ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يقرن الله تعالى الى عبادته وحده شيئا سوى الإحسان الى الوالدين، ولم يعطف شكر أحد الى شكره وهو مصدر كل نعمة وخير وفضل وعطاء سوى شكر الوالدين قال تعالى:( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) سورة النساء. ووصية نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم القائل: " الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس واليمين الغموس" رواه البخاري.
ومن طرائف ما يذكر أن رجلا سمع أعرابيا حاملا أمه في الطواف حول الكعبة وهو يقول إني لها مطية لا أذعر ......... إذا الركاب نفرت لا أنفر
ما حملت وأرضعتني أكثر ........ الله ربي ذو الجلال أكبر ثم التفت الى ابن عباس وقال: أتراني قضيت حقها؟
قال لا ولا طلقة من طلقاتها، ولكنك أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرا. وهذه باقة من الآداب الإسلامية مع الوالدين.
ـ العلم بأن الله تعالى أوصى ببرهما، وحسن صحبتهما، والإحسان إليهما، وقرن ذلك بعبادته، وتعظيما لشأنهما، وتكريما لقدرهما، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بصلتهما وطاعتهما وخدمتهما، وجعل عقوقهما من أكبر الكبائر.
قال تعالى:( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) سورة الإٌسراء.
وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: ( أمّك ثم أمّك ثم أمّك ثم أباك ثم أدناك أدناك ) متفق عليه وعن أبي بكرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ( ثلاثا). الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور ) .
ـ السلام عليهما عند الدخول عليهما والخروج من عندهما، وقرن السلام بتقبيل يديهما.
ـ تعظيم قدرهما، وإكرام شأنهما وإجلال مقامها، والوقوف لهما احتراما عند دخولهما.
ـ التأدب عند مخاطبتهما، ولين القول لهما، وعدم رفع الصوت فوق صوتهما.
ـ تلبية ندائهما، والمسارعة لقضاء حوائجهما، وطاعة أمرهما، وتنفيذ وصاياهما، وعدم الاعتراض على قولهما، إلا إذا أمرا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ـ إدخال السرور على قلبيهما بالإكثار من برّهما، وتقديم الهدايا لهما، والتودد لهما بفعل كل ما يحبانه ويفرحان به.
ـ المحافظة على أموالهما وأمتعتهما، وعدم أخذ شيء منهما إلا بإذنهما.
ـ المحافظة على سمعتهما، والحذر من التسبب في شتمهما.
عن عبدالله بن عمرو رضى الله عنه ما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه ) . متفق عليه.
ـ تفقد مواضع راحتهما، وتجنب إزعاجهما أثناء نومهما، أو الدخول عليهما في غرفتهما إلا بإذنهما.
ـ تجنب مقاطعتهما في كلامهما، أو مجادلتهما، أو معاندتهما، أو لومهما، أو السخرية منهما، أو الضحك والقهقهة بحضرتهما.
ـ تجنب مد اليد الى الطعام قبلهما، أو الاستئثار بالطيبات دونهما.
ـ تجنب التقدم في المشي عليهما، أو الدخول أو الخروج أو الجلوس قبلهما.
عن أبي هريرة رضى الله عنه أنه رأى رجلين فقال لأحدهما: ما هذا منك؟ قال: أبي. فقال: لا تسمّه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله 13 ـ تجنب الاضطجاع أو مد الرجل أمامهما، أو الجلوس في مكان أعلى منهما.
ـ استشارتهما في جميع الأمور، والاستفادة من رأيهما وتجربتهما وقبول نصائحهما.
ـ الإكثارمن الدعاء لهما، والطلب من الله تعالى أن يجزيهما كل خير على فضلهما وإحسانهما وتربيتهما.
ـ الإكثارمن زيارة قبريهما إن توفيا، والإكثارمن ذكرهما والترحم عليهما.
ـ العمل بوصيتهما، وصلة أرحامهما، وخدمة أحبابهما من بعدهما.
عن مالك بن ربيعة الساعدي رضى الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من برّ أبويّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: ( نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما . رواه أبو داود.
ـ تجنّب الأمور المؤدية الى العقوق ومنها:
الغضب منهما، والنظر شزر لهما، والإعراض بالوجه عنهما، والتأفف من قولهما أو فعلهما، والتضجر منهما، ورفع الصوت عليهما، وقرعهما بكلمات مؤذية أو جارحة، وجلب الإهانة لهما، والاستعلاء عليهما، واعتبار الولد نفسه مساويا لأبيه أو أفضل من والديه، والحياء من الانتساب اليهما لفقرهما بعد أن يصبح ذا مركز أو نعمة أو جاه، والبخل عليهما ونسيان فضلهما، وتفضيل غيرهما عليهما، ومصاحبة إنسان غير بار بوالديه.
قال عليّ كرّم الله وجهه: لو علم الله تعالى شيئا في العقوق أدنى من كلة (أف) لحرمّه. فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإخوة ثمرات الوالدين، وهم أقرب الأرحام، وألصقهم بالنفس، وأحبهم الى القلب، وهم الذين يقضي معهم الإنسان صدر حياته، أيام الطفولة والنماء، والبراءة والنقاء جنبا الى جنب في البيت والمدرسة وعلى الطعام والشراب، وأثناء الليل والنهار.. لذلك أمر الله تعالى بالوفاء إليهم، وصلتهم، والإحسان إليهم، ونهى عن قطيعتهم والإساءة إليهم ونسيان عهد المودة والأولى.
قال صلى الله عليه وسلم :
( إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطعية. قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال فذلك لك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرؤوا إن شئتم ) .
وهذه جملة من الآداب الإسلامية الخاصة بمعاملة الإخوة والأخوات.
احترام الإخوة الكبار وتوقيرهم، والعطف على الصغار مع الرحمة والعناية والحنان
عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا ) رواه الترمذي.
معاملة الإخوة عموما بالعطف والرقة واللين واللباقة والإحسان.
التزام حسن الخلق في معاشرة الإخوة، والتحلي بالتواضع وخفض الجناح والإيثار والخدمة والمحبة والتعاون وإنكار الذات.
الابتداء بالسلام عليهم عند الدخول عليهم، ومصافحتهم، والبشاشة في وجوهم.
مراعاة شعور الإخوة بعدم الفرح أمام حزين، وعدم الأكل أمام صائم، وعدم الصخب أمام نائم.
محبة الخير لهم، والعمل على إيصاله إليهم.
الشكر على معروفهم، بعد مكافأتهم عليه بأحسن منه.
الإهتمام بشؤونهم، والتعرف الى أحوالهم، وتفقد حاجاتهم، والعمل على مساعدة من يستطيع مساعدته في حاجة أو دراسة أو مال.
بذل النصيحة لهم، ودعوتهم الى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وتذكيرهم بأداء فرائض الله بالترغيب والترهيب. الانتصار لهم إن كانوا على حق، والغيرة عليهم، والمحافظة على سمعتهم.
الاعتذار منهم عن الهفوات والزلات، والتغاضي عما يصدر منهم من هنات وسيئات، وقبول اعتذارهم وعدم معاتبتهم عليها على الدوام.
الإصلاح بين المتخاصمين منهم، وتجنب التقاطع والتدابر والتباغض والتحاسد وسوء الظن.
تجنب إيذاء أحد منهم باليد أو بالسب أو بالكلام أو بالمزاح غير المهذب.
تجنب الخصومات والمجادلات والخلافات.
مراعاة الحشمة والأدب في الكلام واللباس، وخاصة عند اختلاف الجنس، وغضَ البصر عن النقائص والعورات ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آداب بر الوالدين
الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله وبعد
اعلم أخي المسلم أختي المسلمة أن من أفضل العبادات التي يقوم بها العبد تجاه ربه بر الوالدين ومما يدلنا على أهمية هذا الموضوع وعظمته قوله تبارك وتعالى :
( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً )(الاسراء: من الآية23)
وقوله صلى الله عليه وسلم : ((رغم أنف امرئ أدرك والديه ، أحدهما أو كلاهما ولم يدخلاه الجنة)). وإذا أردت النجاح في الدنيا والآخرة فاعمل بالوصايا الآتية :
خاطب والديك بأدب ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما.
أطع والديك دائما في غير معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
تلطف بوالديك ولا تعبس في وجههما. ولا تحدق النظر إليهما غاضبًا.
حافظ على سمعة والديك وشرفهما ومالهما ولا تأخذ شيئًا دون إذنهما.
أعمل ما يسرهما ولو من غير أمرهما، كالخدمة وشراء اللوازم والاجتهاد في طلب العلم.
أجب نداءهما مسرعا بوجه مبتسم قائلاً : نعم يا أمي ونعم يا أبي.
أكرم صديقهما وأقربائهما في حياتهما، وبعد موتهما.
لا تجادلهما ولا تخطئهما وحاول بأدب أن تبين لهما الصواب.
لا تعاندهما، لا ترفع صوتك عليهما وأنصت لحديثهما، وتأدب معهما، ولا تزعج أحد أخوتك إكراما لوالديك.
انهض إلى والديك إذا دخلا عليك وقبل رأسيهما وأيديهما.
ساعد أمك في البيت، ولا تتأخر عن مساعدة أبيك في عمله.
لا تسافر إذا لم يأذنا لك ولو كان الأمر مهما.
لا تدخل عليهما دون إذن لاسيما وقت نومهما وراحتهما.
لا تتناول طعاما قبلهما، واكرمهما في الطعام والشراب.
لا تكذب عليهما ولا تلمهما إذا عملا عملاً لا يعجبك.
لا تفضل زوجتك أو ولدك عليهما، واطلب رضاهما قبل كل شيء، فرضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما.
لا تجلس في مكان أعلى منهما، ولا تمد رجليك في حضرتهما.
لا تتكبر في الانتساب إلى أبيك ولو كنت موظفاً كبيراً، وأحذر أن تنكر معروفهما أو تؤذيهما ولو بكلمة.
لا تبخل بالنفقة على والديك حتى يشكواك، فهذا عار عليك، وسترى ذلك من أولادك فكما تدين تدان.
أكثر من زيارة والديك وتقديم الهدايا لهما، واشكرهما على تربيتك وتعبهما عليك. واعتبر أولادك وما تقاسيه معهم.
أحق الناس بالإكرام أمك ثم أبوك واعلم أن الجنة عند أقدام الأمهات.
احذر عقوق الوالدين وغضبهما فتشقى في الدنيا والآخرة وسيعاملك أولادك بمثل ما تعامل به والديك.
إذا طلبت شيئًا من والديك فتلطف بهما واشكرهما إن أعطياك ، وأعذرهما إن منعاك ، ولا تكثر طلباتك لئلا تزعجهما .
إذا أصبحت قادرا على كسب الرزق فاعمل وساعد والديك.
إن لوالديك عليك حقا ولزوجتك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، وحاول التوفيق بينهما إن اختلفا وقدم الهدايا للجانبين سراً.
إذا اختصم أبواك مع زوجتك فكن حكيما وافهم زوجتك أنك معها إن كان الحق بجانبها وأنك مضطر لترضيتهما.
إذا اختلفت مع أبويك في الزواج والطلاق فاحتكموا إلى الشرع فهو خير عون لكم.
دعاء الوالدين مستجاب بالخير والشر، فاحذر دعائهما بالشر.
تأدب مع الناس فمن سب الناس سبوه قال صلى الله عليه وسلم (من الكبائر شتم الرجل والديه. يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه) متفق عليه.
زر والديك في حياتهما وبعد موتهما، وتصدق عنهما وأكثر من الدعاء لهما قائلاً: رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأدب مع الاخوة والأخوات
لقد ألزم الإسلام كلاً من الاخوة والأخوات الأدب في القول والمعاملة والمعاشرة ، وأوجب عليهم الإحسان لبعضهم على بعض حتى تدوم المحبة والمودة بينهم وحتى يسود الأسرة جو من الوئام والألفة والصفاء ، وتخيم السعادة على جوانب البيت بأسره وعلى جميع نواحيه ، فالصغيرة عليه أن يحترم الكبير ، والكبير عليه أن يرحم الصغير لقوله صلى الله عليه وسلم " بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك " ولقوله صلى الله عليه وسلم " حق كبير الاخوة على صيرهم كحق الوالد على ولده " والأخوة في الدين هي أعلى مراتب الأخوة وأعظمها ، وهي رباط اجتماعي لا يماثله رباط آخر ولا يقاربه ، ولذلك وجدنا الأب يحارب ولده في الإسلام والزوج يقاتل زوجته والأخ يعادي أخاه من أجل مرضاة الله ، والمراد بالأخوة هنا أخوة الدين والعقيدة ، فهذا أضيف إليها أخوة النسب فهي مقدمة على غيرها ، وهي أولى بالبر عن سواها فالأقربون أولى بالمعروف ، ولذا جاء نداء القرآن بالدعوة إلى الإحسان إليهم " يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ... الدين والأقربين " سورة البقرة ، وجاء قوله تعالى " وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا " سورة النساء ، وجاء قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين " البقرة ، ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصدقة للقريب فقال : اثنتان صدقة وصلة " وفي الحديث ما يؤكد أن قرابة المسلم هم أحق الناس بصلته وبره وإحسانه " يا أمة محمد والذي بعثني بالحق لا يقبل الله صدقة من رجل وله قرابة محتاجون إلى صلته ويصرفها إلى غيرهم والذي نفسي بيده لا ينظر الله إليه يوم القيامة " الطبراني ومن مستلزمات الأخوة أن تحب في أخيك إيمانه وعبادته وطاعته لربه واستسلامه لخالقه ، كما أنه من مستلزمات الأخوة أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وتكره له ما تكرهه لنفسك وأن تؤدي ما عليك من حقوق له حسبما جاء بها الإسلام ، وأن تفرج كربته وأن تستر عورته وأن تفرح لفرحه وتحزن لحزنه وأن تمده بمالك إن احتاج إليه ، ومن هنا يتضح الفرق بين رباط الدم والنسب وبين رباط الإسلام والعقيدة فإن رباط الإسلام أقوى وهو حاكم على رباط النسب والدم ومهيمن عليه وهو الرباط الباقي فلا يفنى والأبدي فلا يزول بعد الموت وهو المعبر عن كيان الإنسان ومكانته عند الله في الدنيا والآخرة ، وهو وحده أساس السعادة والسيادة والكرامة والعزة ، وهو إشراقة النور في قلب المؤمن وبدونه يكون الظلام ومضلات الهوى ، وبالإيمان يتغير الفكر والسلوك وأنواع المعاملات والتصرفات ولذا جاء قوله سبحانه وتعالى " إنما المؤمنون أخوة " الحجرات (10) وقد ... سبحانه على المؤمنين بهذه الأخوة فقال " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا " آل عمران (103) ولقد كان الميراث أول الإسلام بالأخوة في الدين لا بالنسب ولم يكن أحد من المسلمين في يده درهم و دينار وهو يرى أنه أحق بديناره أو درهمه من أخيه المسلم بل كان يرى أن إخوانه أحق بما في يده منه حتى استحقوا قول ربهم " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فألئك هم المفلحون " الحشر (9) ، وأخوة الإسلام لها آداب وحقوق وتقوى هذه الحقوق إذا انضم إليها إخاء الدم والنسب فتزداد قوة على قوة فتقوى الصلات بين الأخوة وتكون الحياة في ظل النسب والإسلام كريمة طيبة ومقتضى هذه الأخوة وآدابها أن تحب الخير لهم وتبغض الشر المكروه وأن تكون كما قال عليه السلام " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " رواه مسلم والبخاري وقوله صلى الله عليه وسلم " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر " ، ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من علامة الأخوة الحقيقية أن يدفعك تألمك إلى كشف ضوائق إخوانك فلا تهدأ نفسك حتى تزول الغمة عن إخوانك وأن تسعى جاهدا في تفريج كرباتهم يقول علي السلام " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يثلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " ذلك لأن المؤمن ينطلق بنور حبه لله فيحب كل أخ يحب الله و.... ويصافي كل مسلم ويجد في قلب كل مسلم روضة من الإيمان تجذبه إليه وتربطه إن محبة الخير لكل مسلم أمر واجب في الإسلام ولازم لصدق الإيمان وأثر للعقيدة السليمة النقية ولذا قال صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " رواه البخاري ومسلم ، إن من أدب الأخوة نصرة المظلوم وعون المستضعف وأولى الأخوة بالنصرة أن تنصر أخاك على نفسك لأنك إذا لم تبدأ بنفسك فلا خير فيك لغيرك ، وأن تسعى في قضاء حاجاته لآت السعي في قضاء الحاجات خير من الاعتكاف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ومن أدب الاخوة أن تستر عورات إخوانك ففي الحديث " من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة " رواه مسلم . ولقوله عليه السلام " من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة من قبرها " ومن أدب الأخوة الحلم عليهم وأن تغفر لهم زلاتهم فقد أخرج الطبراني أن رجلا شتم ابن عباس رضي الله عنهما فقال ابن عباس " إنك لتشتمني وإن في ثلاث خصال : إن لآت على الآية في كتاب الله فلو رددت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم ، وإني لسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلي لا أقاضي إليه أبداً ، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح ومالي به سائمة " . والله الهادي سواء السبيل ،،، الشيخ / عبد الظاهر عبد الله علي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأدب مع الأولاد
لقد عنا الإسلام بالأولاد حتى قبل ميلادهم فأوصى الآباء بأن يراعوا الأدب معهم وذلك باختيار التربية الصالحة التي سوف يغرسون فيها وينبت زرعهم حتى يأتي النبات طيبا بإذن ربه كما قال سبحانه ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه خبث لا يخرج إلا نكدا) الأعراف آية (58) فأوصى الإسلام الآباء باختيار الزوجات التي سوف تكون أمهات لأولادهم وأن يراعى فيهن جانب الدين قبل الدنيا ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) ، ذلك لأن النكاح ركن عظيم من أركان الحياة الاجتماعية وهو السبب الأعظم في بقاء النوع الإنساني على أحسن وجه وأكمل نظام والوسيلة الشريفة لتكوين الأسرة إذ لولا النكاح لاختلطت المياه ، واشتبهت الأنساب وضاعت الأولاد لعدم من يراعيها . ولذلك فقد حث الإسلام على الزواج من ذات الدين إذ لو كانت ضعيفة الدين فإنها لم تصن نفسها عن الخسائس ولم تحصن فرجها عن المحارم ولأزرت بزوجها ولسودت وجوه أولادهما ولألحقت بهم العار والخزي فلا يقوون على حياة أفضل في المجتمع الذي يحيون فيه ) ولذا جاء أمر القرآن الكريم بالعناية بالأم وحين اختيارها في قوله تعالى ( وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وامائكم أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) النور آية (32) وكما حث الإسلام على حسن اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تكون أما للولد غداً حتى لا يلحقه بها عار بسوء اختيارها أماله كذلك حث الإسلام على حسن اختيار الزوج الصالح الذي سوف يكون أبا لأولاده غداً حتى يحيا وسط المجتمع مرفوع الرأس عالي الهمة روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إذا خطب اليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) فلينظر العاقل أين يضع كريمته ، ومن زوج ابنته فاسقا أو سيئ الخلق فقد جنى عليها وأساء إليها وتعرض لسخط الله بما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار ، وقال رجل للحسن : قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها ؟ قال : من يتق الله فانه أن أحبها أكرمها وأن ابغضها لم يظلمها . تلك هي عناية الإسلام بالأولاد بالأرض التي سوف يزرعون فيها وتكون لهم وعاءا وهذا من حسن تأديب الإسلام للوالدين لرعاية أولادهما وبعد أنعام الله على الوالدين بأولادهما فقد أوجب الأدب معهم ويتمثل ذلك في قول الله تعالى ( يا إيها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) التحريم آية (6) قال ابن عباس رضي الله عنهما : اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصى الله ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فذلك وقاية لكم ولهم من النار ( وقال علي كرم الله وجهه : علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم ) وهذه الآية جمعت كل الأدب اللازم للأولاد ذلك لأن الإنسان ينشأ في أول أمره وأيام طفولته على فطرة سليمة ونفس صافية تتأثر بالخير كما تتأثر بالشر ، وتنطبع فيها الأخلاق الحسنة ونفس صافية تتأثر بالخير كما تتأثر بالشر ، وتنطبع فيها الأخلاق الحسنة كما تنطبع فيها الأخلاق السيئة فإذا وجد في هذا الوقت من يحكم تربيته ويحسن تأديبه ويسلك به سبيل الاستقامة وطريق الأدب والكمال ، شب حسن الأخلاق طيب النفس متعلقا بأهداب الفضيلة مستمسكا بحبل الهدى والرشد ، فيحيا حياة طيبة يكون بها سعيدا في نفسه ونافعا في أمته ، أما إذا أهمل أمره فلم ينل خظة من التربية والتأديب ولم يأخذ نصيبه من الإرشاد والتهذيب نشأ سيئ الخلق خبيث النفس فاقد الهمة ساقط المروءة محبا للشر كارها للخير ، كلا على أهله وعشيرته وكان شقاءا على نفسه وبلاءا على الناس أجمعين لإهماله في تربيته وتأديبه وتهاونه في إرشاده وتهذيبه فهو مسئول عن ذلك أمام الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم ( أن الله تعالى سائل كل راع عنها استرعاه حفظ أم ضيع حتى ليسأل الرجل عن أهل بيته ) . أيها الآباء وآيتها الأمهات : أن تربية الأولاد في صغرهم على مبادئ الدين الحنيف وتعويدهم على مكارم الأخلاق من أهم المسائل التي يجب على الآباء والأمهات أن يتنبوا لها ، وعلى المصلحين أن يعنوا بها وأن يعلموا أن عليها تدور حياة الأمة في مستقبلها وعليها وحدها يتوقف رقيها في مدارج الرفعة والكمال في الأمم إلا بالأخلاق وما الأخلاق إلا بالتربية الصحيحة وأنكم لو تأملتم في جميع ما نشكوا منه اليوم من فساد الأخلاق وانتشار المنكرات وانتهاك المحرمات وزيغ في العقائد وتهاون في تنفيذ أوامر الدين وخروج النساء في الطرقات والأسواق من غير ضرورة لذلك ، لو تأملتم لوجدتم أن السبب في هذا كله هو ترك التربية الدينية وإهمال التأديب في وقته أن الولد قطعة من والديه وأمانة في أعناقهما فاتقوا الله يا قوم في ثمرات قلوبكم وافلاذ أكبادكم ولا تلقوا بأيديكم في نار جهنم التي وقودها الناس والحجارة ، يا قوم اتقوا الله في أبنائكم وبناتكم وذرياتكم والأولاد الذين ألقيت إليكم مقاليد أمورهم وصارت رعاية شئونهم في أيديكم تنالوا رضا الله في الدنيا والآخرة وتسعدوا وتسعدوا أولادكم في حياتكم وبعد مماتكم . ولقد أدب الإسلام الوالدين مع أولاهما حتى قبل أن يأتيا وأن يحصناهم من الشيطان بالاستعاذة إذ يقول صلى الله عليه وسلم ( لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنينا الشيطان وجنب الشيطان ما راقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره ) ومن الأدب مع الأولاد حين ولادتهم الأذان في الأذن اليمنى والإقامة في الأذن اليسرى لفعله صلى الله عليه وسلم مع الحسين بن علي حين ولد ، ومن الأدب مع الأولاد حسن أسمائهم ولقوله صلى الله عليه وسلم ( إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم فأحسنوا أسمائكم ) رواه أبو داود والله الهادي سواء السبيل . الشيخ / عبد الظاهر عبد الله علي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأدب مع الوالدين
جاءت وصايا القرآن الكريم بالولدين تترى وجاءت لاحقة بالأمر بتوحيد الله تعالى والنهي عن الإشراك به مما يدل على أهمية الإحسان أليهما والعناية ببرهما والتحذير من عقوقهما وجاء ذلك في سبع سور من القرآن الكريم سواء في ذلك العهد المكي أو العهد المدني وسواء في هذه الأمة أم فيمن سبقها من الأمم السابقة مما يؤكد على أن شرع الله أولى الوالدين خصوصيات ليست لغيرهما إذ يقول سبحانه ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالـوالـدين إحسانا ) البقرة آية (83) وفي سورة النساء جاءت الوصية بالوالدين تالية للأمر بعبادة الله والنهي عن الإشراك به إذ يقول ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) النساء آية (36) ثم جاءت الوصية بهما ضمن الوصايا العشر في سورة الأنعام بعد النهي عن الشرك بالله فقال سبحانه ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) الأنعام آية (151) وفي سورة الإسراء فصلت آيات القرآن معنى الإحسان وجاء التعبير قاطعا بصيغة القضاء مما يدل على حتميته وأنه لا يجوز التنصل منه مهما كان الأمر فقال تعالى
( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) الإسراء آية (23) ثم وضحت معنى الإحسان فقالت ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ) الإسراء آية (23) فربما تقدمت بالوالدين أو بأحدهما العمر فيرتد كأنه طفل مصداقا لقوله سبحانه ( ومن نعمره ننسكه في الخلق ) يس آية (68) وهنا يضيق الطبع البشري – ألا من رحمة الله – بالوالدين ولا يتحمل الأولاد انتكاسة الفطرة للأبوين إذ قد يفعلان فعل الأطفال فنهى الأولاد عن أن يصدمنهم أقل لفظ يؤذى الوالدين وألا يزجرا ولا ينهر أمهما حدث منهما وليس ذلك فحسب بل وعلى الأولاد أن يختاروا أرق الألفاظ وأحسن العبارات الرقيقة والتي تكون بردا وسلاما على نفس الوالدين بل وعليه أن يكون ذليلا بين أيديهما أشعاراً منه لهما بأنهما ما زالا صاحبي الفضل على أولادهما وأنه مازالت لهما مكانتهما عند أولادهما ، وأن يكثر من الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما ردا للجميل الذي قدماه واعترافاً بالفضل الذي أسدياه لأولادهما إذ يقول الحق تبارك وتعالى ( ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) الإسراء (23 – 24) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله رجل من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ فيجيبه بقوله أمك فيقول السائل ثم من ؟ فيقول له صلى الله عليه وسلم ثم أمك فيعيد السئوال ثالثة فيقول : ثم من ؟ فيأتي الجواب ثم أمك فيسأل للمرة الرابعة ثم من ؟ فيقول له صلى الله عليه وسلم ثم أبوك ، لقد أوجب الإسلام للأم ثلاثة أضعاف ما للأب لما كابدته من آلام الحمل ومشقة الوضع وعنت الرضاعة والتربية بل انه مهما فعل الأولاد فانهم لن يكافئوا الوالدين ولذا يقول صلى الله عليه وسلم ( لا يجزى ولد والده ألا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) ويسأل صلى الله عليه وسلم عن أي العمل أحب إلى الله ؟ فيجيب ( الصلاة لوقتها وبر الوالدين ) بل أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر كما قال صلى الله عليه وسلم ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ) وفي الحديث ( أن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ) أن الوالدين من الحقوق والبر ما يعجز الأولاد عن إدراكه إلا من رحم الله تعالى ذلك أنهما سبب الفضل وهما اللذان شقيا وسهرا لإسعاد أولادهما وتحملا من ذلك من ذلك من التعب ما تنوء به الجبال ويعجز عن إيضاحه البيان ومن هنا فقد كان رضاهما دليلا على رضا الله تعالى وكان سخطهما عنوانا على سخط الله تعالى ولذا جاء قول الله تعالى لموسى عليه السلام ( أن كلمة من العاق تزن جبال الأرض كلها قال موسى يا رب من العاق ؟ قال الله له : هو الذي يقول لوالده لا لبيك ) ولذا فقد كان دعاؤهما لا يحجبه عن الله حاجب يقول صلى الله عليه وسلم ( دعوة الوالد لولده كدعوتي لسائر أمتي ) ولذا فان الأولاد مأمورون ببرهما في حياتهما وبعد موتهما كما قال صلى الله عليه وسلم حين سئل : هل بقى من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ فقال نعم : صل لهما واستغفر الله لهما وأنفذ عهدهما وأكرم صديقهما وصل الرحم التي لا توصل إلا بهما ) أن الأولاد هم امتداد لحياة الوالدين لأنهما من بقايا فضلهما وجهدهما وأثر من آثار عملهما ولذا فان مما يلحق العبد بعد موته من الخير ) ولد صالح يدعو له ) ألا ليت قومي يعلمون ما يكابده الوالدان من مشاق وما يلحقها من عناء وتعب طول حياتهما في سبيل أولادهما ولذا قال صلى الله عليه وسلم ( فاليعمل البار ما يشاء فانه لن يدخل النار وليعمل العاق ما يشاء فانه لن يدخل الجنة ) لأن رضا الله من رضا الوالدين وسخطه من سخطهما وما ذلك ألا لعظم حقوقهما حتى أن الله أمرنا بالشكر له وللوالدين فقال ( أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير ومن هنا فلا يملك الولد مالا إلا كان للأب فيه حق ونصيب كما قال صلى الله عليه وسلم لولد شكا إليه أن أباه قد أخذ ماله فقال له ( أنت ومالك لأبيك أنت ومالك لأبيك أنت ومالك لأبيك ) لقد أوجب الإسلام طاعة الوالدين وبرهما في كل شيء إلا في معصية الله والإشراك به ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى ) لقمان وأخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت أتتني أمي راغبة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم : أصلها ؟ قال : نعم فإنزال الله فيها ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) الممتحنة وعلى ذلك فبر الوالدين الكافرين أو الفاسقين واجب في غير معصية وذلك لأن برهما مقابل ما فعل الوالدين بالابن من معروف وقدما له من خير وقاما به من تربية والكافران في ذلك كالمسلمين غير أنه لا يستغفر لهما ولا يدعهما بعد موتهما على الكفر ، والإسلام لا يعدل بالجهات شيء آخر ومع ذلك فقد جعل الإسلام من البر بهما أن يستأذنهما في الجهاد والله الهادي سواء السبيل. الشيخ / عبد الظاهر عبد الله علي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأدب مع الأقربين وذوي الأرحام
إن الرحم على وجهين عامة وخاصة ، فالرحم العامة رحم الدين ويجب مواصلتها بملازمة الأيمان والمحبة لأهله ونصرتهم والنصيحة لهم وترك مضارتهم والعدل بينهم والنصفة في معاملاتهم والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم وتكفينهم ودفنهم وغير ذلك من الحقوق مترتبة لهم وهذا هو الأدب مع الرحم العامة وأما القرابة والرحم الخاصة فإن الإسلام قد قد وضع لها آدابا خاصة فوق ما سبق من نفقة وتفقد أحوالهم وترك التغافل عنهم في أوقات حاجتهم والأدب معهم يكون بصلتهم بإيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر حسب الطاقة وتتمثل في قوله تعالى ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) الرعد (21) وفي قوله ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) الإسراء (26) وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أحب أن يبسط له في رزقه ونسأله في أثره فليصل رحمه ) رواه البخاري ومسلم . وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر فأخذ بخطام أناقته ثم قال : يا رسول الله خبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار قال : فكف النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر في أصحابه ثم قال : لقد وفق أو لقد هدى : قال : كيف قلت ؟ قال : فأعادها فقال النبي صلى الله عليه وسلم تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم دع الناقة ) رواه البخاري ومسلم وتكون الصلة لذوي الأرحام بالمال والزيارة وعيادة المريض وإجابة الدعوة والتهنئة بما يسر والتعزية في المصائب وسداد الدين أو المساعدة في سداده وتمريض المريض وذلك لأن الرحم لها حق زائد على حقوق عامة المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم أسرع الخير ثوابا البر وصلة الرحم البغي وقطعه الرحم ) وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قاطع ) يعنى قاطع رحم وجاء قوله صلى الله عليه وسلم ( أن الرحمة تنزل على قوم بينهم قاطع رحم ) وقد توعد الله قاطع الرحم فقال ( والذين ينقضون عهد الله بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ) ولقد لفت الإسلام نظر أتباعه إلى حسن الأدب مع الأهل والأقربين وذوي الأرحام فأوجب الإحسان إليهم وعدم نسيانهم من الخير حتى عند قسمة التركات والمواريث إذا لم يكن لهم نصيب عند استغراق الورثة للتركة فعلينا أن نعطيهم من المال ، بل إن الإسلام قد جعل لهم الوصية مفروضة يقول سبحانه ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خير الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ) البقرة (180) ويقول سبحانه ( وإذا احضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فأرزقوهم منه وقولوا لهم معروفا ) النساء (8) وقد جعلهم القرآن الكريم أحق الناس بالمعروف والإحسان قبل غيرهم فقال سبحانه ( اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ) النساء (36) كما جاء الحث على إعطائهم حقوقهم في قوله تعالى ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبدلوا تبديلا ) الإسراء (26) وحتى إذا لم يجد الإنسان ما يعطيهم فلا اقل من أن يمنيهم بالخير ويردهم بما يؤملون به الفضل الذي يرجوه من الله فيقول تعالى ( وإما تعرض عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسوراً ) الإسراء (28) أن يوصل أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها وعنه قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن قالت فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له إنك رجل خفيف ذات اليد أي قليل المال وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة فاسأله فان كان ذلك يجزي عني وإلا صرفنا إلى غيركم قال عبد الله بل أتته أنت فاسأله فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله حاجتها كان رسول الله قد ألقيت عليه المهابة فخرج علينا بلال فقلنا له : ائت رسول الله فأخبره أن امرأتين في الباب تسألانك أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أبناء من حجورهما ؟ فدخل بلال على رسول الله فسأله فقال له صلى الله عليه وسلم من هما ؟ فقال امرأة من الأنصار وزينب فقال صلى الله عليه وسلم : أي اليانب هي ؟ قال امرأة عبد الله بن مسعود فقال صلى الله عليه وسلم : لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة ) متفق عليه ومن هذا دليل على مكانة الإحسان لذوي الأرحام إن الأقربين هم أولى الناس بمعروفك وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خير تأدبا معهم وجعل الصدقة لهم تعادل صدقتين لغيرهم من قوله ( الصدقة على المسكين صدقة وعلى القريب صدقتان صدقة وصلة ) رواه الترمذي ، وفي الطبراني من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا أمة محمد والذي بعثني بالحق لا يقبل الله صدقة وله قرابة محتاجون إلى صلته ويصرفها إلى غيرهم والذي نفس بيده لا ينظر الله إليه يوم القيامة ) وهذا من أدب الإسلام مع الأقارب حيث ببرهم ومواساتهم والإحسان إليهم ومسح دموعهم ومؤاساة جراحاتهم وتفريج كرباتهم وإدخال السعادة عليهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وفي الحديث ( صلة الرحم تزيد في العمر ) ولقد بين سبحانه وتعالى أن الأعراض عند ذوي الأرحام إنما هو من إساءة الأدب معهم وهو قرين الفاسدين في الأرض إذ يقول سبحانه ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) محمد (22 ، 23) وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم . قبل وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال بصلتهم أرامهم ) رواه الطبراني ولقد بين صلى الله عليه وسلم أن الأدب مع الأقارب وذوي الأرحام واجب حتى ولو كانوا هم من لا يستحقون ذلك وبين أن ذلك من أسباب نصر الله لصاحبه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال : يا رسول الله أن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إلي واحلم عليهم ويجهلون علي . فقال : إن كنت كما قلت فكأنها تسفهم الملل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) رواه مسلم ن قطيعة الرحم إساءة للأدب معها وهي التي قامت بعد أن خلق الله الخلق وفرغ من خلقهم وتعلقت بالعرس وقالت : هذا أحكام العائذ بك من القطيعة فقال الله لها : نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت بلى : قال : فذاك لك وهي من الأمور التي تعاجل صاحبها بالعقوية في الدنيا غير عقاب الآخرة وهي من الأسباب التي ترد عمل صاحبها حين يعرض عمله على الله كل خميس وليلة الجمعة وهي من الأمور التي تعامل صاحبها بالعقاب في الدنيا من عقاب الآخرة يقول صلى الله عليه وسلم ( فحسن تعاجل صاحبها بالعقوبة في الدنيا لنحرص على الأدب مع أقاربنا وذي أرحامنا حتى نكون أهلا لمرضاة الله ورضوانه وعفوه وإحسانه والله الهادي سواء السبيل . الشيخ / عبد الظاهر عبد الله علي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اداب التلميذ في المنزل
أسرة سعيدة اشتهرت بين الناس بحسن الخلق ، وكان تلاميذ هذه الاسرة ينجحون كل عام بامتياز وقد ارادوا رجال الاعلام ان يعرفوا حقيقة السر في امتياز هذه الاسرة ، وتفوق أغرادها فى الامتحانات فسألوا الاب عن ذلك فقال إن لى أولاد أربعة ، كلهم والحمد لله ممتازون فسألوه عن السر في امتيازهم فقال إنهم يتبعون تعاليم الدين الاسلامى ، ويعملون بادابه سواء أكانوا في المنزل أم في المدرسة فسألوه .. ما الاداب التى يتبعها أبناؤك في المنزل ؟ قال الاب : عرف أبنائى أن المنزل مكان الهدوء والراحة ، يأوى إليه الانسان بعد الانتهاء من عمله ليستريح فيه ، وتهدأ نفسه ، ويستعيد نشاطه ، فوفر أبنائى لانفسهم ولوالديهم هذا الهدوء وكل فرد من أبنائى مطيع لى ولوالدته ، والكبير منهم يعطف على الصغير ، والصغير فيهم يحترم الكبير ، وكل واحد منهم يعمل فى المنزل دون أن يحدث ضوضاء أو إزعاجا لغيره من أفراد الاسرة أو الجيران وقد تعود ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آداب الدراسة والمدرسة
جاء في الحديث الشريف:( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) وراه ابن ماجه عن أنس واكتساب العلوم والمعارف في زمان التلقي والاستزادة والحفظ في بداية العمر تحتاج الى جد واجتهاد وتركيز وانتباه واغتنام لأوقات الفراغ وقد ورد عن سيدنا عمر قوله: ( تعلموا قبل أو تسودوا ) وأهم ما ينبغي أن يتزود منه الطفل متى بلغ سن التمييز حفظ القرآن الكريم، منبع العلوم، وكنز الأخلاق، وبحر الفصاحة، وأفق الكمال.
وفي الوقت الذي يقضيه الطالب في مدرسته لا بدّ له من الاحتكاك مع زملائه ومعلميه، والتعامل في دراسته مع أدوات العلم، ومرافق المدرسة ولكل ذلك آداب يجب تمثلها. بعد معرفتها واكتسابها، ليكون ناجحا في دراسته، محبوبا في مجتمعه، موفقا للخيرات، سائرا نحو المعالي، قال الشاعر لو كان نور العلم يدرك بالمنى ... ما كان يبقى في البرية جاهل
اجهد ولا تكسل ولا تك غافلا ... فندامة العقبى لمن يتكاسل أولا : في المدرسة - الحضور الى المدرسة باكرا قبل قرع الجرس.
- السلام على الأصدقاء بوجه باسم، وإلقاء التحية على المعلمين.
- المحافظة على النظام العام والهندام المدرسي والسلوك القويم.
- إحضار الدفاتر والكتب المدرسية واللوازم الخاصة بالبرنامج اليومي.
- الانتباه المطلق أثناء الدرس والمشاركة الفعلية في سيره، ومشاركة المعلم تدرجه في شرح الدروس.
- تجنب الشرود أثناء الدرس، أو الانشغال بالدفاتر أو اللوازم، أو الحديث مع الطلاب.
- تسجيل الواجبات المكلف بها في دفتر خاص، يرجع اليها في البيت لئلا ينسى أي واجب.
- اللعب بلطف أثناء الفرصة، والانتباه الى من هم أصغر سنا لئلا يدفعهم، وعدم اللعب مع من هم أكبر سنا.
- الاستفادة من الوقت المخصص للفرصة لقضاء الحاجات الخاصة في أول الوقت كدخول الخلاء.
- الانتباه الى تناول الأطعمة والأشربة النظيفة، مع غسل اليدين قبلها وبعدها.
- الانتباه الى عدم سقوط شيء من الأطعمة في الباحة تحت الأقدام.
- تجنب أخذ أي متاع خاص بأحد الطلاب إلا بإذنه، ولا تتم إستعارة أي شيء إلا بالاستئذان قبله، والشكر بعده.
- تجنب التهكم بالآخرين والسخرية منهم، والتنابز بالألقاب، والمزاح المؤدي الى الخصومات والعداوات.
- إختيار الأصدقاء الصالحين من أصحاب الأخلاق الحميدة والسيرة الحسنة والسلوك المستقيم والذكاء والاجتهاد في الدروس.
- التحضير الجيد للامتحان من بداية العام الدراسي، وعدم ترك الدروس تتراكم دون حفظ أو متابعة.
- تجنب الغش ومحاولة النقل والاعتماد على الغير في الامتحان، أو استخدام الوسائل غير المشروعة.
- الدعاء عند بداية الامتحان يقول تعالى:
( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) ) سورة طه ثانيا : في البيت ـ المسارعة في كتابة الواجبات المدرسية بعد العودة من المدرسة وعدم تأجيلها الى الغد ـ مراجعة البرنامج اليومي والتأكد من كتابة جميع الواجبات ودراسة مواد اليوم السابق، والتحضير لمواد اليوم اللاحق ـ الاعتناء بالخط والترتيب، والتسطير والتبويب ـ الاعتناء بنظافة الدفاتر والكتب وتغليفها بشكل لائق، والمحافظة عليها من التلف أو الضياع ـ السعي الى التفوق في جميع المواد بالمتابعة المستمرة في الدروس، وتجنب تضييع الأوقات بلا فائدة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( إن الله تعالى يحبّ إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ). رواه البيهقي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آداب العالم
العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا من عرض الدنيا متاعا زائلا، ولا مالا فائنا، وإنما ورّثوا دين الله عز وجل القائم على العلم والحكمة، ومعرفة آيات الله في خلقه، وتزكية النفس وصلتها بخالقها، وتحليتها بمكارم الأخلاق.
العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا عن سيدنا نوح صبره على تبليغ رسالة الله، وتحمله إيذاء قومه وإعراضهم عنه في سبيل الله، وهو قائم بالدعوة الى الله مئات السنين دون كلل ولا ملل، ولا ضجر ولا قنوط.
وورثوا عن سيدنا إبراهيم شجاعته وصموده أمام أعداء الله، وتضحيته بالحياة واستهانته بالموت في سبيل إعلاء كلمة الله.
وورثوا عن سيدنا موسى قوته وأمانته، وعفته ونزاهته، ودعوته للإنقاذ قومه من الظلم والاستعباد، ورفقه بهم ليخرجهم من الظلمات الى النور، ومن عبادة الطواغيت الى عبادة الله الواحد القهار.
وورثوا عن سيدنا عيسى روحانيته وقربه من الله، وذكره وصلته الدائمة بالله، وصدقه ورحمته، وسمونفسه ورفعتها ومحبتها لجميع خلق الله.
وورثوا عن خاتم النبيين سيدنا محمد وعليهم أجمعين الخلق العظيم، والرحمة للعالمين، والصفوة من الشرع والدين القويم.
ورثوا عنه صبره وحلمه، وجهاده ونضاله، وعرض نفسه ودعوته على الناس في سبيل نشر دين الله، مقتحما الأخطار، غير مبال بتهديد ولا إيذاء ولا استنكار، غير آبه بإغراء بمنصب أو مال أو جمال، قائلا كلمته المشهورة: والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أرجع عن تبليغ رسالة ربي ما رجعت حتى ينفصل رأسي عن كتفي رواه البيهقي عن ابن اسحاق.
هؤلاء العلماء هم الذين عقلوا عن الله ينه، وفهموا مراده من رسالته الى خلقه وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) العنكبوت فاستقرّ نور الكتاب بين ثنايا صدورهم، وانطبعت معاني الآيات في أعماق قلوبهم بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ العنكبوت 49 وبذلك ارتقوا في مقامات الصالحين، وارتفعوا الى مصافّ المقربين يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ الذاريات 11 وشتان ما بين هذه المنزلة الرفيعة، ومنزلة الغفل الجاهلين، والمعرضين الزاهدين قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الزمر 9
هؤلاء العلماء هم مصابيح الهدى التي تدل الناس على منهج الله، وترشدهم الى دين الله، وهم منابع الخير والسعادة والفلاح، يملؤون العقول بالعلم والحكمة، ويهذبون النفوس ويزكونها بمراقبة الله وذكره على الدوام، وينشؤون الجيل القوي بعقيدته، الكريم بأخلاقه، النافع لأمته، المخلص في بناء وطنه، فهم روح المة وكنزها الأكبر. قال : إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضلّ الهداة رواه أحمد عن أنس بن مالك.
وإذا كان العلماء مصادر السعادة لمن لاذ بهم وأخلص في صحبتهم في الدنيا، فهم تمام السعادة في الآخرة، يحشر أتباعهم بمعيتهم، ثم يشفعون بهم، قال : ويشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء رواه ابن ماجه عن عثمان بن عفان. وقال عليه السلام: يبعث العالم والعابد فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم اثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت أدبهم رواه البيهقي عن جابر.
وأي شرف أرفع، وفضل أكبر في تكريم العلماء من عطف شهادتهم في وحدانية الله على شهادة الله وشهادة ملائكته، قال تعالى: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ آل عمران 18 ومن قول النبي : إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس خيرا رواه الترمذي وفي حديث آخر فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر رواه الترمذي.
هذا وللعلماء الحقيقيين صفات بها يعرفون، وأخلاق عليها مجبولون، وآداب بها متصفون، نذكر منها ما يلي:
ـ لزوم العلم ومحبته والشغف به، وبذل الوقت للاستزادة منه على الدوام.
قال الله تعالى: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) طه.
وعن عائشة ا أن النبي قال: إذا أتى عليّ يوم لا أزداد فيه علما، يقرّبني الى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية.
ـ العمل بالعلم، لأن العالم الحق لا يخالف فعله قوله، ومن كان قدوة للناس بفعله وسلوكه قبل كلامه وتوجيهه، ومن دعاهم الى الله بسيرته وأخلاقه، قبل دروسه وخطبه، ومن علّم الناس بحاله قبل قاله. قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ثم لا يعمل سبع مرات. وقال سفيان بن عيينة: ليس العالم الذي يعرف الخير من الشر، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه.
وقال أحد الشعراء:
يا أيها الرجل المعلم غيره ****** هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن عيّها ****** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثلــه ****** عار عليك إذا فعلت عظيم
وعن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله يقول: " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه " . متفق عليه.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) الصف.
وقال تعالى على لسان نبيه شعيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ هود 88.
وقال عز وجل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44( البقرة.
وعن أنس عن النبي قال: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم رواه أبو نعيم في الحلية.
وعن أبي الدرداء موقوفا: لا يكون المرء عالما حتى يكون بعلمه عاملا .رواه ابن حبان.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء على الناس وتحرق نفسها رواه الطبراني.
ـ خشية الله تعالى كلما ازداد علما، ومخافته كلما ازداد معرفة بعظمته وقدرته، قال أحدهم:
على قدر علم المرء يعظم خوفه ****** فما عالم إلا من الله خائف
فآمن مكر الله بالله جاهل ****** وخائف مكر الله بالله عارف
قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء فاطر 28.
وقال علي :" قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسّك".
ـ الترفع عن سفاسف الدنيا، ولغوها ولهوها ولعبها، وبهرجها وزخارفها وشهواتها الرخيصة. روي أن رجلا من بني إسرائيل جمع ثمانون تابوتا من العلم ولم ينتفع به، فأوحى الله الى نبيهم أنه قل لهذا الجامع " لو جمعت كثيرا من العلم لم ينفعك إلا أن تعمل ثلاثة أشياء: لا تحب الدنيا فليست بدار المؤمنين، ولا تصاحب الشيطان فليس برفيق المؤمنين، ولا تؤذ أحدا فليس بحرفة المؤمنين".
قال تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) طه.
وعن علي أن رسول الله قال: من ازداد بالله علما ثم ازداد للدنيا حبا، ازداد الله عليه غضبا رواه أبو الفتح الأزدي. وعن الحسن موقوفا: من أراد علما ثم ازداد على الدنيا حرصا لم يزدد من الله إلا بعدا رواه ابن حبان.
ـ التواضع لعباد الله، والشفقة على المتعلمين، والرفق بهم، والتأني في تعليمهم، ومعاملتهم كأبنائه المحتاجين، واحتمال إعراضهم وجفائهم وجهالتهم، والحرص على إنقاذهم من ظلمات الجهالة الى نور العلم والفقه في الدين. والعمل على إصلاحهم بإنتقاء العلم الذي يعالج أمراضهم، ويصلح أحوالهم وتقديم الأولى في تعليمهم والتدرج في تأديبهم، وتفهم حاجاتهم وتقدير ظروفهم، والرد على أسئلتهم، والبشاشة في وجوههم، وتأليف قلوبهم، وبذل الوقت وإنفاق المال في سبيل إرشادهم، وقد ورد في الأثر ( لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه)
قال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (216) الشعراء.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: إنما أنا لكم مثل الوالد لولده رواه ابو داود وابن ماجه والنسائي وابن حبّان.
وعن أبي هرون العبدي قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري فيقول: مرحبا بوصية رسول الله: إن النبي قال: إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا رواه الترمذي وابن ماجه.
ـ الإخلاص في تعليم العلم وبذله للناس، وإرادة وجه الله تعالى به، وطلبا لرضاء الله عز وجل وقربه إليه، فلا يطلب أجرا ولا جزاء ولا ثناء ولا شكورا.
قال الله تعالى: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ هود 29.
وعن ابن عباس ما قال: قال رسول الله : أي جلسائنا خير؟ قال: من ذكّركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكّكركم بالآخرة عمله رواه أبو يعلى.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من طلب علما يبتغي به وجه الله تعالى ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة رواه أبو داود وابن ماجه.
ـ التثبت من العلم والتوسع في دقائقه، واصابة لبه، وأن يبلغ فيه مداه، فلا يكتفي ببعضه ولا بقشوره، ولا يعلم بعض مسائله ويجهل ما هو من مستلزماتها ومتمماتها.
ـ الالتزام بالحلم والوقار، والأناة وسعة الصدر، إذا لا يزين العلم إلا الحلم ومكارم الأخلاق، وتجنب الرعونة والحمق والطيش والخفة والغضب والتهور وسرعة الانفعال..
ـ الصبر على جفاء الجاهلين، وإيذاء الحاسدين، وافتراء الكاذبين وعداوة الجاحدين.
قال الله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ الأحقاف 35.
وعن أبي عبدالرحمن عبدالله بن مسعود قال: كأني أنظر الى رسول الله يحكي نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون متفق عليه.
ـ بذل العلم لأهله، وتبيانه وإيضاحه، وتجنب كتمان شيء منه ضنا به أو ترفعا على من يطلبه.
قال تعالى: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) آل عمران.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من سئل علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار رواه الترمذي.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله : ما آتى الله عالما علما إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتموه رواه أبو نعيم.
ـ استماع الحجة والقبول بها، والانصياع للحق وإن كان من الخصم، وتجنب الإصرار على الخطأ. قال الشافعي: وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب ألي شيء منه، وما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطئ.
ـ الجرأة في الحق، وإظهار عزة العلم، وأن لا يخشى في الله لومة لائم أو غضبة حاقد وإن كان مرا وذلك بالحكمة والعقل والموعظة الحسنة.
قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء الأنعام 83.
وعن عائشة ا قالت: قال رسول الله : من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضى عليه الناس رواه الترمذي.
ـ إعطاء المتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره، ثم يتدرج به من رتبة الى رتبة. قال الإمام علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله رواه البخاري.
وقال ابن مسعود : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا إذا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم.
ـ بذل العلم لمن يقدرونه وينتفعون منه، وإمساكه عمن غيرهم.
عن أنس قال: قال رسول الله : طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب رواه ابن ماجه.
ـ إصلاح ظاهره بالاستقامة على الشريعة المحمدية، وباطنه على التقوى وتزكية النفس ومراقبة الله تعالى، لأن العلم ليس لقلقة باللسان، وكلمات جوفاء لا تتجاوز الآذان، وإنما هو نور القلب بخرج من روح متصلة بالله مستقر في القلوب والأرواح لينقلب الى عمل وسلوك.
قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) السجدة.
وعن جابر قال قال رسول الله : العلم علمان: علم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم رواه الحافظ وابن عبدالبر.
ـ تجنب الفتيا بغير علم أو تثبت أو تأكد من المسألة، وإحالة الباب الذي لا يعرفه إلى من هو أعلم منه، وعدم الحرج من قول لا أدري أو الأنفة من ذلك.
قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85) الاسراء.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه . رواه الحاكم وأبو داود.
ـ تجنب المنة على المتعلمين ورؤية فضله على أحدهم إذا تعلم وتهذب وتزكى، لأن ذلك مما يحبط الأجر والثواب، ولكن يطلب ذخره عند الله، ويرى الفضل للمتعلم الذي كان السبب في رفع درجاته، وزيادة حسناته.
ـ أن يتبع طريقة النبي في زجر المقصرين، ومحاسبة المذنبين وذلك بالتعريض دون التوبيخ، وبالتلميح دون التصريح.. كأن يقول " ما بال أقوام".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آداب المتعلم
كلنا يعلم أن أول ما نزل من القرآن الكريم أن أمر الله تعالى نبيه بالقراءة : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) العلق. ومنّ على الإنسان بالإنعام عليه بالعلم: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق. ثم أقسم في ثاني سورة بالكتابة وأدواتها ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) القلم ثم تتالت الآيات في بيان فضل العلم كقوله تعالى: هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا الأنعام 148. وفي الحث على التعلم كقوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ التوبة 122. وفي تكريم العلماء كقوله جلّ وعلا قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) الرعد.
وتمت معجزة الدين الجديد بالقضاء على ظلام الجهل والخرافة والأمية، ونشر مشاعل العلم والحكمة والحضارة والمعرفة في أرجاء الأرض.
وليس هناك من دين سماوي أو نظام وضعي حض على العلم وقدسه وأمر بتحصيله وتحكيمه في كل خطوة من خطوات الحياة وفي كل ميادينها كما فعل الإسلام.
ففي وقت كان العلم محظورا على الرعاع من الناس، ومقصورا على طبقة الأشراف والنبلاء، لم يبح الاسلام العلم وإنما جعله فريضة على جميع معتنقيه، قال : طلب العلم فريضة على كل مسلم رواه ابن ماجه وغيره عن أنس. وتبرأ من كل جاهل فقال عليه الصلاة والسلام: ليس مني إلا عالم أو متعلم رواه الديلمي عن ابن عمر. وجعله بمنزلة الحيوان الأعجم فقال: الناس رجلان: عالم أو متعلم، ولا خير فيمن سواهما رواه الطبراني عن ابن مسعود.
وجعل العلم طريقا الى الفوز بالجنة فقال : من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا الى الجنة رواه مسلم وجعل طالبه حبيب الملائكة الذين يقومون بتأييده ومعونته، قال عليه الصلاة والسلام: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع رواه أبو داود عن أبي الدرداء، وبين أن القليل منه، خير من كثير العبادة فقال : لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة رواه ابن عبدالبر عن أبي ذر، وقال: فضل العلم خير من فضل العبادة رواه الطبراني والحاكم. وجعل طلبه جهادا في سبيل الله فقال عليه الصلاة والسلام: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع رواه الترمذي عن أنس، وأجره كأجر من ظفر بحجة تامة فقال: من غدا الى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاجّ تاما حجّته رواه الطبراني عن أبي أمامة. وسببا في مغفرة الذنوب وتكفير الخطايا فقال: ما انتعل عبد قط ولا تخفف ولا لبس ثوبا في طلب علم إلا غفر الله له ذنوبه حيث يخطو عتبة داره رواه الطبراني عن علي، وأمر بطلبه إن فقد في بلده ولو في آخر الدنيا فقال عليه السلام: اطلبوا العلم ولو بالصين رواه ابن عدي والبيهقي عن أنس.
وجعل أثره بعد موت صاحبه عملا مستمرا له وأجرا باقيا وثوابا جاريا في صحيفته فقال : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم عن أبي هريرة.
ولئلا يفهم الناس أن المقصود من العلم هو علم العبادات والمناسك فقط حث القرآن في آياته على تتبع علوم الكون كله، واستنباط أسراره وتعلم قوانينه والاستفادة من نظامه ودقة نواميسه قال سبحانه: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ الأعراف 185. وقال تعالى: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ آل عمران 191. وأشار في محكم تنزيله الى بعض علوم السماء والأرض، والنبات والحيوان، والأجنة والفلك، والسياسة والاجتماع، والمعاملات الاجتماعية والعلاقات الدولية..
ومن وحي هذه التعاليم الاسلامية لم تمض فترة وجيزة إلا وصار كل بيت قبلة، وكل سوق مدرسة، وانقلبت الصحاري والمراعي الى منابع للنور والحكمة وفنون العلم والمعارف، ثم انطلق المسلمون الى أصقاع الأرض ينشرون هذا العلم بين الناس، ويبصرونهم سبل سعادتهم، ويدلونهم على حقيقة إنسانيتهم، وأسرار خلقهم.. ويبثون حضارة ما عرفت الإنسانية أعظم منها هدفا ولا أنبل منها غاية ولا أرحم منها على بني الإنسان.
إنها رسالة الإسلام التي لخصها صاحبها عليه الصلاة والسلام بقوله: " إنما بعثت معلما، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة.
هذا وليحصل طالب العلم على ثمرات عمله على الوجه المطلوبـ،، وليبارك في جهوده، لا بد أن يطلب العلم متأدبا بآدابه التي نقطف منها هذه اللآلئ، وننظمها لكل متعلم:
((((( اولا : آداب المتعلم مع العلم )))))
ـ التماس مجالس العلم، وانتقاء اليانع من ثمراتها، والانتفاع بها على الوجه المطلوب.
عن ابن عباس ما قال: قال رسول الله : إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا . قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم . رواه الطبراني.
ـ الصدق في طلب العلم، وبذل الوقت والجهد في تحصيله، والإعراض عن كل ما يشغل عنه من لغو أو بطالة أو اقتراف لمعصية أو محرم. قال الشافعي رحمه الله:
شكوت الى وكيع سوء حفظي ***** فأرشدني الى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ***** ونور الله لا يهدى لعاصي
قال : إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ قال أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك رواه الشيخان والترمذي.
وقد ذكر القرآن الكريم قال تعالى: " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60) " الكهف.
أي مجدا مجتهدا، ومسافرا راحلا في طلب من هو أعلم مني لأزداد علما ولو استدام سفري عشرات السنين والأحقاب مسافرا في طلب العلم.
ـ الإخلاص في طلب العلم، وإرادة وجه الله تعالى في تحصيله، وامتثال أمر رسوله ، والحذر من أن يكون حظه من العلم طلب عرض من الدنيا قليل.
عن ابن عمر ما عن النبي قال: " من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار" رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة رواه أبو داود.
ـ تزكية النفس وتطهيرها من رذائل الأخلاق واتباع الأهواء قبل طلب العلم، لأن العلم إذا نزل على نفس خبيثة زادها خبثا وصار ضررا على صاحبه وبلاء على الناس. قال الشاعر:
لا تحسبنّ العلم ينفع وحده ***** ما لم يتوّج ربّه بخلاق
وقال آخر:
لو كان للعلم من دون التقى شرف ***** لكان أشرف خلق الله إبليس
ـ الابتعاد عن المراء، وتجنب الجدال بعد ظهور الحق، فإن المراء لا يأتي بخير، لأنه يضيع الوقت، ويقسي القلوب، ويورث الأحقاد، ويسبب البغضاء، وعلى المتعلم أن يبدي رأيه لمحدثه فإن اقتنع وإلا فليتوقف عن النقاش العقيم.
قال الله تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ العنكبوت 46.
وعن ابن عمر عن النبي قال: " من طلب العلم ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار " رواه ابن ماجه.
ـ المحافظة على السمت الحسن، والاتزان والهدوء، ووقار العلم، وما يطبعه في النفس من خشية لله، ومعرفة بأقدار الناس. والابتعاد عن كل ما يخلّ بشرف العلم ومكانته في النطق والمشي والأمكنة والمعاملات.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، تواضعوا لمن تتعلمون منه رواه الطبراني.
ـ طلب العلم النافع المفيد في دين المسلم أو دنياه أو آخرته، وتجنب العلوم التي انقضى زمانها، أو التي لا طائل منها، أو التي تضر المسلم في دينه، أو توقعه في الشك والإلحاد.
قال تعالى: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ الشورى 14.
وعن زيد بن أرقم أن رسول الله كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها رواه مسلم.
ـ تلقي العلم عن أهله الأكفاء، من العلماء الراسخين، والأتقياء الصالحين، وأخذ كل فن من المختصين به، المحسنين له.
عن أنس أن رسول الله قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم رواه الحاكم.
ـ الصبر على التعلم والحفظ والمراجعة، واستغلال الوقت واكتساب الفراغ، قبل ذهابهما بما يستطيع من الاستزادة من العلم، قال سيدنا عمر ( تفقهوا قبل أن تسودوا).
ـ السؤال عن كل ما استعصى عليه فهمه، والبحث في كل مسألة حتى يتقنها، وعدم الحياء في طلب العلم. فقد قيل لابن عباس ما بما نلت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤول، وقلب عقول. وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر.
وعن عائشة قالت: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهنّ الحياء على أن يتفقهن في الدين.
ـ التبكير الى مجالس العلم، والحرص على كل ما يرد فيها من أفكار ومعان وبركات، وتقييدها بالكتابة، وتصنيفها وتبويبها بعد مراجعتها في البيت.
قال الشافعي:
العلم صيد والكتابة قيد **** قيّد صيودك بالحبال الواثقة
ـ استكمال العدة اللازمة للدخول في عداد طلاب العلم ومنها ثمانية أشياء: الدليل: وهو المعلم الكامل، والزاد: وهو التقوى، والسلاح: وهو الوضوء، والسراج: وهو الذكر، والمنهاج: وهو الشريعة المحمدية، والهمة الصادقة القوية، والأخوة في الله المصاحبين بالصدق، وتجنب اتباع الهوى.
((( ثانيا : آداب المتعلم مع المعلم )))
ـ التواضع للمعلم ولو كان أصغر سنا، إذا ليس من الذل المكروه أن يتذل طالب العلم لمعلمه.
قال ابن عباس ما: ذللت طالبا، فعززت مطلوبا. وقال شعبة: كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما حييت.
ـ احترام العالم وتقديره وإكرامه، والنظر اليه بعين الإكبار والإجلال والتعظيم.
قال الشافعي: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحا رقيقا هيبة لئلا يسمع وقعها.
وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر الي هيبة له.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله علي وسلم: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا" رواه أبو داود والترمذي.
وعن عائشة قالت: أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم. رواه مسلم.
ـ القيام للعالم عند دخوله، وتقبيل يده احتراما ومحبة وتبركا وتقديرا.
قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) الحج.
وعن الوازع بن عامر قال: قدمنا، فقيل: ذلك رسول الله : فأخذنا بيده ورجليه نقبلهما. رواه البخاري.
وعن جابر أن عمر قبّل يد النبي . رواه ابن المقري.
وعن ابن عمر ما قصة قال فيها: فدنونا من النبي فقبلنا يده. رواه أبو داود.
وعن ابن جدعان قال ثابت لأنس : أمسست النبي بيدك؟ قال نعم. فقبّلها. رواه البخاري.
وعن صهيب قال: رأيت عليّا يقبّل يد العباس ورجليه. رواه البخاري.
وعن عائشة ا قالت: ما رأيت أحد أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله من فاطمة كرّم الله وجهها فكانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته مجلسها. رواه أصحاب السنن.
وعن أبي سعيد أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه النبي فجاء، فقال: قوموا الى سيدكم وذكر الحديث رواه الشيخان وأبو داود.
ـ التأدب في مجلس العالم بجلسته وكلامه، وحسن استماعه وسؤاله. قال الحسن لابنه: يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.
ـ تجنب الانصراف، ومغادرة مجلس العلم إلا بإذن من المعلم، فإذا أذن له فليستغفر الله لأن الأولى أن لا يغادر مممجلس العلم قبل انتهائه.
قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62) النور.
ـ الاستئذان في الصحبة، وطلب العلم من المعلم. وطاعته في كل ما يأمره به.
قال الله تعالى: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69) الكهف.
ـ القيام بحقوق المعلم على أكمل وجه، وقد جمعها الكثير من السلف الصالح نختار منها ما يلي: قال الإمام علي : من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيديك، ولا تغمز بعينك غيره، ولا تقولن قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى وإن كانت له حاجة سبقت القوم الى خدمته، ولا تسارر أحدا في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذا ملّ، ولا تشبع من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء.
وقال علي بن الحسن ما: حق أستاذك عليك، التعظيم له، والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحدا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذكره أحد عندك بسوء وأن تظهر مناقبه، ولا تجالس عدوه، ولا تعادي وليه، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه لله عز وجل لا للناس.
وقال الإمام الغزالي: آداب المتعلم مع العالم أن يبدأه بالتحية والسلام، وأن يقل بين يديه الكلام، ويقول له إذا قام، ولا يتكلم ما لم يسأل، ولا يسأل أولا ما لم يستأذن، ولا يعارض كلامه، ولا يشير عليه بخلاف رأيه، ولا يشاور جليسه في مجلسه، ولا يضحك عند مخاطبته، ولا يكثر الالتفات بحضرته، بل يجلس مطرقا ساكنا كأنه في الصلاة، ولا يستفهمه عن مسألة في طريقه، ولا يتبعه بكلامه وسؤاله، ولا يسيء الظن في أفعال ظاهرها منكرة له فهو أعلم بأسراره، وليذكر عند ذلك قول موسى للخضر عليهما السلام: ( أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا) وكونه مخطئا في إنكاره واعتراضه اعتمادا على ظاهره.
وقال بعض العلماء: من حق أستاذك عليك أن تتواضع له وتحبه حب الفناء، ولا تخرج عن رأيه وتوجيهه، وأن تشاوره فيما تقصده، وتتحرى رضاه فيما يعتمده، وتنظر اليه بعين الإجلال، وتعتقد فيه درجة الكمال، وأن تعرف حقه، ولا تنسى له فضله، وتحضر الى درسه قبل أن يأتي، ولا تتنقل أثناء درسه، ولا تتقدم في السير عليه، وأن تدعو له مدة حياته، وأن تصبر على صحبته، وتجلس بين يديه بسكون وتواضع واحترام، وأن تصغي إليه، وتنظر اليه مقبلا بكليتك عليه، غير ملتفت عنه، وأن لا تعبث بيديك أو رجليك أو أنفك أو دفترك أثناء كلامه، وأن تدفع الضحك والقهقهة والتثاؤب في حضرته، وأن تستأذن للدخول عليه وللانصراف من عنده، وأن تدخل عليه كامل الهيئة، متطهر البدن، نظيف الثياب، فارغا من الشواغل، حاضر القلب بذكر الله عز وجل وإرادة وجهه.
وقال الامام الشافعي:
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ***** ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وقال شوقي:
قم للمعلم وفه التبجيلا ***** كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أعظم أو أجلّ من الذي ***** يبني وينشئ أنفسا وعقولا
وقال غيره:
أرى فضل أستاذي على فضل والدي وإن ***** نالني من والدي العزّ والتحف
فهذا مربي العقل والعقل جوهر ***** وهذا مربي الجسم والجسم من صدف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آداب المجلس
لا بد للإنسان في حياته اليومية من مخالطة الناس ومعاملتهم، ومجالستهم في مجالس عامة أو خاصة، ومن خلال هذه المجالس يمكن الحكم على المتجالسين، وبما ينفضون عن مجلسهم من نتائج وثمرات يمكن الاعتداد بهذا المجلس والإفتخار بحضوره، أو الإعراض عنه وتجنب خطره وفساده.
والمجالس مجتمعات يحضرها أناس من جميع الطبقات، ويتكلم فيها رجال من كافة المستويات، منهم الغث ومنهم السمين ومنهم المصلح ومنهم المفسد، والمسلم من يستطيع أن يدير دفة المجلس لما فيه من خير المتجالسين في دينهم ودنياهم، ولما فيه رضى الله ورسوله، فإن لم يستطع فالإعراض عن ذلك المجلس هو محض الخير وعين الصواب.
قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ النساء 140.
وقد كان الأنبياء والمصلحون يغشون مجالس الناس فيقعدون معهم بتواضع وإخلاص، يأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، ويذكرونهم بما يصلحهم، ويعظونهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويرغبونهم بالتقوى والعمل الصالح، ويرهبوهم من الكفر والإثم والمعصية والعدوان.
ولا ينبغي للعالم أو المرشد أن يجالس قوما يخوضون في باطلهم، ويرتكبون الذنوب والآثام، غافلين عن الله، ساهين عن عقابه وانتقامه، مغترين بحلمه وإمهاله، إلا كما يجالس الطبيب المريض، والعالم المعلم الغافل الجاهل، بمقدار الحاجة وبما يحقق الدعوة والإصلاح، كما لا ينبغي للمسلم أن يجلس مجلسا تنتهك فيه حرمات الله، وتدور فيه كؤوس اللهو واللغو والمنكرات، يشاركهم فيها أكلهم وشربهم، وضحكهم وبطالتهم، غير مبال بما ينزل على مجلسهم هذا من غضب الله ومقته..
ويضرب لنا رسول الله مثلا حيا فيقول: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، فجلس رسول الله ـ وكان متكئا ـ وقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا ـ أي تعطفوهم عليه ـ. رواه الترمذي عن ابن مسعود.
واليوم قل أن نرى مجلسا يذكر فيه الله والدار الآخرة، بعد أن عمت مجالس الغفلة والمنكرات، وفشت مجالس الغيبة والنميمة والطعن في الأعراض، والإنغماس في المحرمات.
ورب مجلس يقعده المرء مع قوم أشقياء، يصنع لنفسه فيه حلة من الشقاء تلازمه الى يوم القيامة..
ورب مجلس علم أو ذكر أو نصيحة يرتع فيها الإنسان في روضة من رياض الجنة فلا يخرج منها الى يوم القيامة..
وعن الصنف الأول يقول رسول الله : ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة رواه الترمذي عن أبي هريرة.
وعن الصنف الثاني يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ما جلس قوم يذكرون الله تعالى فيقومون حتى يقال لهم: قوموا قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبدل سيئاتكم حسنات. رواه الطبراني عن سهل بن حنظلة.
هذا في الحديث عن أنواع المجالس، أما ما يتعلق بآدابها ففيها تنعكس جميع آداب المسلم الإجتماعية، وتتجلى براعته في لفت أنظار الناس، وانتزاع إعجابهم، واكتساب قلوبهم، وذلك بحسن أدبه، وكرم معشره، ودماثة خلقه، ولين جانبه، وطيب كلامه، وبشاشة وجهه.
وقد نبهنا الله تعالى الى شيء من هذه الآداب في كتابه العزبز، فأمر بالتوسع والتفسح في المجالس للقادمين إليها، وإكرامهم وإيثارهم والإحسان إليهم.
أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجلسهم عند رسول الله فنزلت: يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنها نزلت يوم الجمعة وقد جاء ناس من أهل بدر وفي المكان ضيق، فلم يفسح لهم، فقاموا على أرجلهم، فأقام نفرا لعدتهم، وأجلسهم مكانهم، فكره أولئك النفر ذلك، فنزلت الآية.
وهذه باقة من الآداب الخاصة بالمجالس:
ـ السلام عند الدخول الى المجلس، وعند الخروج منه.
ـ الجلوس حيث ينتهي المجلس، ولو انتهى به الى مكان متواضع وتجنب تخطي الرقاب للوصول الى صدر المجلس.
ـ تجنب الجلوس في مكان أحد بعد إبعاده عنه ولو كان طفلا صغيرا أو رجلا فقيرا.
ـ تجنب الجلوس بين اثنين جلسا مع بعضهما قبله إلا إذا فسحا له بينهما.
ـ تجنب الجلوس في وسط الحلقة في مجلس حلق فيه الناس على شكل دائري.
ـ تجنب إشغال المكان الذي قام منه صاحبه إذا علم أنه سيعود إليه، والإفساح له في مجلسه إذا عاد إليه.
ـ تجنب تهامس إثنين وتناجيهما مع بعضهما في مجلس لا يضم سوى ثلاثة أشخاص لئلا يظن بهم ظن السوء، أو يحزن لانشغالهم عنه وتركه وحيدا. إلا أذا أذن لهم بذلك.
ـ تجنب تنقيص أحد أو الإستهزاء به في المجلس، أو الإستهتار بالحاضرين أو الجلوس على غير هيئة الأدب بينهم كالإستلقاء وهم جلوس أو القعود في مكان مرتفع وهم على الأرض أو مد الأرجل.
ـ تجنب الاحتباء وتشبيك الأصابع وفرقعتها، والعبث بالخاتم، وتخليل الأسنان، وإدخال اليد في الأنف، وكثرة التمطي والتثاؤب.
ـ التيامن في الدخول الى المجلس والخروج منه وشغل الأماكن بالجلوس، وإخلائها بعد المجلس، وفي توزيع الماء أو الطعام، حيث يبدأ بسيد المجلس ثم الأيمن فالأيمن.
ـ المحافظة على نظافة المجلس، وحضوره بثياب نظيفة، ومظهر حسن، متعطرا، متسوكا، مرجلا شعره، مقلما أظافره هادئا وقورا.
ـ تجنب إفشاء أسرار المجالس، وما إئتمنه عليه أصحابها، فذلك من الخيانة.
ـ تجنب نقل أحاديث المجالس وتبليغها على وجه الإفساد ونشر العداوة والبغضاء.
ـ تجنب مجالس اللهو واللغو والحرام وهدر الأوقات، ونهش الأعراض، وغمط الناس وهمزمهم وغيبتهم، أو مجالس المراء والجدال والكفر والإلحاد والباطل. أو مجالس الغناء والمعازف أو مجالس الإختلاط وإثارة الغرائز والشهوات.
ـ أداء حق المجلس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتذكير بالطاعات والصالحات والصدقات.
ـ الإصغاء الى الكلام الحسن ممن يحدث، دون طلب إعادته، والبعد عن المضاحك والمهازل، وتجنب التصنع والقطع والتكلف والتبذل.
ـ إنهاء المجلس بقراءة سورة العصر والتواصي بها والتذكير بمعناها الجامع لكل خير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ