ، ولكنه عاد يتساءل في إصرار طفولي : أين بقية الجماعة ؟ رمقه بهلول بنظرة حانقة خاطفة، ثم نكس وشرع بمروح موقد الجمر معتنيا بإعداد الشاي، اقترب مسلم وتقرفص بجواره متسائلا: كيف ظفرت بالجواد ؟ كيف اجتزت الأسلاك ؟ كتم غيظه قبل أن يتساءل للمرة الثالثة: كيف حال بقية الجماعة ؟ .. أين الجماعة ؟ ولكن أحدا لم يجبه، راقبهم وهم يتراكضون هنا وهناك، حتى أعفا، وغلبه النعاس، مرت لحظات قبل أن يرى الجماعة وهم يتسابقون إلى الخيل... عبروا الأسلاك الشائكة بمعجزة فنفذوا إلى الخلاء... ولكن الطليان الهجانة كانوا في انتظارهم ، أطلقوا النيران فتدفق الجماعة في العراء .. تساقط بعضهم ، ولكن الشيخ غوما صاح بأعلى صوته وهو يروض ناقته الهائجة : الجبل ! عليكم بالجبل ! لم يكن جبلا حقيقا ، ولكنه ربوة صغيرة ، تل صخري تعلوه الرمال فيبدو كجبل حقيقي ، فقدوا السيطرة على أنفسهم فخاضوا في الفوضى مما جعل الشيخ غوما يجرى هنا وهناك هائجا صارخا : الجبل ! عليكم بالجبل ! في تلك اللحظة أدركه أول طلياني من الهجانة مسددا نحوه فوهة البندقية ، ولكن الشيخ غوما الذي عرف حيل الحروب القبلية وتربى على ترويض الجمال والمهارى سقط على ظهره ، ورفس الجمل بحركة بهلوانية خبيرة فانهار الجمل ، وتدحرج الطلياني بضعة أمتار . هجم الشيخ على البندقية ، هشم رأس الطلياني بكعب البندقية في طريقه ، وأطلق ساقيه للريح ... كانت الفوضى في ذروتها ، الهجانة يصطادون الجماعة ببنادقهم كالخرفان ، الجماعة الذين نفد رصاصهم في آخر معركة ضارية غرب الكفرة . لذلك لم يستطع الشيخ غوما أن يطلق طلقة واحدة ، ظل يركض حتى بلغ السفح حيث ارتطم بالبهلول الذي شرع يرضع الماء من قربة ، لكزه الشيخ بكعب البندقية صارخا : الجبل ! الجبل ، يا كلب ! انبثق الدم من جبين البهلول ولكنه لم يتخل عن ضرع القربة. ففتقها الشيخ غوما برصاصة ، كانت أول رصاصة يطلقها ذلك اليوم على الإطلاق ، ثم اندفع إلى الجبل ! عندما بلغ قمة الجبل أطلق صيحة : " الله أكبر " . ثم شرع يصطاد كما تعود أن يفعل مع الغزلان الطائرة في الهواء في الزمان القديم قبل أن يعرف الخلاء المعتقلات والمذابح، في ذلك الزمان القديم الذي يتعمد أن يصيب غزالتين برصاصة واحدة ! تلك الرصاصة التي لا تخطى ! وقف فوق قمة الجبل وصوب وهو واقف ... كان أول طلياني أسقطه يمتطى صهوة جواد جامع خبير بالمعارك انهار الرجل فرأى كيف قفز مسلم الجريح وتناول بندقيته وشرع يطلق النار. ثم أصاب ذلك الفارس الذي يتقرفص فوق مهري عنيد مدرب أيضا . ظل الشيخ غوما يصوب ويصطاد كما كان يفعل مع الغزلان أيام الشباب حتى نفدت ذخيرة البندقية فتذكر الشيخ عمر والمعركة الأخيرة قرب الكفرة . راقب فلولهم وهى تحتمي بالخلاء الابدى ، فانهار فوق قمة جبله الصغير ودس رأسه في التراب ، بعد لحظات أيقظه مسلم وهو يضمد جرحه في الذراع الأيمن ، رفع رأسه يتأمل السهل المزروع بضحايا الرفاق وعندما شاهد البهلول انتفض واندفع نحوه كالمجنون : اتفو ... يا كلب .... الرجال تموت وأنت ترضع من القربة كالمرأة. اتفو .. خزي .. حال بينهما مسلم الذي احتواه بين ذراعيه في حين ظل الشيخ يتمتم ويبصق: عار، عار والله، خزي... اتفو ... عندما نهض فوجئ بالشيخ غوما ينكفئ فوق رأسه ، كان يسبح في العرق والكابوس ، قال الشيخ غوما بهدوئه المعتاد : الحمد لله ... الحمد لله الذي جمعنا مرة أخرى . تنحنح فأضاف : أرجو أن تكون قد ظفرت برؤية الأهل، هذا هو المهم. اعتدل جبران المرابط في جلسته وتناول طاسة الشاي من يد البهلول قائلا : نعم، لقد عرفت الآن من أين جاءت كل هذه الجياد والإبل. رمقه الشيخ غوما بنظرة استفهام ، ولكنه عاد فنكس رأسه ، قال بعد قليل : الحمد لله على سلامتك ، سوف نبلغ الواحة الكبيرة بعد يومين ، الواحة الآهلة بالسكان ، لم نر واحة آهلة بالسكان منذ سنتين ، رحمة الله على الشيخ عمر ، في الواحات ثمة الفرح والمزمار ، والرقص والغناء ، لم أغن منذ سنوات ، ولم أسمع لحنا منذ زمن ، ولم أر رقصا ولا فرحا . رحمة الله على الشيخ عمر ... أحم . ولكن جبران المرابط لم ينبس .. أخرج مزمارا من جيبه الداخلي ، وطفق ينفخ فيه لحنا مرزكاويا قديما . قبل أن يبلغوا الواحة الكبيرة الآهلة بالسكان والأفراح والمزامير والرقص والغناء بيوم واحد قرروا القيلولة ، وتناول طعام الغذاء ، شرع الشيخ غوما يجلب الحطب ، ويكبر النار ، أما مسلم فقد هب يعد لتحضير الخبز ، تناول الوعاء وألقى بالدقيق ، لاحظ جبران المرابط أن الدقيق لن يكفى فألقى لمسلم بجرابه الجلدي ، ثم تناول مزماره ، وشرع يعزف ، يعزف اللحن المرزكاوى .. ويحلم بالواحة الكبيرة الآهلة بالسكان والأفراح والمزامير والغناء، الغناء.... حتى سمع بأذنه الرصاصة وهى تسقط ، سقطت الرصاصة من جرابه ، رصاصة حقيقة لا يأتيها الباطل ، سقطت في الوعاء المعد لعجن الدقيق . توقف الشيخ غومة فجأة دون أن يلتفت ، ولكن لبضع لحظات فقط ، واصل بعدها تجميع الحطب ، رمقه البهلول بنظرة خاطفة ، ولكنها صارمة ، أما مسلم فقد نكس رأسه فوق الوعاء . توقف جبران المرابط عن العزف ... نزع شفتيه عن المزمار، زحف نحو مسلم حيث الوعاء، تأمل الرصاصة بفضول، رصاصة بلا شك. فأين كانت تختفي ؟ لقد عبر الصحراء الكبرى كلها على قدميه عندما كانت الرصاصة كهذه تساوى جوادا ، وحجم عن رؤية الأهل ، حيث بوسعه أن يفعل شيئا برصاصة واحدة ، تسلق نخلة هربا من مواجهة الذئاب ببندقية فارغة ، وقفز من النخلة ... وتسلل عبر الأسلاك، والتحق بالجماعة... وهرب من المعركة الضارية غرب الكفرة وفي جيبه رصاصة فأين العهد ؟ أين العهد الذي قطعه مع رفاقه أمام الشيخ الجليل ؟ زحف جبران المرابط نحو مسلم الذي توقفت يداه عن عجن الدقيق كأنهما شلتا . تناول الرصاصة الصغيرة ، وشرع يقلبها بين أنامله ، يتأملها بفضول ثم ألقى بها في جيبه . عاد جبران المرابط يداعب فوهات المزمار ، ويروض لحن المرزكاوى : طاحت نجوم الليل وأنت وينك ؟ قردك سهر وإلا خداتك عينك ؟ أكل معهم خبز الملال في صمت حتى اقترب المغيب ، عندما نهض جبران المرابط إلى جواده ، ذلك الجواد الذي أنقذه من الذئاب ، ومن أسلاك غراسيانى الشائكة ... قاده وعاد إلى هناك ... هناك حيث تنتصب الأسلاك الشائكة نفسها... قال بهلول : لا فائدة ماذا تفعل ؟ لا فائدة. انتهى كل شيء ... لن تستطيع أن تفعل شيئا... عالجه الشيخ غوما بكعب بندقيته الفارغة ، وصاح : اسكت يا مرا ! شيعه مسلم منكس الرأس . لم ينطق بكلمة ، ولكنه رأى في عينيه كل شيء . في الطريق إلى " هناك " حيث تنتصب الأسلاك الشائكة ، رافقه الشيخ غوما مسافة طويلة ... في ذلك اليوم وقف الشيخ غوما يرقب جبران المرابط الذي شرع يختفي رويدا خلف الثلة الرملية ، يبتلعه الأفق ، ويلتهمه السراب . مسكين حبران المرابط ! لم يسعد برؤية الواحة الكبيرة الآهلة بالسكان والأفراح، والمزامير، والرقص، والغناء. كما لم يسعد قبلها برؤية الأهل والزوجة والأطفال. مسكين حبران المرابط ! لأنه لن يسعد برؤيتهم إلى الأبد، لقد ذهب ذلك اليوم ليتخلص من رصاصة تائهة وجدت في جرابه فلم يعد أبدا ! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ